أية تدابير احترازية لمندوبية الحافي لحماية ما تبقى من غابات إقليم طنجة أصيلة ؟؟

حسب تصريح رسمي لمسؤول إقليمي للمياه والغابات ومحاربة التصحر سنة 2011 ، فإن معدل الاندثار الكلي للغابة بإقليم طنجة أصيلة يقدر بحوالي 30 هكتارا سنويا. وإذا أخدنا بعين الإعتبار عدد الحرائق التي تتكرر في نفس الغابات، فإن معدل الاندثار الكلي يرتفع كل سنة .
إن الجماعات الترابية التي تعتبر الرئة والمتنفس الطبيعي لطنجة الكبرى، لتوفرها على أكبر غطاء غابوي مهم ومتنوع، فهي جماعة حجر النحل، المنزلة، سبت الزينات، دارالشاوي، كزناية، بالإضافة إلى مقاطعة مغوغة وطنجة المدينة.
حيث تقدر مساحة غابة دار الشاوي والمنزلة بحوالي 6000 هكتار، ومع ذلك أصبحت تلك الغابات مهددة لأسباب متعددة بالحريق المتعددة، سواء الطبيعي منها أو المفتعل .

و في زمن الجائحة والتباعد الاجتماعي والخدمات عن بعد، لا بد من التساؤل عن ماهية استراتيجية مندوبية الحافي للحفاظ على الغابة ؟؟و ما هي مقارباتها المندمجة الذكية لمواكبة المستجدات للحفاظ على ما تبقى من الغابات التي حكم عليها بالاندثار بمقتضى حكم نهائي لا رجعة فيه لأسباب يعلمها الجميع ؟؟؟

ما هي الإجراءات التي اتخذتها مندوبية المياه والغابات بعد الحرائق المهولة التي عرفتها غابة دار الشاوي، سيد المنصار، الدبلوماسية، مديونة، السانية..؟علما أن غابة دار الشاوي والمنزلة تعرضت ل 3 حرائق خطيرة وكارثية بين 2012 و 2020 حصدت وأتلفت أكثر من 400 هكتار من المساحات الغابوية.

يبدو أن استراتيجية مندوبية الحافي بإقليم طنجة أصيلة تكمن في تنزيل شعار :
“تحرقت الغابة، علقوا المواطن”.
وبالفعل، فهي تعمل على تفعيل إجراءات ميدانية مهمة للحفاظ على الغابات عند اندلاع الحرائق، وذلك بتجنيد كل الوسائل المادية واللوجستيكية، وكذلك العنصر البشري الذي يضم في جزء منه أعوان الجماعات الترابية والإنعاش الوطني و الوقاية المدنية والقوات المساعدة، كل ذلك أثناء اندلاع النيران، ولكن الملاحظ هو الغياب التام المندوبية لمنع الحرائق قبل وقوعها، فهي تظل غائبة من قبل ومن بعد، ولا تتدخل إلا بعد وقوع الكارثة.

إن الغابة بطنجة ما زالت أصيلة، لكنها تعاني من عوائق النمو ومن عدة اختلالات بسبب سوء تدبيرالمجال الغابوي، مما يجعل من عملية الحماية والصيانة وإعادة التشجير أمرا عسيرا. إذ لا يتم إشراك جميع الجهات المعنية والمتدخلة من جماعات وإدارة ترابية وجمعيات المجتمع المدني المحلية. ثم إن عملية استنزاف الثروة الغابوية لها علاقة بالتدخل البشري، لأنها كانت ومازالت تعتبر مصدرا للعيش والقوت اليومي لساكنة الدواوير المجاورة، والتي ما زالت تعيش في الحالة التي كان عليها منذ العصور الوسطى وقبل الحماية ( غياب البنى التحتية والفوقية، انعدام مقومات العيش الكريم)، هذا فضلا عن وجود إختلالات أخرى ساهمت بشكل مباشر في اندثار الغابة بالإقليم، وهي ذات علاقة بالتدخل البشري، وتتمثل فيما يلي: غياب (التشجير، التأطير، الوعي بالمخاطر)، التحديد الإداري، القنص والصيد البري، عدم المحافظة على الغابة، الأمراض الطفيلية، التغيرات المناخية، النمو الديموغرافي، التوسع العمراني، الهشاشة الاجتماعية، الفقر، البطالة، الريع والفساد، غياب التنمية البشرية الحقيقية بالجماعات الترابية، وأخيرا، وذلك بيت القصيد، إستغلال الأمية القانونية لدى المواطنين والمواطنات بالقرى، ثم إجراءات التحديد الإداري للمجال الغابوي في غياب الشفافية والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير المجال البيئي والغابوي.
فمنذ حريق غابة سيد المنصار في 2012 و حريق في 2017 بالجهة الشمالية الغربية لنفس الغابة، ثم الحريق الأخير في الأسبوع الماضي الذي اندلع ابتداء من غابة دوار الرملة وصولا إلى دوار المنزلة، والغابات تتآكل تباعا على صعيد الإقليم، حيث إن النيران قد قضت على غطاء غابوي طبيعي مهم وعلى الثروة الحيوانية لثلاث جماعات ترابية دار الشاوي، سبت الزينات والمنزلة. فبين كل حريق وحريق هناك حريق، وبين تلافيف تلك الحرائق تغيب مندوبية الحافي بمؤسساتها الإقليمية والجهوية، كما تغيب الجهة، علما أن حماية المجال الغابوي تدخل ضمن اختصاصاتها. ويظل القاسم المشترك بين تلك الحرائق هو رياح الشرقي القوية وصعوبة المسالك وكثافة الغطاء الغابوي، حسب التصريحات التي يتم ترديدها أثناء وبعد كل حريق من طرف الجهات الوصية.

