اهتزاز عملية تفعيل آليات الحجر الصحي المقرر خلال الفترة الليلية

تساؤلات تطرح بخصوص مدى جدوى الحجر الصحي:

منذ انطلاق العمل بآلية تنفيذ الحجر الصحي الذي يستمر ليلا إلى غاية 31 أكتوبر 2021 بعد اتخاذ قرار تمديده، وعموم المواطنين يتساءلون عن مدى فعالية القرار وانسجامه مع مقتضيات العقل والمنطق، فحسب ظروف تنفيذه على يد ممثلي السلطات المحلية على صعيد مدينة طنجة –نموذجا- فإن هذا الإجراء ينطوي على اختلالات صارخة تشكك في مدى جدواه ومصداقيته، مما جعل الكل يتساءل عن معنى غياب الجهات المسؤولة طيلة اليوم وتركها الحبل على الغارب، مما يسمح لعموم المواطنين بالتجمع والالتقاء المكثف والاحتكاك ببعضهم البعض في مختلف الميادين دون وجود أي أثر ملموس للتدابير الاحترازية الكفيلة بالحد من تنقل الوباء وتزايد عدد المصابين وتساقط مزيد من الأرواح، حيث يتجمع السكان بكل حرية ودون مبالاة في مختلف نقط الالتقاء كالشواطئ والأسواق والمنتزهات، وفي كل الأزقة والمناطق السكنية وعند أبواب المؤسسات الإدارية والمحلات التجارية والخدماتية والمؤسسات الصناعية ووحدات الإنتاج، وكذلك في مراكز التلقيح والمستشفيات العمومية والمصحات الخصوصية، وأيضا في مختلف أنواع وسائل النقل العمومي كالحافلات وسيارات الأجرة، كل ذلك من غير وجود أي أثر للكمامة أو للتباعد بين الأشخاص، ولا للشروط الوقائية الخاصة بالنظافة والتعقيم وتجنب الأماكن الملوثة.. فهذا المشهد الثابت يتكرر بشكل عادي دون أن يثير لدى الجهات المسؤولة أية حساسية رغم البروتوكولات الصحية وكل القرارات الخاصة بحالة الطوارئ، حيث تظل طيلة اليوم محتجبة، فلا تخرج من قمقمها إلا عندما يقترب موعد بداية الإغلاق في الساعة 9 ليلا، ثم تشرع في إطلاق العنان لصفارات الإنذار بواسطة السيارات الخاصة بحفظ الأمن، والتي تظل تتحرك في مختلف الاتجاهات فتملأ أرجاء المدينة ضجيجا وعويلا متواصلا من أجل حث أصحاب المحلات التجارية والحرفية والمقاهي على الإغلاق وعدم تجاوز الوقت المحدد تحت طائلة التعرض للعقوبات الزجرية، ونفس الأمر ينسحب على وسائل النقل العمومي التي تكون ملزمة بالتوقف عن الخدمة ، مما يضطر المواطنين للدخول في سباق مع الوقت بهدف العودة إلى دورهم سالمين دون التعرض للزجر والمساءلة أو التغريم بسبب المخالفة، مما يساهم بشكل مباشر في الرفع من وتيرة الازدحام والاكتظاظ والاحتقان والتكدس في المحطات وداخل وسائل النقل العمومي، بالإضافة إلى اختناق حركة المرور التي تمتد إلى حدود العاشرة ليلا من أجل أن يتمكن الجميع من العودة إلى مسكنه، ولتبدأ فعليا عملية منع التجول..

