الوضع المأزوم، والأفق المسدود لمستشفى محمد الخامس بطنجة

رغم توالي عدد من التدخلات من أجل إنعاش المستشفى الجهوي بطنجة، والخروج به من طور الاحتضار، والتي توجت مؤخرا بإحداث قسم جديد للمستعجلات، وكذلك طرح برنامج إعادة الهيكلة الذي لا زال قيد الإنجاز، والذي يهم تصحيح البنية الهشة للمستشفى، وإعادة ترميم عدد من الفضاءات بداخله من أجل إبقائه في طور الخدمة بسبب غياب بديل، منذ إسقاط مشروع المستشفى الجهوي الحقيقي الذي تم إجهاضه. لا زال هذا المستشفى يعاني من أحلك الظروف، بسبب قوة الضغط الذي يتعرض له داخل مدينة مليونية يتضاعف عدد المقيمين بها خلال الموسم الصيفي. وذلك في الوقت الذي يشكو من كل أنواع الهشاشة، والفوضى الناتجة عن تدخل عدة عوامل تؤثر على سير خدماته. فإضافة إلى ضيق مساحته ومحدودية طاقته الاستيعابية، وقلة أطره الطبية والتمريضية، فهو يمر بحالة انتقالية جد حرجة في ظل الأشغال الجارية على صعيد الواجهة الخارجية وداخل الجناح المخصص لقسم جراحة الرجال. وكذلك قسم التحاليل الطبية، ثم بسبب العدد المتزايد للمرضى الذين يتوافدون عليه يوميا ..
*يشكو قسم المستعجلات الجديد من الخصاص الكمي والنوعي على مستوى الموارد البشرية، حيث لا يتوفر إلا على طبيب واحد للحراسة يستعين بمجموعة من الأطباء الداخليين الذين يتابعون دراستهم بكلية الطب وممرضين اثنين، مما يضطر الإدارة للاستعانة بالأعوان والمتعاقدين ..ويتميزهذا القسم بالضغط الشديد الذي يتعرض ليلا ونهارا بدون انقطاع، حيث يستقبل يوميا قرابة 800 حالة، خاصة بالاستشارة الطبية، فضلا عن حالات الاستعجال. وهو العدد الذي قد يتضاعف باستمرار، حيث وصل إلى 1500 طالب للعلاج خلال عطلة العيد الأخيرة التي استغرقت خمسة أيام، والتي كانت متصلة بإضراب الممرضين لمدة أسبوع. إذ يفضل أغلب المرضى زيارة قسم المستعجلان مباشرة لاختصار المراحل بدلا من الذهاب إلى المراكز الصحية التي يبدو أن بعض العاملين بها يتعمدون عدم استقبال كل المرضى، ويفضلون تحديد سقف لعدد المرضى الذين يسمحون بفحصهم .
*يشكو قسم الجراحة العامة بدوره من تتوقف العمليات الباردة بسبب النقص في الأطر، وكذلك الضغط الشديد الذي يتعرض له كل يوم. علما أنه لا يتوفر إلا على طبيبين اثنين، مما تترتب عنه صعوبة برمجة العمليات بسبب النقص في الأطباء. هذا ويستقبل هذا القسم حالات جد معقدة تتعلق بالإصابات الناتجة عن الاعتداءات بالضرب والجرح التي تمس الأوردة، ومناطق حساسة في الجسم، حيث تصل إلى معدل 4 حالات في اليوم، بالإضافة إلى الحالات المتعلقة بالإصابات العادية التي تشكل خطرا على حياة المصابين، وهي تعد بالعشرات يوميا. مما يضطرر الطاقم الطبي المتوفر للعمل طيلة 24 ساعة، وكذلك في أيام العطل من أجل إجراء العمليات المعقدة التي تتطلب تطهير الأدوات الطبية، وتعقيم المواد أكثر من مرة. كما يتطلب هذا النوع من العمليات تشغيل طاقم مكون من 10 أفراد في كل عملية، علما أن المستشفى يعاني من خصاص مهول، حيث لا يتوفر إلا طبيب واحد مختص في جراحة الصدر، وطبيب آخر مختص في جراحة الشرايين. هذا إضافة إلى حالات الاستعجالات الأخرى التي تتعلق بالإصابات المختلفة على مستوى الجهاز الهضمي. وكذلك الشأن بالنسبة لعمليات الولادة القيصرية التي تتم بشكل مستمر، حتى في أيام العطل. ثم العمليات الخاصة بجراحة العظام .
