الحكومات الرمضانية…

لقد اعدتنا منذ عدة سنوات أن الحكومات المتعاقبة لم تكن تقترب من المستهلك وتتذكر أحواله إلا في مناسبتي رمضان وعيد الأضحى. فحين ذلك تطلع على الرأي العام ببلاغ رسمي تؤكد فيه على لازمة مكرورة، وهي ضمان تزويد السوق بالمواد والمتطلبات، والتأكيد على وفرة العرض مقارنة مع الطلب. وتزيد قليلا بالحديث المحتشم عن استقرار الأسعار التي تقول غالبا إنها تظل خاضعة لميزان العرض والطلب، وإنها في المتناول. وقد ترتفع نبرة الخطاب بعض الشيء حينما تشرع في توجيه إنذار للمتلاعبين الذين سيطالهم العقاب والمتابعة. فتكون هذه الفترة حافلة بالخرجات الاستعراضية التي تقوم بها لجن المراقبة حينما تقوم بزيارات تفقدية داخل الأسواق وعبرنقط البيع بشكل يوحي بالجدية والرغبة في تطبيق القانون وزجرالمخالفين. لكن وقع هذه العملية يظل محدودا، لأن دار لقمان تظل على حالها . فالأسعار ظلت في تصاعد واضطراب لا مثيل له. وقد تضاعفت أكثر من مرة على صعيد كل المواد الاستهلاكية. كما أن المواد غيرالصالحة للاستهلاك تظل رائجة ومتداولة بين العباد في ظل ضعف آليات المراقبة، وعدم توفر الأطر الكافية لتغطية كل المناطق بشكل دائم. ذلك رغم ما يتم الإعلان عنه بشكل متقطع من إنجاز لعمليات الحجز التي تطال أطنانا من المواد الفاسدة التي تكون موجهة للمستهلك .. لكنه بعد مرور هذه المناسبة ينتهى كل شيء، ويختفي الحديث كليا عن المستهلك إلا في حالة وقوع حادث يدعو إلى التدخل من قبيل التسمم الجماعي، أو ضبط كمية هائلة من المواد الفاسدة عن طريق الصدفة .. ومع ذلك تظل هذه السنة سنة استثنائية، بسبب ظهور طارئ جديد أخرج الأجهزة الحكومية واللوبيات الاحتكارية عن صمتها، وهو العنصر المفاجئ المتعلق بمقاطعة بعض المواد. والمتمثل في المقاطعة التي كشفت بالملموس عن مدى قوة المستهلك، وكذلك السلطة التي يمتلكها حينما يحسن استعمالها. فتحت ضغط وسائل الإعلام المناصر للمقاطعة، جاء الرد المستفز من طرف بعض الأطراف المتضررة من هذه العملية. ثم تلاه الموقف الرسمي المعبر عن رفض الحكومة لكل ما ينم عن الوعي الجماعي واستقلالية المستهلك، وحقه في الدفاع عن النفس أمام الحرب الاقتصادية التي يتعرض لها . وتحت الضغط أدركت الجهات المسؤولة خطأ موقفها المتسرع، مما جعلها تقر بشكل صريح بوجود تقصير في حماية المستهلك وتفعيل النصوص القانونية .. كما عبرت عن خيبتها أملها تجاه سلوك اللوبيات المتحكمة في السوق ، والتي ما فتئت تراكم الأرباح الخيالية في غيبة التطبيق الفعلي لقانون المنافسة. وقد أدى ذلك إلى فتح نقاش واسع داخل المجتمع وصل صداه إلى قبة البرلمان، كما طرق أبواب الدوائر الحكومية بكل مكوناتها .. وسمعنا اعتذارا بملء الفم من رئيس الحكومة ومن بعض الوزراء الذين زل لسانهم .. وجاء الاعتذار أيضا من ممثلي الشركات المتضررة من حملة المقاطعة الذين أدركوا لأول مرة ضرورة التطبيع مع المستهلك من خلال احترامه ومراعاة حقوقه وعدم استغلاله. وبدأ الحديث عن إمكانية النظر في المطالب المشروعة للمستهلكين، وفي مقدمتها حماية قدرتهم الشرائية، وتحريرهم من سطوة الرأسمال المتوحش، وتفعيل القوانين الكفيلة بتحقيق التوازن، والحد من تغول اللوبيات الاحتكارية وكبار التجار الذين يساهمون في ارتفاع الأسعار انطلاقا من المنبع .. وقد أبان التقريرالاستكشافي الذي أعدته اللجنة البرلمانية حول أسعار الطاقة بالمغرب عن وجود اختلالات كبيرة في تدبير قطاع المحروقات بسبب عدم تطبيق قانون المنافسة. وقد أبان بشكل صادم كيف يتم استغلال المواطنين بطريقة بشعة من طرف الشركات المعنية بتزويد السوق الوطنية، والتي تحقق أرباحا خيالية على حساب الطاقة الشرائية لعموم المواطنين ..علما أن الزيادات التي عرفتها المحروقات سواء بعد تحرير القطاع أو قبله، ظلت جد مرتفعة مع ثمن المحروقات في السوق الدولية ..وكانت هي السبب الرئيسي في ارتفاع أسعار كل المواد بدون استثناء بسبب غلاء فاتورة النقل .. بل اتخذت هذه الزيادة مبررا للرفع من ثمن كل المواد الاستهلاكية. ومختلف الخدمات في مراحل متعددة ، حتى أصبحت الزيادة أضعافا مضاعفة ..

