العودة إلى نقطة الصفر، طنجة نموذجا…

أقدمت السلطات في إطار تفعيل سلسلة التدابير الاحترازية على منع ارتياد شواطئ طنجة للحد من انتشار الوباء، وهو شيء قد يتقبله العقل والمنطق لو كان القرار يطبق بشكل عادل ينسجم مع المقتضيات القانونية، دون أن تعترضه جملة من التناقضات التي تضع تلك القرارات موضع تساؤل، وهو نفس السبب في تعثر برنامج الطوارئ الصحية وارتباك القائمين عليه، بدءا من عملية الحجر الصحي، منح رخص التنقل الاستثنائي، إرتداء الكمامات، تطبيق الإجراءات الخاصة بالتباعد الجسدي، قرارات الفتح والإغلاق واستعمال وسائل النقل العمومي، حيث ظل الارتجال والتسرع في إصدار القرارات المتضاربة هو سيد الموقف، بالإضافة إلى ازدواجية الخطاب، ثم الغموض وعدم وضوح في الرؤية وغياب تصور إستراتيجي، مما يعد السبب الرئيسي للانتكاسة التي منيت بها كل الجهود المبذولة طيلة مرحلة الطوارئ الصحية .. وهذه جملة من الملاحظات التي تعكس تلك التناقضات غير المبررة، والتي كانت سببا في الفشل والعودة بالبلد إلى أقل من نقطة الصفر ..
• تتولى السلطات حث الناس على التباعد والحد من التجمعات، لكنها في نفس الوقت تقوم بتجميعهم أمام أبواب الإدارات والمؤسسات العمومية في ظل ظروف محفوفة بالأخطار بسبب الازدحام وطول الانتظار، كما تعرضهم لمؤثرات أحوال الطقس(حرارة ، أمطار ، أشعة الشمس) في غياب أي آلية للتنظيم والتأطير لضمان حسن الخدمات ( وتكفي العودة إلى مقرات كل من إدارة الضمان الاجتماعي، اتصالات المغرب، البريد، القيادات، الباشويات، المحطات الطرقية، محطة القطار . صيدليات المداومة). والمؤسف هو أن هذا الوضع ظل مستمرا طيلة هذه المدة دون أن يعمل المسؤولون على تلافيه.
• تم تقليص عدد ركاب سيارات الأجرة الكبيرة إلى ثلاثة أفراد، في الوقت الذي فسح المجال أمام حافلات النقل الحضري وسيارات النقل السري والمزدوج لتحمل حمل بعير وتشحن على متنها ما شاءت من الركاب حتى تكاد تنفجر، كما يسمح لها بنقل الركاب إلى الشواطئ خارج المنطقة الثانية، وهو ما يشكل عاملا في انتشار الوباء، كما كان سببا في ارتفاع سعر وسائل النقل، حيث أصبح الثمن مضاعفا بالنسبة لسيارات الأجرة، وقد بلغت التعريفة على مستوى خط طنجة تطوان 100 درهم لكل زبون ..
• تم إغلاق شواطئ إقليم طنجة أصيلة رغم سعتها في وجه المواطنين، لكونها تنمي إلى المنطقة الثانية، وذلك في الوقت الذي تم فتح شواطئ الفحص أنجرة لكونها مصنفة ضمن المنطقة 1، وهو ما جعل أهل طنجة يتخطون الحدود للبحث عن متنفس لهم في هذه الجهة، فيغامرون بأنفسهم من أجل تحقيق أمنيتهم، حيث أصبحت تلك الشواطئ تحظى بقبول منقطع النظير بسبب تساهل الجهات المسؤولة تجاه عملية التنقل بين المنطقتين وفشلها في تطبيق القانون.. لقد تم منع الشواطئ في مقابل فتح المسابح الخصوصية التابعة للفنادق. فكيف يقبل ارتياد الناس للمسابح، والمقاهي، والفضاءات العمومية، والأسواق، ثم ركوب الحافلات بكيفية عشوائية في الوقت الذي يتم حرمانهم من الاصطياف في البحر تحت ذريعة الخوف من انتقال العدوى؟.. إن إغلاق البحر في وجه المستحمين إجراء لم تطبقه حتى الدول التي شهدت أكبر نسبة من الإصابات والوفيات، مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا التي تعد من الدول التي تشجع على السياحة. فإن هذه الدول حينما رفعت القيود، رفعتها بالكامل على مستوى جميع القطاعات ومجالات الحياة، لكنها حافظت على مرتكزات الوقاية من الأخطار ، وفي مقدمتها قواعد التباعد وحمل الكمامة وضبط حركية الشارع وتقنين عملية الدخول والخروج إلى المحلات العمومية، وهو ما لم نقم نحن بترجمته على أرض الواقع حاكمين ومحكومين، بسبب وجود مجموعة من العوائق دونها غياب الإرادة وانعدام الحس بالمسؤولية.