*ونفس الأمر ينطبق على قسم جراحة الرجال الذي تعطلت أشغاله لمدة أربعة أشهر بسب الأشغال الجارية داخل المستشفى. وكحل ترقيعي، تم تحويل نزلائه إلى قسم جراحة النساء، حيث تم تكديسهم داخل القاعات المحدودة إلى جانب النساء في انتظار اكتمال الأشغال. .
* طول مدة المواعد، نتيجة النقص الحاد في أجهزة الكشف بالراديو والسكانير والتلفزيون .. فرغم توفر المستشفي علي جهازين اثنين إلى جانب الجهاز الموجود في مستشفى محمد السادس، فإن الطلبات تتجاوز بكثير حدود الإمكانيات المتوفر، حيث ينجز هذا القسم حوالي 35 حالة في اليوم تهم الحاصلين على بطاقة “راميد” بالإضافة إلى حالات الاستعجال. ولذلك تمتد مواعيد إجراء الفحوص وتتسع رقعتها. إذ يتجاوز تاريخ الموعد حدود ثلاثة أشهر. أما المواعيد المخصصة للفحص بجهاز التلفاز، فقد استنفذت بالكامل بالنسبة للفترة المتبقية من سنة 2019. كما أن البرمجة بالنسبة للعام المقبل تظل غير ممكنة. ولذلك لم يعد هناك مجال للاستقبال طلبات الفحص الجديدة .
* يبدو أن المستشفى في طريق تحوله إلى دار للخيرية بدون منازع. إذ ما فتئ العاملون يستنكرون عملية إيواء عدد من المشردين داخل المستشفى بعد تلقيهم للعلاج. والمثال هو ما يشهده المستشفى لمدة سنة من تجميع حوالي عشرة من المشردين الذكور من بينهم سيدة، وشخص ألماني. وكانت البداية هي دخولهم إلى المستشفى عبر قسم المستعجلات. وبعد تماثلهم للشفاء، تبين أنهم من المتخلى عنهم، وأنهم بدون مأوى ولا أهل. وبعد إجراء الاتصال بالولاية، صدر الأمر بنقلهم إلى دور الخيرية. لكن هذه الأخيرة تخلصت منهم فورا. فكانت النتيجة هي عودتهم من جديد إلى المستشفى. ونظرا لعدم توفر الأسرة الكافية، تم تجميعهم في أحد الممرات، حيث يفترشون الأرضية، ويعيشون على الوجبات التي يقدمها المستشفى. وهو ما يشكل مصدر إزعاج وقلق للمرضى وللعاملين بالمستشفى حينما يجدون أنفسهم أمام ظاهرة غريبة تحتاج إلى الحل الذي عجزت سلطات الولاية عن توفيره ..
*يشكو المستشفى من ظاهرة خطيرة ومدمرة، تتعلق بانتشار الوسطاء والسماسرة الذين حولوه إلى سوق للسمسرة، حيث يتم اصطياد المرضى وجرهم إلى مصحات القطاع الخصوصي من أجل إجراء العمليات على يد أطباء ينتسبون للقطاع العمومي. وهو المشكل الذي عجزت الإدارة عن الحد من استفحاله، ولم تجد له حلا رغم الدوريات الوزارية ..
* ضعف نفوذ الإدارة، وهو ما جعل أغلب المديرين المتعاقبين على إدارة المستشفى عاجزين كليا عن التصدي لتلك الظواهرالسلبية التي تنخر كيان هذه المؤسسة رغم كل الجهود والتضحيات المبذولة من طرفهم. وقد ظلوا دائما يعانون من ويلات التسيب ومن الضغوطات الناتجة عن تدخل لوبيات الفساد المتحكمة والمستفيدة من هذه الوضعية بشتى الطرق والوسائل. ويبرز ذلك في تراجع هيبة المؤسسة التي تحولت إلى فضاء مستباح ومفتوح ليلا ونهارا في وجه كل الأفراد والجماعات، وكذلك أصحاب السيارات الخاصة وسيارات الأجرة، وسيارات الإسعاف الخصوصية التي يسمح لها بالركن داخل فضاء المستشفى الضيق رغم هشاشة الموقع المهدد بالانهيار..ولقد باءت كل محاولات الإصلاح بالفشل بسبب الموقف السلبي للإدارة المركزية وللسلطات التي تقف موقف المتفرج أمام تتعرض له هذه المؤسسة من اعتداءات واختراقات خطيرة تؤثر على سمعتها وفعاليتها ..