وها نحن الآن أمام التصريحات الحكومية المحملة بالوعود في أفق تحسين العلاقة بالمواطنين، ومراعاة حقوقهم المشروعة. لكن المواطنين، وقبل انصراف شهر رمضان يريدون الجواب الشافي عن انتظاراتهم.

فهل ستكون للحكومة الشجاعة الكافية لمراجعة القوانين المتعلقة بحماية المستهلك وفي مقدمتها قانون المنافسة وتحريرالأسعار، ثم قانون المستهلك، وذلك بالشكل الذي يضمن حصانة للمستهلكين من الممارسات الغير المشروعة. وهو ما يستلزم اتخاذ عدد من التدابير التشريعية والعملية من أجل وضع حد للاختلالات القائمة :
فهل ستقوم الحكومة بتقنين هامش الربح للحد من التلاعب بالأسعار وفرض الزيادات غير المبررة.
العمل على استقرار الأسعار من خلال فرض آليات المراقبة وفي مقدمتها إشهار الأسعار في نقط البيع ، وتتبع تكون الأسعار عبر سلسلة الإنتاج .
لزوم الإشارة إلى السعر بالنسبة لكل المواد الخاضعة للتعليب والتلفيف.
إعادة النظر في القانون المنظم لأسواق الجملة، والذي يقوم على تكريس اقتصاد الريع. وهو ما يفرض، إخضاع هذه الأسواق للمراقبة عن طريق فرض إشهار الأسعار، ومنع دخول الوسطاء إلى السوق، والحد من الاحتكار، ومراقبة جودة المواد.
وضع حد لفوضى أسعار المحروقات من خلال ضبط إيقاع عملية تحديد ثمنها على ألا يتجاوز سقفا محددا، مع إلزام الشركات المعنية بالاستيراد والتسويق بتطبيق مبدأ المنافسة الكفيلة بتحسين مستوى العرض بعيدا عن التوافقات.
استرجاع دور الدولة في دعم قطاع المحروقات وذلك من خلال العمل على إنقاذ معمل لاسمير الذي من شأنه تحقيق التوازن، وضمان الأمن الطاقي ..
إخضاع أسعار المواد المستوردة للمراقبة والمراجعة للحد من الاستغلال والإثراء الفاحش من طرف الموردين والتجار. وذلك من خلال تحديد هامش الربح استنادا إلى البيانات المتوفرة لديهم ، وإجراء المقارنات ..
تقوية الأجهزة المكلفة بالمراقبة من خلال تعزيزها بالموارد البشرية الكافية وأدوات العمل. مع توفير المختبرات العمومية الخاصة بتحاليل المواد الغذائية، والمواد الصناعية على صعيد كل الجهات ..
إعادة الحياة إلى مجلس المنافسة ومنحه كافة الصلاحيات الكفيلة بتقوية دوره ..
إخراج الأجهزة الدستورية المنصوص عليها في قانون المستهلك إلى الوجود من أجل تعزيز المراقبة وتوسيع مجال التشاور وتبادل الرأي حول رسم السياسات المتعلقة بتدبير شؤون المستهلكين .
العمل على إعطاء الأولوية للسوق الوطنية وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مختلف المواد وبالدرجة الأولى المنتجات الفلاحية ..
أن تستمر الأجهزة الحكومية وكافة المصالح الإدارية على مقربة من المواطنين بشكل مستمر وليس فقط بمناسبة شهر رمضان، حيث يطلب أن تظل عملية المراقبة قائمة بشكل مستمر مع عرض الحصيلة وتقييم النتائج، وخلق أقسام ثابتة للمداومة من أجل الاستماع إلى شكاوي المواطنين، وتحيين القوانين كلما تطلب الأمر ذلك ..

المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين

28 مايو 2018

Related posts

Leave a Comment