• أما الإجراء الآخر الذي تأكد فشله وعدم جدواه، وهو تمركز رجال الأمن في المدارات ومداخل الشوارع الرئيسية ونصب الحواجز الإسمنتية من أجل تقييد حركة السيارات بكيفية غير مجدية، مما يشكل عبئا على الأجهزة الأمنية التي أنهكت أكثر من اللازم. فقد أثبتت التجربة أن هذا الإجراء يعد مصدر خلق للتوتر والازدحام واختناق حركة السير والجولان، دون أن يكون له أي مفعول على مستوى الحد من انتشار الوباء. والدليل هو التحول الحاصل بعد معاودة انتشار المرض وظهور بؤر متفرقة ترتبط ببعض الأحياء والوحدات الصناعية .. وقد سبق لنا أن طالبنا السلطات الإدارية بعدم هدر الوقت والطاقة بهذه الطريقة التي لا يفهم منها إلا التهرب من المسؤولية. وفي المقابل طالبنا بتعليق هذا الإجراء للحفظ على انسيابية حركة السير، مع توجيه الاهتمام إلى الأحياء الشعبية والأسواق ونقط التجمعات العامة كالأسواق والمقاهي والمطاعم ومحطات وسائل النقل العمومي من أجل تأطير المواطنين وحثهم على التقيد بإجراءات الحجر واتقاء الأخطار ..
• تساهل الجهات المسؤولة في تطبيق القانون الخاص بإجبارية حمل الكمامة، وهو ما جعل الناس يعتادون على التطبيع مع الفوضى واللامبالاة إلى درجة الاستهتار، فلو تم تنفيذ هذا الإجراء بصرامة منذ اليوم الأول عن طريق تطبيق الغرامات لتحول إلى سلوك تلقائي لدى الجميع. ولعل الدليل هو تلك التدخلات التي قامت بها السلطات والتي جاءت متأخرة، حينما قامت بإغلاق عدد من المحلات والوحدات المهنية بسبب مخالفة أصحابها لتدابير الوقاية الصحية. وكذلك زجر الأشخاص الذين لا يحملون الكمامة وتهديدهم بالاعتقال، وهو الأمر الذي برزت آثاره الإيجابية التي يجب أن تعمم حتى تشمل كل المواطنين. ولعل والوسيلة الفعالة في مثل هذه الوضعية هي فرض الغرامات بكيفية عادلة وشفافة. و تجدر الإشارة إلى استعداد عدد من المواطنين للانقياد لسلطة القانون، لكن السلطات فرطت في ذلك، ولم تقدر جهودهم بسبب تراخيها وعدم حرصها على تطبيق القانون بشكل مضبوط .. ويمكن استحضار بعض الأمثلة الخاصة بكثير من المحلات التجارية ومحلات تقديم الخدمات كالمقاهي والمطاعم والمراكز التجارية والقيساريات التي التزم أصحابها بتنفيذ كل الشروط المطلوبة منهم، كما أنهم اجتهدوا وتحملوا مزيدا من الأتعاب المادية من أجل الوفاء بكل الشروط والالتزامات .. فلو انصبت المجهود على هذا النوع من العمل لما وقعت الانتكاسة والعودة إلى نقطة الصفر ..
• استمرار الأنشطة الصناعية خلال فترة الحجر الصحي في عدد من الوحدات، ثم ظروف الاشتغال أيضاً في كثيرٍ من المصانع والشركات بسبب تغاضي أرباب العمل عن تطبيق البروتوكولات الصحية، حيث قامت بتشغيل طاقاتها بنسبة 100 %على صعيد المناطق الصناعية بطنجة، كما يتم من طرفها إلزام حافلات نقل العمال باستغلال كل طاقتها الاستيعابية، دون الاقتصار على 50% من المقاعد ..
• القرارات الأخيرة الصادرة قبل العيد والمتعلقة بتقييد السفر وتقنين الدخول إلى بعض المدن والخروج منها، مما كان سببا في حدوث أكبر عملية “هروب جماعي” للمواطنين في مختلف الاتجاهات شبيه بالنزوح الذي يتم في ظروف الكوارث والحروب ..
• القرار الأخير المتعلق بإغلاق سبعة من الأسواق قبل يوم العيد من بينها سوق طنجة، مما تسبب في حدوث حالات من الفوضي والانفلات الأمني بسبب غلاء الأسعار ونفاذ رؤوس الماشية من سوق العرض، وبالتالي حرمان عدد كبير من الموطنين من الأضحية..

وخلاصة القول، فإن السبب المباشرة لهذه الانتكاسة يعود بالدرجة الأولى إلى هذا التضارب في المواقف، وعدم تطبيق القوانين وتغليب منطق التعليمات التي تفتقر إلى التماسك، ثم عدم الوضوح الذي تتسم به السياسة المعتمدة في مواجهة هذه المرحلة الصعبة.

المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
19- 07-2020

Related posts

Leave a Comment