عدم الانضباط الكلي لقرار الإغلاق:

لكن ذلك لا يعني أن المدينة قد انضبطت بالكامل للتعليمات ودخلت في طور الحجر الليلي الكامل، إذ تظل هناك بعض الاستثناءات بضوء أخضر من رجال السلطة، حيث تظل الحركة في العديد من الأحياء شبه عادية. حركة تجارية دائبة وتنقل للسكان، وتجمعات وسط الأزقة، فضلا عن إحياء للمناسبات المختلفة وفي مقدمتها الأعراس التي تتم وفق الطقوس المعهودة، حيث تحضر فيها الفرق الموسيقية ومكبرات الصوت وأبواق السيارات التي تثير الرعب وسط الأحياء، وقد تستمر السهرات إلى موعد متأخر من الليل، مما يولد لدى المواطنين الإحساس بالضيم بسبب سياسة التمييز المعمول بها. ففي الوقت الذي يفرض الإغلاق الكلي على المحلات التجارية والمهنية المختلفة داخل مركز المدينة، يسمح لأغلبها في كثير من الأحياء بممارسة نشاطها بكل حرية، كما تظل حركة المواطنين قائمة كالمعتاد وكأن شيئا لم يكن. والمثال هو حالة الفوضى التي يمر بها حي البساتين ليلا بسبب نشاط المحلات الخاصة بتقديم الوجبات الغذائية .*1

مفارقة بين الحجر الأول والثاني:

إن الحجر الحالي يختلف كليا عن طبيعة الحجر الصحي الأول خلال شهري مارس وأبريل 2020 ، والذي سبق أن انضبط له الكل بطواعية وحظي بالاحترام من طرف المواطنين، لأنهم كانوا يثقون في الجهات المسؤولة حينما لمسوا بعض الجدية في تصرفاتها، لكنه لما افتقدت تلك الثقة، سقط القناع فبدت حقيقة القرارات العارية من المصداقية، خاصة لما ادرك الكل تلك التناقضات الصارخة بين الخطاب والممارسة اليومية لرجال السلطة والأمن وممثلي وزارة الصحة .. وقد اتضح ذلك بوضوح في ردود فعل المواطنين تجاه كل القرارات الصادرة في هذا الصدد، لأنهم وجودوا أنها تفتقد إلى المصداقية، كما أنها لا تحقق الهدف من إقرارها وفرضها بهذه الكيفية التي يغلب عليها الارتجال والتمييز والتضييق على الحريات، والأخطر من ذلك هو أنها تتخذ مطية لإثراء الكثير من الجهات التي انتعشت خلال هذه الفترة طريق استغلال النفوذ، حيث ما زالت تثار الكثير من الأسئلة حول كيفية حصول بعض المواطنين على رخص التنقل بين الأقاليم وطريقة سحبها من الإدارة.
واستنادا إلى هذه الوقائع يمكن الخروج بالخلاصات التالية:

دور القرارات الرسمية في نشر الوباء:

*إن السلطات الإدراية تتحمل كامل المسؤولية تجاه انتشار الوباء وتزايد عدد المصابين، لأنها تصر على الزج بالمواطنين وسط بؤر الاختلاط والازدحام المشار إليها، وداخل الدور وخارجها في أوقات محددة وخلال موسم الحرارة المرتفعة بهدف فرض قرار الحجر الليلي الذي يتحقق بشكل جزئي وغير عادل، ويكفي الوقوف على الظروف التي تجرى فيها عملية التلقيح داخل كل المراكز الصحية، وكذلك وضعية المستشفيات ومراكز إجراء الفحوص الخاصة بكوفيد 19.

الإصرار على إغناء الغني في مقابل إفقار الفقير:

