المصير المجهول للمستشفى الإقليمي لعمالة الفحص أنجرة


طالما انتظرت ساكنة إقليم الفحص أنجرة وفاء المسؤولين بالتزاماتهم فيما يخص العرض الطبي الذي ظلوا يتغنون به لمدة تقارب عقدين من الزمن. فما زال المستشفى الإقليمي الذي تقرر إحداثه ضمن المخطط الثلاثي 2007-2009 بغلاف مالي قدره 28.488 مليون درهم خصصته وزارة الصحة لهذه الغاية ينتظر نهاية الأشغال. والمؤسف هو أن المشروع دخل في طور النسيان منذ البداية، فتعثرت أشغاله وظل غير مكتمل رغم الوعود المقدمة من طرف الجهات المسؤولة، مما ساهم في تأزيم الوضع الصحي الذي ينعكس سلبا على ظروف استقرار المواطنين وحقهم في الأمن الصحي. وقد عملت الرابطة من خلال تقاريرها على إثارة هذا الموضوع ومناشدة المسؤولين للوفاء بالزاماتهم تجاه الساكنة التي لم تستـفـد من المشاريع التنموية التي عرفتها المنطقة إلا بنسبة ضئيلة ..

لا مبالاة السلطات الصحية المحلية والمركزية:

ونظرا لتأخر الأشغال الخاصة ببناء هذا المستشفى، قام المجلس الإقليمي أكثر من مرة بمراسلة الجهات المختصة، كما تم طرح المشكل مرارا على المندوبة الإقليمية لوزارة الصحة خلال دورات المجلس. فظل المشكل القائم هو وجود خلاف مع المقاول الذي تم الاستغناء عنه مؤخرا وتعويضه بمقاول آخر في سنة 2019 ، حيث حضرت لجنة مختلطة إلى عين المكان من أجل إجراء معاينة، ثم أعطت الانطلاقة للأشغال التي تبين منذ البداية أنها تسير ببطء شديد بسبب النقص في الاعتمادات المالية. هذا فضلا عن وجود عامل آخر يتعلق بتخوف المسؤولين من اكتمال المشروع بسبب أزمة الموارد البشرية. وهو ما جعل الإقليم يعاني الأمرين جراء عدم توفر البنيات الصحية، وخصوصا بالنسبة لحالات الاستعجال وحالات الولادة الخطرة التي يتم نقل أصحابها إلى مستشفيات المدن المجاورة. كما يطرح المشكل بحدة خلال فترة عودة المهاجرين، إلى جانب تزايد عدد الساكنة التي أصبحت تشكو من انعدام الخدمات الصحية، لأن المستوصفات الموزعة على المراكز الرئيسية داخل تراب الجماعة لا يمكن أن تسد الخصاص وتلبي الحاجيات في مثل هذه الظروف..
والملاحظ أيضا هو الطابع العشوائي لأشغال البناء التي عرفت بعض التغييرات الخارجية التي لا تتوافق مع التصميم الأصلي عندما انطلقت الأشغال، مما يدل على غياب المتابعة والمراقبة لعملية تنفيذ أشغال هذا المرفق ..

معاناة الساكنة خلال جائحة كورونا:

وحين تناول هذا المشكل المزمن الذي يؤرق ساكنة الإقليم، نستحضر الوضعية التي تمر بها تلك الساكنة في ظل جائحة كورونا. ففي غياب البنيات الصحية، كيف يتم التعاطي مع حالات الإصابات والوفيات التي شهدتها المنطقة؟. الجواب المؤلم هو أن المصابين كانوا يضطرون للتنقل إلى المستشفى الإقليمي بطنجة من أجل الخضوع للفحص والاستشفاء رغم بعد المسافة عن هذا المستشفى، والتي تتراوح بين 10 و60 كيلومترا، مع غياب وسائل النقل العمومي المنتظم، وكذلك سيارات الإسعاف. وقد ظل الناس يغامرون بأنفسهم ويتدبرون كيفية التنقل إلى المستشفى في ظروف محفوفة بالأخطار .. فهل يعقل في ظل هذه الظروف الاستثنائية ألا يكون بالمنطقة مركز خاص باستقبال الحالات المتعلقة بداء كوفيد 19؟. ألا يدل ذلك على قمة الاستهتار بحياة المواطنين وأمنهم الصحي .. ؟
إن التماطل في بناء مستشفى يكلف الكثير من الأرواح، لأنه يحول دون إنقاذ حياة المصابين، كما يساهم في تفاقم المرض بسبب تـأخر التشخيص، ثم غياب المتابعة الطبية. ولذلك يظل القاسم المشترك الذي لا يفرق بين مستعملي طرق الإقليم سواء كانوا مقيمين أو سياحا، مغاربة أو أجانب، هو الموت الذي يرسل بين الحين والآخر بعض الأشخاص إلى القبر جراء تأخر الإسعاف والمساعدة الطبية.
أرواح بريئة تساقطت طوال خمسة عشر سنة، يتحمل وزرها المسؤولون المتعاقبون على وزارة الصحة. لقد كان خطأها منذ البداية هو التعاقد مع مقاول ليست له مؤهلات ولا ما يكفي من التجربة. وتقول المصادر إن له عدة إنذارات وسوابق في التماطل والتأخر في إنجاز المشاريع. وبعد مرور وقت طويل قامت الإدارة بفسخ العقد مع المقاول السابق، ثم تعاقدت مع مقاول جديد لتجد نفسها في نفس المشكل، إذ توقفت الأشغال من جديد.

