الحكومة لا تعترف بوجود غلاء في سوق مواد الاستهلاك والخدمات


ما زالت الدوائر الحكومة متشبثة بمنطق نفي وجود الغلاء في سوق مواد الاستهلاك حتى في أوج شهر رمضان الذي من المعتاد أن يشهد زيادات مفاجئة في مختلف المواد بسبب غياب ضوابط المراقبة، وذلك رغم الأرقام المدلى بها من طرف المندوبية السامية للتخطيط التي تؤكد على تدهور المستوى المعيشي للمواطنين خلال هذه السنة بنسب عالية تنبئ بواقع مشرف على حافة الهاوية في غياب تدخل الجهات المسؤولة من أجل تحقيق التوازن الاجتماعي من خلال تشديد المراقبة والحد من الممارسات التي تؤدي إلى افتعال الأزمة والرفع من الأسعار .
لقد فوجئ المواطنون مع دخول رمضان بحدوث قفزة صاروخية في أسعار معظم المواد الاستهلاكية، بدءا من الطماطم التي وصلت إلى 6 دراهم في سوق الجملة، و 8 دراهم في نقط البيع بالتقسيط، وكذلك الدجاج الذي وصل ثمنه في طنجة حوالي 30 درهما للكيلوغرام .. ونفس الأمر بالنسبة للسمك الذي ارتفع ثمنه وقلت جودته، وكذلك البيض واللحوم والفواكه .. إن الأسعار المتقلبة لم تعد في متناول أغلب الشرائح الاجتماعية في ظل الأزمة التي تتسم بضعف الطاقة الشرائية وتراجع مستوى الاستهلاك ..
والمثير هو انتعاش ظاهرة الغلاء في مواد الاستهلاك الغذائي( كاللحم والسمك والدجاج والخضر والفواكه ..) في الوقت الذي تراجع مستوى الاستهلاك من جهة، ثم توقف العمل على مستوى قطاع المقاهي والمطاعم والفنادق السياحية وقطاع الحفلات بسبب ظروف الجائحة ..
فما هي إذا الأسباب التي تقف خلف ظاهرة الغلاء الفاحش؟. هل يتعلق بقلة العرض وضعف الإنتاج أم بأسباب أخرى غير معلنة؟، علما أن الجهات المسؤولة ما فتئت تتغنى بمنجزاتها على مستوى ضبط إيقاع السوق من خلال ضمان التموين الشامل وتوفير العرض الكافي وكذلك تكثيف عمليات المراقبة.. فإذا كانت تلك هي الحقيقة، فبماذا يمكن تبرير غلاء هذه المواد؟ . ثم أين هو المنتوج الوطني والفائض الذي يتحدث عنه المسؤولون؟. وأين هي حياة الرفاهية التي يبشرون بها؟
وجوابا على هذه الإشكالية، تتعلل مصادر الإنتاج والجهات المعنية بالتسويق بوجود ارتفاع في أسعار المواد الأولية في السوق الدولية التي تنعكس على أسعار هذه المواد في السوق الوطنية، فضلا عن ارتفاع نسبة الرسوم الجمركية المفروضة على استيراد هذه المواد، في حين تدعى الجهات المسؤولة أن الأمر يرتبط فقط بقانون العرض والطلب..
وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا تحافظ أسعار هذه المواد في دول العالم على استقرارها دون أن تقفز إلى السقف؟، ولماذا لا تعمل الحكومة على تخفيض معدل تلك الرسوم مقابل إلزام الموردين بتوفير العرض بثمن مناسب، ثم ضمان الحفاظ على استقرار الأسعار في السوق ..؟
إن الواقع يؤكد وجود متدخلين ووسطاء يعملون على افتعال الأزمة من أجل رفع الأسعار خلال فترة محددة عن طريق الاحتكار والتقليص من العرض، ثم يقومون فيما بعد برفع أيديهم عن تلك المواد لتعود الأسعار إلى سابق عهدها، وهي العملية التي تتم بالتناوب بين كل مادة وأخرى تبعا لنوعية التقلبات التي تمر بها السوق. وللتأكد من ذلك يمكن الوقوف على النظام المختل المعمول به داخل أسواق الجملة، ثم الفارق الكبير بين الأسعار المعمول بها داخل أسواق الجملة وخارجها ..
