التلوث يحول طنجة إلى “بطة سوداء “

“إن طائر البط مجبول على السباحة والمرح في البرك المائية أينما وجدت، وهذا الطائر قاده حظه العاثر إلى البركة الآسنة المتواجدة في شاطئ رمل قالة، حيث شوهدت جثته تطفو فوق مياهها الراكدة السوداء صباح يوم الجمعة 14 فبراير 2020.
لسوء الحظ فإن جميع الطيور بما فيها البط منذ أن وجدت على هذا الكوكب لم تسبب للإنسان في أي ضرر يذكر، و هي لا تعرف لماذا هذا المخلوق الأناني يدمر كل شيء في طريقه، ولماذا يحول المناطق الرطبة والبحيرات الطبيعية إلى برك (الليكسيفيا) أو عصارة الأزبال؟.
وسكان طنجة بدورهم لا يعرفون لماذا اختفت نظافة الشاطئ خلف ذلك الكم الهائل من الشعارات الصيفية ؟ وبقيت تلك الابتسامة الصفراء الفاقعة المتجلية فقط على لوحة دعاية الشاطئ.
ولا يفهمون أيضا لماذا عجزت شركة التدبير المفوض الأجنبية على تقديم خدمات بيئية على الطريقة الفرنسية؟.
فرغم عقود من الاقتطاعات المرتفعة لرسوم التطهير ، ورغم الوعود الوردية، فما زالت مصبات أودية طنجة المحملة بالسموم القاتلة تشكل مستنقعات نتنة لكونها تطرح مباشرة في البحر بدءا من شاطئ الجبيلة إلى شاطئ الغندوري. فما فائدة الشركات الأجنبية إذا كانت بمجرد عبورها مضيق جبل طارق تصبح أكثر تخلفا من الشركات العالم ثالثية ؟، ما فائدة الثرثرات البيئية على أثير الإذاعات ونقاشات وندوات البيئة في صالونات الفنادق المصنفة إذا كانت لا تستطيع تغيير واقعنا البيئي القاتم؟، فيقوا يرحمكم الله، وافتحوا النوافذ، هناك بطة ميتة في الخارج، وعندما يموت البط فهناك شيء ما على غير ما يرام.
إنه ناقوس خطر من تلوث يحرق الأخضر واليابس يطرح في البحر من قبل الإنسان ويعود إليه عن طريق السلسلة الغدائية، ففيقوا يرحمكم الله”.
تلقينا هذه الرسالة المعبرة من لدن مواطن غيور يتساءل عن سبب نفوق بطة وسط بحيرة ملوثة بشاطئ رمل قالة بطنجة، منبها المسؤولين إلى خطر التقصير الحاصل في حماية المناطق الطبيعية وانعكاس ذلك على الأحياء المائية من طيور وغيرها. ويخلص في النهاية إلى النتيجة المرتقبة بناء على تلك المقدمات، وهي المصير المحتوم لهذه المدينة التي سيكون مصيرها نفس مصير تلك البطة النافقة. وهو مصيب في طرحه وفيما ذهب إليه في تفسيره لهذه الواقعة التي تحكي عن نفوق بطة في ظروف غامضة وسط الشاطئ.. وبالنظر لأهمية تلك الرسالة التي نحيي صاحبها على غيرته ودفاعه المستميت عن الطبيعة، نربط هذا الحادث بحادث سابق وقع بعين المكان قد يلقي الضوء على سبب موت البطة المشار إليها. فقبل معاينة ذلك المشهد بيوم، شكلت تلك البحيرة نقطة استقطاب لأسراب من النوارس التي بدأت تتسابق فيما بينها لالتقاط فتات بقايا الدجاج المذبوح الذي ألقي على جنباتها. وقد ابتدأت العملية حينما أقدم أحد الأشخاص على جلب تلك البقايا وتقديمها طعاما للكلاب والقطط الضالة التي تعيش بجانب الشاطئ، وما أن أحست الطيور بوجود رائحة الطعام حتى انهالت على الموقع ودخلت في مناوشة مع الكلاب والقطط من أجل انتشال نصيبها من الوجبة محدثة جلبة كبيرة أثناء التحليق وإطلاق الأصوات المعبرة عن الغضب والشعور بالخطر، بل دخلت في صراع فيما بينها من أجل تقاسم تلك الفتات، وهو ما يمكن أن يكون سببا في نفوق ذلك الطائر. وقد وقف رواد الشاطئ في ذهول أمام ذلك المشهد الغريب الذي يعكس حالة من الصراع من أجل الحصول على القوت، وأحسوا بنوع من العطف على تلك الطيور الجائعة .. والقاسم المشترك بين الحادثين هو تفاقم المشكل البيئي المتمثل في لجوء النوارس للبحث عن القوت وسط المياه الملوثة، واضطرارها لمغادرة مياه البحر بسبب نفاذ الأحياء المائية والأسماك التي أصبحت ناذرة بسبب التلوث من جهة ونتيجة الصيد العشوائي ..والأخطر من ذلك هو تغير النظام الغذائي لعدد من الطيور بما فيها النوارس التي أصبحت تتغذى على المطارح العشوائية، فأصبحت تزاحم الكائنات الأخرى داخل المطرح العمومي إلى جانب البقر والغنم والكلاب والقطط الضالة..وليس ذلك إلا مؤشر واضح على مستوى التقدم البيئي الذي تشهده المدينة التي ما من شك أنها تسير في طريق النفوق مثل هذه البطة السوداء.
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
15-02-2020

Related posts

Leave a Comment