أخطاء المسؤولين عن القطاع الصحي:

ما زالت الوزارة مستمرة في الأخطاء، عاجزة عن سلك المساطر القانونية المعمول بها في قانون الصفقات العمومية لردع المخالفين والتسريع ببناء المستشفى وإنصاف المرتفقين .كما أن المسؤولين المتعاقبين على الإقليم قد دأبوا على تجاهل الإكراهات اليومية التي تواجهها الساكنة، ومقابلة نداءات الاستغاثة الصحية بالصمت. وحتى عندما يتكلمون، فإن كلامهم يتحول إلى سراب. ففي بداية السنة الماضية- 2020 – وعدت المندوبة الإقليمية بعظمة لسانها منتخبي الإقليم بأن افتتاح المستشفى لن يتعدى شهر أكتوبر. ومرت الأيام ومعها شهر أكتوبر، وحلت سنة جديدة. لكن مبنى المستشفى الموعود بمنطقة فرسيوة بجماعة القصر الصغير أصبح اقرب إلى أطلال بالية منه إلى ورش للأشغال.
كما أن الأفق سيظل مجهولا لأنه لا أحد يعلم ما يجري حقيقة. فهل هناك موعد لاستئناف الأشغال أم أن التوقف سيطول لخمس عشرة سنة أخرى، ما دامت الوزارة تتقمص دور الأبكم أمام الرأي العام المحلي، وحيال مطالب المجالس المنتخبة المتعاقبة التي ظل موضوع المستشفى هو الموضوع الأهم الذي كان يتصدر كل النقط في جميع دورات المجلس الإقليمي، كما أثير تحت قبة البرلمان؟.. بل وقد مارست هذا الدور أيضا حتى مع وزارة الداخلية ومع المسؤول الأول في الإقليم السيد عبد الخالق المرزوقي الذي لم يدخر جهدا كما تقول المصادر. وقد عمل كل ما في وسعه لتحريك هذا الملف الشائك والخروج بنتيجة إيجابية، لكن دون جدوى. ويبقى أخطر دور تتقمصه الوزارة هو دور الأعمى أيضا، فهي لا ترى أن الإقليم أصبح اليوم واحدا من البوابات الكبرى للمغرب بفضل ميناء المسافرين، وظهور قوة اقتصادية واعدة بمناطقه الصناعية .
تغيرات، وتطورات اقتصادية وديموغرافية طوال عقدين من الزمن، كلها لم تنفع أمام تعامي الوزارة وتجاهلها الذي يعد السبب الرئيسي في غياب بنيات صحية قادرة على منح المواطنين الفحص أنجريين الحد الأدنى من حقهم في الصحة .

مسؤولية الوكالة الخاصة – طنجة المتوسط-:

إن الوضع الصحي المزري بإقليم الفحص أنجرة تشترك فيه أيضا الوكالة الخاصة – طنجة المتوسط- التي لم تعط أي اهتمام يذكر للجانب الصحي أثناء تخطيطها للميناء الأول، ولا في تصميمها لميناء المسافرين الذي استقبل أعدادا قياسية في السنوات الماضية. إذ لم تقم ببناء مستشفى ملحق بالمجمع المينائي، ولم تترافع من جانبها من أجل التسريع ببناء مستشفى إقليمي في المستوى يحل معضلة الفراغ الصحي في المنطقة، بحيث إن أية حادثة داخل المجمع المينائي يتم توجيه ضحاياها إلى مستشفى (راس لوطا) التابع لإقليم تطوان الذي لا يكفي حتى لسكان الفنيدق. والأسوأ هو أن تلك الحالات الخطيرة والحرجة تتطلب قطع 45 كيلومترا من الطرق المكتظة للوصول إلى مستعجلات محمد الخامس بطنجة الأكثر اكتظاظا .

وعوض أن تستثمر تلك المؤسسة في بناء مستشفى كأولوية وضرورة ملحة يمكن أن تنقذ حياة المسافرين والعمال وبحارة وقباطنة السفن العابرة للقارات وتخدم الساكنة المجاورة، اجتهدت في تبذير المال في الكماليات. وقد أثبتت الأيام أن المنطقة لم تكن في حاجة إلى مدرسة للزوارق الشراعية ولا إلى إذاعة مينائية بقدر احتياجها لمستشفي مؤهل. وقد أثبتت ظروف كورونا الاستثنائية بما لا يدع مجالا للشك صحة هذا الطرح من خلال حدثين هامين كان كل من الميناء والمستشفى طرفين فيهما .