إن أهم ما يميز الزمن الفاصل بين حريق وحريق، هو عدم تدخل المندوبية وقطاعاتها المختصة، أو القيام بعملية محتشمة لإعادة التشجير هنا وهناك، إذا ما قورنت بالمساحات المتلفة، لعدم احترام الشروط التقنية خلال عملية الإنجاز ولضعف الخبرة والتجربة، ثم التعويل على يد عاملة غير مختصة تتبع للمقاولات الموكول إليها عملية التشجير من جهة، ومن جهة أخرى هناك عدم احترام الموسم الملائم لعملية التشجير، وبعد ذلك تأتي مرحلة استعراض بعض المشاريع التي تطرح بعد الحرائق بهدف التسويق الإعلامي، مما يثير بعض الشكوك لدى الخبراء والمختصين والفعاليات الحقوقية والبيئة حول مدى جودة الأشجار المخصصة لإعادة التشجير .

إن ما يميز مندوبية الحافي بالإقليم خلال خرجاتها الميدانية والاستعراضية، هو غياب برامج التكوين المستمر وعدم الانفتاح على الساكنة والفعاليات المدنية في إطار مقاربة تشاركية مندمجة. ومما يثير الشكوك ويطرح الحق في المساءلة السياسية والقانونية، هو أنه رغم أهمية الغابة وتكاثر العوامل المهددة لها، فإن مندوبية الحافي بإقليم طنجة أصيلة تنهج سياسة التقشف، من خلال تقليص عدد الحراس سنويا. ولعل ما حدث بغابة جماعة المنزلة هو خير دليل على ذلك، بحيث إن المندوبية كانت تتعاقد مع أكثر من 12 حارسا مؤقتا من أحد الدواويرالمجاورة، خاصة في فصل الصيف، لكنها مؤخرا لم تتعاقد إلا مع 5 أفراد لحراسة الجزء الأكبر من غابة سيد المنصار، يضاف إلى ذلك غياب المراقبة والمتابعة والرصد رغم ارتفاع مؤشرات التهديد الطبيعية والبشرية، مما يجعل الفعاليات الحقوقية تطرح أكثر من سؤال حول هذا الموضوع؟؟. هل يتعلق الأمر بأزمة مالية تعرفها مندوبية الحافي ؟؟ أم أنه يتعلق بإعداد آلية من آليات فتح الوعاء العقاري الغابوي وإعداده للتفويت والاستثمار ؟؟؟

أما فيما يخص مؤشر الثقة وعلاقة المؤسسة الدستورية بالمواطن، فهي علاقة تتميز بالتوتر والسخط وعدم الرضى، كما أنها بعيدة كل البعد عن مبادئ المواطنة والشراكة والمقاربة التشاركية. والدليل هو العدد الهائل من النزاعات القضائية ومحاضر المخالفات والغرامات، ومنع الساكنة الأصيلة بجماعة حجر النحل والمنزلة من استغلال وحرث أراضيها الموروثة أبا عن جد عن طريق الشطط في استعمال السلطة وتكريس الاختلالات المرفقة بالشبهات التي رافقت عملية التحديد الإداري لغابة سيد المنصار .

ومن جهة أخرى، يسجل على مندوبية الحافي بإقليم طنجة أصيلة محاباتها – لحاجة في نفس السيد الحافي وأطره- لجمعيات القنص والصيد البري رغم أثرها السيئ على الثروة الغابوية، ثم عدم تدخلها في تأطير وتقنين الرعي الغابوي، ف( الصياد تستقبله بالحليب والثمر) والراعي( تستقبله بالهراوة والمحكمة والغرامة)، هذا إضافة إلى عدم وجود فرق مراقبة القنص غير المرخص .أما الطامة الكبرى، فهي غياب التدخل لمحاربة الأمراض ومعالجة الأشجار المريضة والحد من انتشار الطفيليات، ثم عدم وجود برامج تحسيسية تهدف إلى تقريب المعلومة والتعرف على الدورة الحيوية للحشرات والعلاقة بين الطفيليات والبيئة، نظرا لغياب برامج الرصد الذي يهم الحالة الوبائية للغابة بالإقليم.