*ضعف التغطية الأمنية، مما يعرض العاملين بالمستشفى للاعتداءات المستمرة على يد الغرباء وأهالي المرضى الذين يتوافدون بكثافة على مصالح المؤسسة، وهو يجعلهم فاقدين للسيطرة على الوضع بصفة نهائية ..
* الاستهانة بقدسية القيم الطبية الواردة في قسم أبوقراط، وفي مقدمة ذلك عدم احترام بذلة المهنة من طرف أغلب الأطر الطبية والممرضين، مما يخلق حالة اشتباه داخل المستشفى، ويساعد على انتحال الصفة والنصب على المرضى من طرف البعض والتشجيع على الابتزاز والفوضى.
* وفي ظل هذه الوضعية، يظل قسم الولادة، على رأس المصالح المنكوبة داخل هذا المستشفى بسبب الضغط الشديد ومحدودية الطاقة الاستيعابية التي لا تتلاءم مع حجم مدينة طنجة المليونية، حيث يفترش عدد من النزيلات الأرض في انتظار الوضع، كما يتم إخضاع أغلبهن للعمليات القيصرية .. ورغم وعد الوزارة بتحويل هذا القسم إلى مستشفى محمد السادس، فلا زال المشروع يبارح مكانه، مما يزيد في تعميق الأزمة ..
*تفتقت عبقرية الإدارة المركزية عن خطة جديدة لستر العيوب الظاهرة لهذا المستشفى الذي يعاني من مشاكل مزمنة بسبب هشاشة بنيته المعرضة للتشققات المستمرة رغم التدخلات المحتشمة والهادفة إلى إنقاذه والحفاظ على استمراريته، حيث عمدت أخيرا إلى طرح صيغة جديدة لتغليف الواجهة الخارجية للمستشفى بواسطة مادة البلاستيك. وهي عملية جد مكلفة، كما أنها معقدة ومحفوفة بالمخاطر مهما كانت الضمانات. لأنها تتطلب عملية حفر شامل، وزرع الشبكة المعدنية من أجل تثبيت لوحات البلاستيك، في الوقت الذي تضرب التشققات جوانب متعددة من المبنى الذي يفترض أن يظل مكشوفا من أجل تدارك كل ما يمكن أن يتعرض له من مضاعفات .. ورغم عدم اكتمال الأشغال، فقد انكشفت بعض السلبيات التي لا يمكنها أن تخفي الحقيقة، حيث تحول الفراغ الفاصل بين الجدران المغشاة وبين الغطاء البلاستيكي إلى مطرح للنفايات انطلاقا من فواهة النوافذ، نظرا لوجود عيوب في الإنجاز …فإلى أي حد ستساهم هذه المسألة في حماية المستشفى من خطر الانهيار؟.
* ينتظرأن يشهد المستشفى مزيدا من النقص في الأطر بسبب إشراف حوالي سبعة أشخاص على التقاعد، ثم مشاركة آخرين في الحركة الانتقالة من أجل الالتحاق بمستشفى القرب ببني مكادة، وهو ما يعني أن الوزارة تقوم بإحداث منشآت صحية دون توفير الأطر اللازمة لذلك..
*لا أمل في إصلاح في هذه المؤسسة وتأهيلها إلا عن طريق تعزيزها بالأطر الطبية والإدارية الكافية، وخلق مركز للأمن، ووضع برنامج صارم للدخول والخروج، واستقبال المرضى. مع منع توقف عربات النقل وسيارات الإسعاف الخصوصية داخل فضاء المستشفى، ثم وضع نظام خاص لتأطير الأسطول العشوائي لسيارات الإسعاف بشكل يسمح بممارستها للمهنة دون إلحاق الضرر بالمستشفى، وهو ما يفرض إبقاء هذا القطاع بعيدا عن المستشفى، وعدم السماح بولوج أفراده إلى فضاء المستشفى إلا بإذن من الإدارة وفق توزيع عادل يسمح لكل أفراده بالقيام بأداء الخدمة لفائدة المرضى والمصابين. ويمكن الاستفادة من تجربة ” طاكسي كريم” نموذجا .. أما المطلب الذي لا محيد عنه، فهو استعادة حق المدينة في المستشفى الجهوي الحقيقي الذي لا يمكن الاستعاضة عنه بمثل هذه المؤسسة التي تحتضر يوما بعد يوم. كما لا يمكن التعويل على المستشفى الجامعي الذي له مستويات أخرى من التدخل والعلاج..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
01-07-2019

Related posts

Leave a Comment