*إن كيفية تطبيق قرار الإغلاق ظل منذ البداية يفتقر إلى التوازن المحقق للعدالة بين المواطنين، حيث إنه شكل فرصة ذهبية للاغتناء بالنسبة للبعض من المحظوظين، في حين أنه شكل كارثة كبيرة بالنسبة للطبقات الفقيرة والمتوسطة التي ازدادت فقرا بسبب سياسة الإغلاق. وإلا بماذا يمكن تبرير إغلاق بعض القطاعات في غياب أي بديل لدعم المتضررين؟
إن التعلق بقرار من هذا النوع وبهذه الصيغة المبهمة، لن تكون له إلا نتيجة واحدة هي الزيادة في إفقار المواطنين ونشر الوباء في صفوفهم ما داموا يقضون النهار كله مختلطين لا فاصل بينهم ولا كمامة ولا شيء يدل على التقيد بالاحترازات الصحية، فضلا عن استمرار الاختلاط والضغط النفسي الذي يتعرضون له ليلا داخل دورهم الضيقة.. ففي الوقت الذي ظلت أجور الموظفين وكبار المسؤولين والإداريين ثابتة ومضمونة ومصانة، نجد أن مدخول عموم المواطنين اليومي قد تراجع إلى الخلف، ووصل إلى درجة الصفر بالنسبة للعاملين في عدد من القطاعات التي يفرض عليها الإغلاق الكلي أو الجزئي كالحمامات والقاعات الرياضية والمقاهي،.. ففي ظل هذا التوجه، ماذا قدمت الجهات المسؤولة لهؤلاء من أجل تعويضهم عن الضرر؟ . ولعل القطاعات الأكثر تضررا هي تلك التي تعمل في المجال التجاري والسياحي والنقل، علما أن قطاعات أخرى ظلت صامدة ومحظوظة، حينما أتيحت لها فرص الاغتناء أكثر مثل الأبناك، ودور التأمين، وبعض وسائل النقل العمومي والمختبرات والمصحات الخصوصية..

*العزوف عن استعمال الكمامة خلال سنتين من الطوارئ الصحية:

إن عدم استعمال معظم المواطنين للكمامة منذ الإعلان عن بداية فترة الطوارئ الصحية، قد تكون له أسباب متعددة منها غياب الوعي وعدم الاقتناع بجدواها وعدم الإحساس بخطورة المرض. لكن المشكل الرئيسي يظل هو صعوبة الوصول إلى اقتناء الكمامة بسبب تكلفتها المرتفعة بالنسبة لكل الأفراد والأسر، وخصوصا بالنسبة للطبقات الفقيرة والمتوسطة وذوي الدخل المحدود، لأن ثمن الكمامة العادية في الصيدلية لا يقل عن ثلاثة دراهم، فإذا تم احتساب الثمن بالنسب لحاجيات الشخص ولأفراد عائلته إن أرادوا ارتداء الكمامة وفق المعايير الصحية المطلوبة، فكم يتطلب الأمر من الإمكانيات المادية؟. ورغم القوانين المؤطرة لعملية حمل الكمامات وصناعتها وتسويقها، فقد تحولت الكمامة إلى وسيلة للإثراء والاغتناء لفائدة أولائك المحظوظين الذين تلقوا الدعم المالي السخي من أجل صنعها بثمن رمزي. وللتذكير فإن الحكومة كانت قد وعدت بأن تكون الكمامة الصحية في متناول عموم المواطنين وبثمن مناسب ورمزي.. فماذا كانت النتيجة؟ لقد أصبحنا في شبه قطيعة مع الكمامة التي تحولت إلى شيء معيب ومستهجن، فلم تعد ترى إلا استثناء لدى بعض الأفراد، أو أنها توضع للديكور فقط فوق اللحية لتفادي التعرض للمساءلة.. والخلاصة هي أن السلطات قد فشلت كليا في فرض الكمامة بالطريقة التي أرادتها لأنها لم توجه الاهتمام منذ البداية لتوعية المواطنين بالدرجة الأولى، وتقديم العون لهم للتغلب على صعوبات الحياة الناتجة عن الحجر وتداعياته، ثم توفير الكمامات لهم بالمجان، إلى جانب ضمان الحضور اليومي في كل النقط التي تقع فيها التجمعات لفرض التدابير الوقائية، وتحسيس الناس بوجود المراقبة والجدية في تطبيق القوانين..