هذا فضلا عن غياب الشفافية والحكامة فيما يخص الصفقات المرتبطة بالمجال الغابوي، وكذلك بخصوص فتح مجال الاستثمار في عدة غابات بالإقليم واعتماد الكراء الخاص لجمعيات الصيد البري، إلى جانب عدم احترام دفتر التحملات والمقتضيات الجاري بها العمل، ثم غياب المساءلة حول عملية استغلال ما تنتجه الغابة من مواد مختلفة، وعدم توفر دليل خاص بقطع الأخشاب وتفويت محصولاتها وفق مقررات الوزارة الوصية. كل ذلك يتم دون إشراك الساكنة المجاورة التي لا حول لها ولا قوة أمام سطوة محاضرالمخالفات والغرامات . .

ما من شك أن التزايد الديموغرافي المستمر منذ الإعلان عن برنامج طنجة الكبرى، بعد أن أصبحت الجماعات الترابية المجاورة لطنجة تشكل الحديقة الخلفية للمدينة، كان له أثر كبير على تقليص الغطاء النباتي الطبيعي وانقراض بعض النباتات ( الدوم/الدرو/ كراز…) و كذلك بعض الحيوانات( الذئب/الثعلب/ابن أوى/ …) . والسبب الرئيسي والمهم لهذا التراجع، هو غياب فرص التشغيل بالجماعات الترابية وانعكاساته على المستوى المعيشي للسكان، مما يؤدي إلى التطاول على الغابة كمورد رزق يومي لهم .
ولذا فعلى الجهات الوصية إيجاد حلول عملية وفعلية لإنصاف الساكنة بإعادة النظر في مخططات المندوبية ومراجعة قرارالتحديد الإداري لغابة سيد المنصار(الذي يضم أراضي الخواص وجزءا من مجال السكن البعيد عن الغابة بكيلومترات، ثم أراضي الجموع السلالية وأملاك وزارة الأوقاف)، ثم تقوية برامج تأطير الغابات وحمايتها عن طريق الرفع من مستوى تكوين للأطر وتقنيي القطاع الغابوي، وتحسين الظروف المادية والاجتماعية لأعوان ومأموري مندوبية المياه والغابات، ثم الاستعانة بالفعاليات المدنية والحقوقية المحلية والتعامل معها كشريك فعلي في التنمية المجالية، و تعزيز الخريطة الغابوية بخلق المسالك وتزويد الحراس بوسائل التنقل والاتصال وتطوير وسائل مكافحة الحرائق، بالإضافة إلى تنمية الدواوير المجاورة وخلق فرص للشغل والتمويل المنتظم للبرامج الغابوية في إطار الشراكة الفعلية بمقاربة مندمجة حقيقية، لأن زمن إطلاق النسور للإستيطان من جديد في محمية جبل موسى وغض الطرف على تدمير محمية تاهدارت وبحيرة سيدي قاسم وانقراض طائر الحبار الملتحي قد ولى، وإن زمن تفويت الأراضي الغابوية وفتحها للإستثمار في الجهة الشرقية والغربية لطنجة وضم أراضي الخواص وترحيل الساكنة الأصيلة عبر التحديد الإداري للمنطقة الجنوبية وفحص أنجرة قد أصبح أمرا مكشوفا في زمن وسائل التواصل والمنصات والمنتديات الاجتماعية الافتراضية، فلا استقرار ولا تنمية إلا بتفعيل مبدأ العدالة المجالية والعدالة العقارية والترابية وبإنجاز مشاريع تنموية مندمجة بالعالم القروي .
وعليه، فمن أجل تقريب القارئ إلى استراتيجية مندوبية الحافي بطنجة الكبرى وأصيلة، يمكن التذكير ببعض المتغيرات التي طرأت على الملك الغابوي بطنجة، خلق مجمعات سكنية ومشاريع استثمارية بغابة مريكان ” الدبلوماسية وضم أراضي الخواص بمداشر تاريخية يفي إطار عملية التحديد الإداري للغابات المنجز من طرف إدارة المياه والغابات بجماعة المنزلة وفحص أنجرة.
لقد تحولت سياسة مندوبية الحافي منذ سنوات إلى قنبلة موقوتة قابلة للتفجير تهدد السلم الاجتماعي والاستقرار بالعالم القروي، ولذلك فإن أولى الأولويات في زمن التداعيات السلبية الاجتماعية والاقتصادية لجائحة كوفيد 19 هي وضع مقاربة مندمجة لحماية الإنسان والغابة بالجماعات الترابية بإقليم طنجة أصيلة وفق مقاربة قانونية، عقارية، تقنية ووظيفية برؤية دستورية تشاركية لرفع الشطط الإداري وإسقاط جميع المتابعات القضائية وإنصاف الساكنة ورفع يد السيد الحافي عن الأراضي ليتمكنوا من حرثها كما حرثها آباؤهم وأجدادهم قبل ظهور مندوبية الحافي التي حكمت عليهم أن يعيشوا على الخبز الحافي .

*عن لاكرونيك
الحداد حسن (المنزلة)

Related posts

Leave a Comment