بوادر الفشل الحكومي في التعاطي مع انتظارات المواطنين


حمل الأسبوع الماضي أخبار اعتقال بعض المواطنين في بعض المدن من بينها طنجة على خلفية مشاركتهم في الاحتجاج على قرار اعتماد الحكومة لجواز التلقيح الذي يرون فيه تهديدا لصحتهم، فهم يرون أن إلزامية التلقيح تقتضي ضمان إلزامية الصحة وتوفير العلاج لكل المواطنين لحمايتهم من كل الأخطار التي تتهددهم بسبب اللقاحات غير الآمنة؛ والتي لا يعرفون شيئا عن طبيعتها ومدى فعاليتها لفائدة الملقحين.. وهو الشيء الذي ما زالت الجهات الحكومية تنكره وترفضه وتعتبره من سابع المستحيلات مهما كانت نتائجه، فهي ما زالت تراهن على انصياع عموم المغاربة لاختياراتها التي تريد فرضها بالقوة.
والمشكل أن هذا المطلب بدأ يتعزز بجملة من المطالب التي بدأت تكبر مثل كرة الثلج، إذ أضيف إليه مطلب تم الجهر به خلال الاحتجاجات الأخيرة؛ يتعلق بمشكل الغلاء وارتفاع الأسعار في كل المواد الاستهلاكية ومختلف الخدمات بنسب متفاوتة فاقت 100 و200 % في بعض المواد؛ كما هو الشأن بالنسبة لأسعار مواد البناء والتجهيز المنزلي، وكذلك مواد الدقيق ومشتقاته والزيت ومواد البقالة.. وهو الشيء الذي تنفيه الأطراف الحكومية- بالإجماع- وتعتبره مجرد مزايدات ومكائد مدبرة من أجل إرباكها أو إسقاطها من موقعها؛ متجاهلة مشروعية كل تلك المطالب التي تعمل على شيطنتها بدلا من البحث في طبيعة المشكل والوقوف على الأسباب وطرح الحلول الموضوعية التي يتقبلها العقل والمنطق.. فهي ما زالت تطل على هذا الملف من أعلى برجها العاجي، ولا تدرك حجم الضرر الذي لحق بأغلبية المواطنين بسبب أزمة “كورونا” التي كان لها أثر مدمر على الاقتصاد وعلى نمط الحياة بالنسبة لعموم المواطنين ..
إن مشكل الغلاء حقيقة ثابتة لا يمكن نفيها أو القفز عليها في هذه الظروف المثقلة بالأزمة التي يعاني منها أغلب المواطنين، وبالدرجة الأولى ذوو الدخل المحدود الذين يمرون بضائقة كبيرة لا يمكن تصور حجمها من طرف المسؤولين لأنهم يعيشون بعيدا عن الشعب، ينعمون بمناصب مريحة محصنة ويستمتعون بأجور ضخمة تعمي أبصارهم عن إدراك الحقيقة، كما تجعلهم يتجاهلون كل ما لا ينتمي لعالمهم المخملي.. فكيف لهم والحالة هذه أن يحسوا بجوع الفقير وخصاصه، وبانسحاق الضعيف أمام عوادي الزمن؟، وكيف سيشعرون بألم المريض وبوجع الفلاح والعامل المقهور؟، وكيف لهم أن يدركوا حجم المآسي التي تتكبدها الأسرالفقيرة المعدمة، أسر الأرامل واليتامى، أسرالضحايا التي تخلفها الحروب الاجتماعية والاقتصادية ؟..
فلو كانت الحكومات المتعاقبة – وليس الحكومة الحالية وحدها – صادقة في خطاباتها:
– لعجلت قبل كل شيء بمراجعة الأجور العليا والتخفيض منها لتخفيف العبء عن خزينة الدولة وضمان توظيف ذلك لصالح عموم الشعب المغربي ..
– لعجلت بفرض الضريبة على الثروة من أجل التقليص من الفوارق الاجتماعية والطبقية.
– لعملت على تقنين الأسعار ووضع حد لفوضى الأسعار في كل المواد الاستهلاكية.
– لعملت على فرض القانون الخاص بإشهار الأسعار ..
– لعملت على الرفع من الأجور الضعيفة والمتوسطة وإعادة النظر في التعويضات الهزيلة التي تمنح لشرائح المتقاعدين..
– لكفت أيدها عن المواطنين وجعلتهم يحسون بالاطمئنان بدل ترهيبهم من أجل إلزامهم باللقاح المشكوك فيه؟
وبالنظر لهذه التراكمات التي لا تتفهمها الجهات المسؤولة، نعلن عن موقفنا المساند لكل الأصوات الحية ونطالب برفع هذا الحيف، ووقف كل أشكال التضييق التي تطال الحريات العامة، والحد من الهجوم على المكتسبات. كما نستنكر حملة الاعتقالات التي طالت عددا من الفاعلين الغيورين لمجرد مشاركتهم في الاحتجاج السلمي الذي يكفله الدستور للتعبيرعن الرأي والمطالبة برفع المظالم حينما تشتد ويبلغ السيل الزبى. ونلتمس من الجهات المسؤولة على كافة المستويات؛ التزام الهدوء والتعقل والتحلي بالرحمة في التعاطي مع هذا الملف، ثم إطلاق سراح كل المعتقلين الذين سيحاكمون بناء على تهم واهية لن تزيد الطين إلا بلة، لأنها ستسيئ إلى سمعة البلد، كما أنها ستشكل ضربة قاسية لوضع المغرب في وقت حرج كثر فيه تكالب الأعداء من كل جانب.. ونؤكد أنه في هذه الظروف؛ لا بديل عن الحوار والانفتاح على كل القوى الاجتماعية والاستماع إلى نبض الشارع وتفهم مطالبه العادلة التي لا يجب أن تكون مبررا للانقلاب عليه بهدف إسكات صوته إلى حد التسليم بالأمر الواقع الذي يراه الحاكمون صوابا وكمالا ونضجا..
ومن أجل أن يكون المسؤولون على بينة من أمرهم؛ ندعوهم إلى الاستفادة من دروس التاريخ التي تؤكد أن مثل هذه المطالب لا تحل بالمقاربة الأمنية؛ وبخنق الحريات وإسكات صوت المحتجين، وإنما الحل يأتي على أسنة الحوار المفتوح والتوعية والتحسيس بالمسؤولية داخل المجتمع واحترام إرادة المواطنين .. فلماذا لا تتحمل الحكومة مسؤوليتها التاريخية تجاه ملف الغلاء الحارق الذي يعد أكبر خطر يهدد الاستقرار.. ولماذا الإصرار على تحميل المسؤولية للمواطنين الذي يتحملون ما لا طاقة لهم به في مقابل تبرئة نفسها وإبراء ذمتها من كل ما يجرى على مسرح الأحداث؟
وكجواب على كل هذا وذاك، نؤكد أن اللجوء إلى مثل هذه الأساليب العقيمة في مواجهة مطالب المواطنين العادلة؛ يعتبر دليلا على العجز والقصور والفشل الذريع؛ وليس على القوة والثبات والرزانة والقدرة على شق الطريق خلال الأزمات الصعبة في أفق الوصول إلى شط النجاة والمحافظة على الاستقرار وضمان السعادة للجميع..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
15-11-2021

Related posts

Leave a Comment