تراجع مستوى أداء السلطات خلال فترة الطوارئ الصحية:

يحق التساؤل عن سبب تراجع مستوى أداء السلطات خلال فترة الطوارئ الصحية، فهل للأمر علاقة بحالات الإجهاد والشعور بالإعياء الذي لحق رجال وأعوان السلطة والأمن على امتداد هذه المرحلة الطويلة مثل ما هو الأمر بالنسبة للأطر الصحية ؟.. أم لأن الموقف يرتبط بعامل آخر هو عدم اقتناع تلك الجهات نفسها بجدوى العمل بالقرارات الإدارية في ظل تعايش الجميع مع الوباء مهما كانت النتائج والعواقب؟، أم أنه تعبير عن رغبة دفينة في تأزيم الوضع بهدف تبرير إجبارية التلقيح وتعميمه على المغاربة عن طريق تخويفهم من ارتفاع نسب الوفيات؟.. وإلا لماذا ظلت تلك الجهات متشبثة بإحياء شعيرة عيد الأضحى بنفس الطقوس التي كانت تحمل إنذارا مسبقا لما ستؤول إلى الوضعية، وقد تأكد ذلك مرتين بعد أن سجل مزيد من الطفرات عقب عيد الأضحى؟..
والمؤسف أن السلطات الإدارية لم تتمكن في كل الأحوال من تطبيق عدد من القرارات المتعلقة بالطوارئ الصحية الصادرة عن الحكومة، وفي مقدمتها إجبارية حمل الكمامة، ومنع التنقل بين المدن، وإلزام كل الوحدات التجارية والصناعية ووسائل النقل العمومي باحترام نسبة ملء لا تتعدى نسبة 50 من قدراتها..

الخلاصة:

إن تشخيص المشهد منذ الشروع في تطبيق حالة الطوارئ الصحية، يكشف عن عدم فعالية عدد من القرارات الصادرة عن الأجهزة المسؤولة، بسبب مجانبتها للصواب من جهة وعدم قابليتها للتنفيذ من جهة أخرى، مما عمق من تداعيات الجائحة وألقى بظلال قاتمة على مستقبل المغاربة الذين أصبحوا يعادلون بين الموت – ممثلا في كورونا- وبين الفقر والتفقير الذي يتعرضون له نتيجة اعتماد سياسة الإغلاق والتكثيف من القيود المانعة لحرية التنقل.. حتى أصبحوا يرون أن تلك القرارات المطبقة تشكل ضربا من العبث لأنها تعد مصدر انتشار المرض وتعميق الأزمة، بل يعدونها وجها آخر للموت الذي قد يلحقهم بسبب الجوع. وعليه فإننا نطالب الجهات المسؤولة أن تحكم ضميرها في هذه المسألة وأن تنظر – بواقعية – إلى الوضع المأساوي لملايين الأسر المتضررة من هذا القرار الذي سيمتد إلى نهاية شهر أكتوبر، وأن تقوم برفع القيود المطبقة بخصوص الحجر الليلي الذي لا فائدة منه في ظل الاختلالات والتناقضات المشار إليها، حيث لا يتعدى الأمر أن يكون نوعا من العبث الذي يزيد الطين بلة. والمطلوب حقيقة هو: – أن يتم التركيز على توعية المواطنين وتحميلهم المسؤولية وإشراكهم في عملية تنفيذ التدابير الاحترازية بدلا من استعمال سياسة العصا الغليظة.. – تعميق التواصل مع المواطنين والنظر إلى مطالبهم وتفهم الإكراهات التي يعانون منها- التركيز على الإجراءات الكفيلة بحماية المواطنين واستعادة المناعة الجماعية بدلا عن اعتماد الحجر العشوائي في آخر ساعة من أجل أن يستريح المسؤولون من وجع الرأس ..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
22-08-2021

*1- فوضى وضجيج يدفعان سكان “البساتين” بطنجة لتوجيه شكاية ضد محلات للأكلات الخفيفة/ م. طنجة 24 في 21 غشت 2021

عملية التلقيح في ملعب ابن بطوطة طنجة:

Related posts

Leave a Comment