المسؤولية تتحملها السلطات التي تقف موقف المتفرج، فضلا عن عدم رغبتها في التدخل تاركة الحبل على الغارب، مما يشجع الوسطاء والمضاربين على الاستمرار في نشاطهم الذي يخل بنظام السوق ويخالف كل القوانين ..
أما المشكل الآخر الذي يقف خلف تراجع مستوى العرض ثم ارتفاع الأسعار، فيتعلق بانتعاش آليات التصدير نحو العديد من الدول بدلا من العمل على إشباع رغبات المستهلك المغربي بالدرجة الأولى.. والمؤسف أن إنتاج بعض المواد يعتمد أساسا على الاستيراد في ما يخص المواد الأولية المستعملة، والمؤدى عنها بالعملة الصعبة، ومع ذلك يتم توجيه الإنتاج نحو التصدير إلى الخارج كالدجاج واللحم والبيض..
لا أمل في الجهات المسؤولة التي تصر على موقف التجاهل الكلي لمطالب المواطنين في هذا الصدد، كما لا تعترف بوجود الغلاء، لأنه ليس لديها ما تخسر، كما أنها تعيش بعيدا عن الواقع، ولا تحسن إلا إصدار القرارات التي لا تكون دائما صائبة.. ولا خوف عليها ما دامت تتمتع بالقدرة الشرائية المفتقدة لدى أغلب الشرائح الاجتماعية التي تعيش على الهامش.. كما لا يرجى منها خير لأنها لا تعاني من الخصاص في مثل هذه الظروف بفضل جيوبها المتخمة.
لا أحد من كبار المسؤولين يخشى الفقر، ولذلك ينظرون بتفاؤل إلى الواقع، فلا يحسون بجود الغلاء والفقر الذي ينخر جسم المجتمع ..لا يشعرون بوجود الفقراء والمعسرين ولا بالضياع الذي تمر به كثير من الأوساط الاجتماعية ..
وعليه، فإننا نذكر في هذه الظروف الحرجة بالحالة المزرية لمعظم الشرائح الاجتماعية المتضررة من الأزمة الاقتصادية، وخصوصا أولئك الذين فرض عليهم الحصار الناتج عن الإغلاق اليومي وتعطيل العمل في عدد من القطاعات التي تعاني من الإفلاس وانسداد الآفاق، بسبب عدم توفر البديل.. فماذا سيفعل أولائك الذين يرتبط قوتهم اليومي ببعض القطاعات التي حكم عليها بالموت السريري كالمقاهي، والمطاعم، وصغار الفلاحين الذين يقدر عددهم بالملايين؟ ..ماذا سيفعل هؤلاء مع قفة رمضان، ثم العيد، وتكلفة الكراء والماء والكهرباء والتطبيب، ومصاريف الأولاد، ثم الضرائب، وأجور المستخدمين؟… فإذا أضيف إلى ذلك الغلاء الذي يكوي جيوب المواطنين، فكيف لمثل هؤلاء أن يعيشوا حياتهم الطبيعية؟
نعم لمجتمع الانضباط وتطبيق القرارات واحترام القوانين، لكن كيف ننسى مجتمع التعاون والتضامن، مجتمع الجسد الواحد الذي يحس فيه الغني بالفقير، ويعيش فيه المسؤولون في كنف الشعب حتى يتعرفوا على حقيقته ويدركوا مثقال ما يتحمله من مآسي وآلام ، علما أن الشعب وحده الذي يؤدي الثمن ويتحمل عبء تكلفة تسديد الضرائب التي تغطي أجور أولائك المسؤولين وتضمن لهم المقعد المريح والعيش الكريم .. فهل من المعقول أن يتم التنكر للجميل بهذه الطريقة الفجة؟
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
17-04-2021

Related posts

Leave a Comment