الاستثمار السياحي الموهوم: مشروع تهيئة كورنيش بلدة بليونش نموذجا

من خلال هاته الصور الملتقطة من ورش تهيئة كورنيش بلدة بليونش الساحلية التابعة لإقليم المضيق الفنيدق، تشاهد شاحنة تصب الأسمنت فوق التراب داخل حفرة دون وجود قالب، كما يلاحظ بالعين المجردة وجود اعوجاج كبيرعلى مستوى القطعة الخرسانية الموجودة يسار الصورة، والتي يتم إنجازها دون استعمال أدوات القياس، وهذا دليل على عشوائية الأشغال، إما بسبب غياب الكفاءة المهنية أو نتيجة انعدام المراقبة والتتبع. وغالب الظن أن المسؤولين عن الورش وكذلك الجهات المسؤولة لا يقدرون ماضي ولا حاضر ومستقبل بليونش، فهم لا يدركون أنها في الماضي كانت تعد منتجعا سياحيا مفضلا لأعيان الأندلس، كما أنها اليوم تصنف كجزء من المحمية الوطنية، محمية جبل موسى. أما في المستقبل فهي المنافس الرئيسي لمدينة سبتة المستعمرة الأقدم في أفريقيا. لكن الطريقة المعتمدة في إنجاز الأشغال تغفل عن كل هذه المعطيات، كما أن عملية صب الأسمنت بغزارة فوق شاطئ البحر وغرس مئات الأعمدة الكهربائية لن تأتي بأية نتيجة باستثناء حلب ميزانية الجماعة الفقيرة من خلال تضخيم فواتير استهلاك الإنارة العمومية .
إن الاستثمار الحقيقي يجب أن تكون له مردودية، ولو على المدى المتوسط أو البعيد كترميم ما تبقى من الآثار وصيانتها من الضياع وفتحها أمام الزوار. كما أن الأشغال كيفما كانت، يجب أن تحترم خصوصيات المنطقة، وأن تستعمل فيها المواد الصديقة للبيئة التي تنسجم مع المنظر العام على طول الساحل الغربي لمضيق جبل طارق أو ما كان يعرف قديما ببحر الزقاق الذي كانت بليونش عاصمته السياحية آنذاك، مرورا بواد المرسى والقصر الصغير.
وحتى بالنسبة لطنجة المدينة الرائدة في مجال السياحة البحرية، والتي عرفت إنشاء أول ناد بحري بأفريقيا. فإن تلك العقلية هي نفسها التي تحكم آليات تدبير أوراش الكورنيش، حيث يتم صب المزيد من الخرسانة بجانب شاطئ البحر دون احترام المعايير التقنية الخاصة بالجمالية والبيئية المفروض مراعاتها في هذا النوع من المشاريع. فالنظرة الضيقة للمستثمر الذي لا يهمه إلا الربح تجعله غير مقدر لخصوصيات هذه المنشآت التي تقام فوق الساحل والتي يجب أن تخضع لنظام بيئي خاص يحافظ على صلة الأرض بالبحر، ويبقي على حق الكائن البشري في الزيارة والاستجمام والتمتع بالطبيعة الأصلية دون أن يصبح أسيرا في قبضة الكيانات المصطنعة المحاصرة خلف سدود الخرسانة المسلحة ..
وإذا كان الرأي العام بطنجة بما له من معرفة واطلاع على الثقافة البحرية في البحر الأبيض المتوسط والعالم بحكم قربه من القارة الأوروبية قد استهجن وجود مباني أو مربعات أسمنتية شبيهة إلى حد التطابق مع مجمعات السكن الاقتصادي في قلب المارينا، والتي أصبحت تحجب المنظر العام بدءا من أسوار المدينة التاريخية إلى المناظر الطبيعية للضفة الأوروبية وهضاب منطقة المنار دون أن تقدم بديلا جماليا مقنعا، ففي بليونش وما جاورها لا أحد علق على الأشغال، والصوت الوحيد المسموع هناك هو صوت الجرافات وشاحنات الخرسانة .
والراجح أن الرابح الأكبر في هذه العملية التي يمكن وصفها “بجعجعة بلا طحين ” يتمثل أساسا في مقاولات البناء ووحوش العقار. وعليه فإن الذين يراهنون على هذا النوع من المشاريع لاجتذاب السياح هم إما واهمون أو جاهلون بمتطلبات الصناعة السياحية المتعارف عليها عالميا. فالسائح يشد الرحال إلى البلدان التي توفر له الطمأنينة والأمان لمشاهدة التاريخ والجمال الطبيعي وتذوق الأكل الأصيل بأثمان معقولة، فلا أحد سيرغب في زيارة( كورنيشات) أسمنتية مليئة بالأوساخ والتشوهات، تعربد فوقها الخيول وتصطف على جنباتهاعربات الباعة المتجولين جنبا إلى جنب مع راقمات الحناء والمتسولين والمشردين. وحتى من زارها لن يفكر في العودة إليها، لأن الصناعة السياحية لا تقتصر فقط على تشييد المربعات الإسمنتية، بل يجب بناء منظومة قيمية تمتزج فيها الروح بالمادة وتاريخ المدينة بحاضرها.
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
07-10-2020

Related posts

Leave a Comment