النقل الدولي للبضائع :

في الوقت الذي توقفت فيه الحياة بسبب الحجر الصحي الكامل. وفيما كان كل واحد في منزله يستمتع بالدفء مع أسرته، كان سائقوا شاحنات النقل الدولي يقطعون وحيدين جيئة وذهابا أخطر البؤر والمناطق الموبوءة في العالم (إسبانيا وإيطاليا) وباقي بلدان الاتحاد الأوروبي. كما استمروا في العمل رغم المخاطر في الجبهة الأمامية وجها لوجه مع الوباء كجنود حقيقيين من أجل تأمين حاجيات البلد من الغداء والدواء، ومن أجل استمرار الصادرات التي تشكل عصب الاقتصاد الوطني. وكانت أصعب لحظة هي عندما تطأ أرجلهم أرض الوطن، إذا كان عليهم البقاء بعيدا عن أسرهم. لكن الميناء بكل أبهته وعظمته، والمفروض فيه دعمهم ومؤازرتهم ولو نفسيا، لم يوفر حينها ولو حجرة صغيرة لقياس الحرارة. وهو ما دفع برئيس إحدى الجمعيات المهنية السيد (أحمد الغرابي ) إلى التنبيه لغياب المواكبة الطبية للسائقين. ولقد عانى هؤلاء الأبطال الأمرين. علما أنه لو وجد المستشفى والتحاليل،. فإن ذلك كان سيضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما. ثبوت الإصابة والخضوع للحجر الصحي، أو عدمها ثم التوجه إلى أحضان العائلة. وفي غيابه حتى مع وجود أعراض الإصابة، كان عليهم التوجه إلى مستشفى القرطبي بطنجة كما يفعل جميع سكان إقليم الفحص أنجرة من أجل إجراء التحاليل أو تلقي العلاج من كوفيد 19 . إذ أن غياب المستشفى جعلهم يعيشون عذابا داخليا أقسى من عذاب كورونا، بسبب الفراغ والخوف من المجهول.

مخيم العربات السياحية :

بعد إعلان حالة الطوارئ، أعطت اسبانيا مهلة 48 ساعة لأصحاب العربات السياحة لمغادرة ترابها، بما فيهم سياح الاتحاد الأوروبي، وأغلقت الحدود البرية والبحرية حتى في وجه مواطنيها. وبقيت مئات العربات السياحية والمنازل المقطورة على عجلات متناثرة في أنحاء المغرب تجمعت تدريجيا في مركز جماعة قصر المجاز في انتظار فتح الحدود والمغادرة بحرا وفي منظر غير مسبوق، انضافت قبيلة جديدة إلى الإقليم تضم خليطا من الأشخاص الذين تخلت عنهم بلدانهم بسبب كورونا، ورحب بهم المغرب بلد الكرم والضيافة . إذ امتلأ موقف المهاجرين (عين شوكة ) واكتظت جوانب الطريق المؤدية إلى ميناء المسافرين. فعاش هذا التجمع المكون من أناس متقاعدين، جلهم متقدمون في السن آمنا مطمئنا بين ظهران جماعة قصر المجاز. لم يعكر صفوه إلا هاجس تعرض أحد أفراده لا قدر الله لطارئ صحي. ففي حال حدوثه لا وجود لأية بناية صحية في محيط عشرات الكيلومترات من هذا المكان، غير مستوصف الجماعة (واد غلالة) ودار الولادة(فرسيوة) بالجماعة المجاورة (القصر الصغير) وأطلال ورش المستشفي الذي يبعد عن هذا المكان بأقل من كيلومتر. وهي بنايات لن تكون ذات جدوى في حال حدوث نوبة قلبية أو تسمم أو أي حادث دي طبيعة استعجالية .

أخبار تلك القبيلة وحركاتها وسكناتها، كانت تنقل بكل أمانة وبالحرف من عين المكان، من قبل مراسلين وصحفيين يعيشون بدورهم حياة الترحال، اعتمدتهم كبريات المجلات والإذاعات والمواقع الإلكترونية المتخصصة في ال (caravaning )
من محاسن الصدف أن هؤلاء نقلوا الجانب المشرق من المشهد، والذي اختتم بتوجيه الشكر للسلطات المحلية وللهيئات القنصلية على حسن الاستقبال والمواكبة. ولم يحدث أي شيء يخدش هذه الصورة الجميلة أو ينسف كل تلك المجهودات المبذولة .
إن ظروف الجائحة أظهرت المنطقة على حقيقتها وبدون مكياج. فهناك خصاص مهول ومخيف في قطاع الصحة في إقليم الفحص أنجرة .وكل يوم يمر بدون المستشفى الإقليمي بالقصر الصغير، فهو يسائل دور الوزارة الوصية ومدى حرصها على أرواح المواطنين، ويسائل المؤسسات التنموية بالإقليم حول مصير الملايير التي ذهبت هباء منثورا ، ولم تبن بها مستشفيات أو معاهد تكوين. بل تحولت إلى مساحيق إعلامية رديئة .

المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
13-12-2020

Related posts

Leave a Comment