تحية تقدير وإعزاز للمرابطين في الخطوط الأمامية من أجل حفظ مصالح الوطن والمواطنين

فأمام هول الكارثة التي حلت بكل المجتمعات نتيجة تفشي داء الكورونا الخطير الذي أجبر الكل على الاختباء والانزواء للحد من تفاقمه، ولوقف نزيف الوفيات المفاجئة التي تمطرنا بها وسائل الإعلام في مختلف مناطق العالم كل دقيقة، لا يسعنا إلا أن ننحني بكل خشوع وتقدير أمام فئة المواطنين الذين فرضت عليهم الظروف المستجدة التضحية بأنفسهم من أجل استمرار مقومات الحياة العامة داخل المجتمع عن طريق تحمل عبء التطوع الجهادي للحفاظ على دوام الخدمات المرتبطة بكل المصالح والقطاعات على حساب أمنهم الصحي وحقهم أيضا في الاختباء داخل بيوتهم والنجاة بأنفسهم كباقي المغاربة من الخطر المحدق بهم. فقد اقتضت الضرورة القصوى أن تحمل هذه الفئات الاجتماعية التي تتواجد في الخطوط الأمامية هذه الرسالة لمقاومة عدو خفي لا يكشف عن نفسه ولا يمكن تلمس أثره بسهولة … فهم يضحون بحياتهم وراحتهم من أجل أن تسلم الغالبية العظمى داخل المجتمع، حيث يضحي كل واحد منهم بحسب موقع تخصصه وطبيعة عمله من أجل أن ينجو ويسعد الآخرون، وليس له من خيار تجاه ذلك مهما كانت العواقب. فكل واحد من هؤلاء، يعد ذلك الجندي المجهول الذي يتحقق بفضله النصر والاستقرار والسلام الذي ينعم به الآخرون ..
ومن أجل استحضار الدور التاريخي لهذه الفئات المجاهدة عن قرب لا بد أن نبدأ بالأطر الطبية ( أطباء، وممرضين، طواقم إدارية ) التي تلامس المصابين بالمرض عن قرب وتحتك بهم، مضحية بكل ما لديها من طاقة لإنقاذ حياتهم وتخليصهم من قبضة الوحش المتربص بهم. ولا ننسى الظروف الصعبة التي يعمل فيها هؤلاء بسب هشاشة بنيات الاستقبال داخل المراكز الاستشفائية التي تحتاج إلى مزيد من الدعم والتعزيز في ظل هذه الظروف الاستثنائية، ثم اشتغالهم أيضا في إطار العمل المستمر الذي يجمع بين الليل النهار، كما يحكم عليهم أيضا أن يظلوا مبعدين عن آهاليهم ..وفي هذا الإطار لا بد من تذكر المصير المؤلم لعدد من الأطباء في بؤر انتشار الوباء، مثل الصين وإيطاليا، وأنجلترا، وإسبانيا، حيث أصيب الكثير منهم بالعدوى، كما فارق البعض الحياة بسبب انتقال المرض إليهم من المصابين.
وبالموازاة، نستحضر فئات الصيادلة وأصحب المختبرات والأطباء الخواص الذين يحافظون على علاقتهم المباشرة بكل من يقصدهم في مقر العمل للحصول على الخدمة المطلوبة ..
نستحضر أيضا الأطر الإدارية العاملة على صعيد كل المؤسسات العمومية وشبه العمومية، ( أبناك، وكالات، مصالح لمختلف القطاعات) والتي تعمل أيضا بكل جهد وتفان في إنجاز مهام المداومة. فهي بدورها تستقبل العشرات من المرتفقين الذين يجهل مدى سلامتهم من الإصابة بالعدوى، مما يجعلها تمر بحالة خوف دائم من التعرض للإصابة ونقل الوباء إلى بيوتها .
نستحضر كذلك واقع رجال السلطة والأمن والدرك الملكي الساهرين على تطبيق إجراء الحجر وتتبع سير دواليب الحياة العامة في الجانب المتعلق بالتموين، وضمان الأمن، ومعالجة كل المخاطر التي يمكن أن تلحق بالمواطنين وتؤثر على الاستقرار والسلم الاجتماعي، حيث يتميز عمل هؤلاء كذلك بالدوام والعمل المستمر بالليل والنهار ..
نستحضر الدور البطولي لرجال (القوات المسلحة الملكية، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، والجمارك..) الذين يعدون صمام الأمان للتغلب على هذه الجائحة.
نحيي الأطر الممثلة لمصالح المراقبة المرابطة على الحدود، وكذلك تلك التي تشتغل داخل الوطني في شتى المجالات من أجل ضمان الحماية والأمن النفسي والصحي للمواطنين ..
نستحضر ذلك التاجر البقال الأعزل الذي تطوع كذلك للقيام بتوفير المواد الضرورية وجعلها في متناول المواطنين، لأنه بدوره يستقبل عددا كبيرا من الأشخاص ويلبي حاجياتهم اليومية وهو يجهل كل شيء عن مدى سلامتهم من المرض، لكنه يتوكل على الله ويشتغل بشكل هادئ ويستقبل كل الطلبات رغم الضغوط النفسية بهدف إرضاء الجميع .
ونفس الأمر ينطبق على ذلك الصانع أو المهني الذي تطوع لفتح محله والمغامرة بنفسه من أجل قضاء حوائج الناس، وذلك لكي لا تتعطل المصالح داخل المجتمع.
ويحضر مشهد التجار والباعة داخل أسواق الجملة والأسواق الممتازة وفي المتاجر ونقط البيع بالتقسيط الذين يضحون كذلك بأنفسهم ويتحملون عبء التنقل إلى السوق لجلب المواد في جوف الليل حتى تكون في متناول جميع المواطنين، معرضين أنفسهم أيضا للخطر بسبب التنقل والاحتكاك مع الغير خلال مزاولة العمل ..
نستحضر حالة الفلاح الذي يسهر على إعداد المنتوج الفلاحي المتنوع من أجل إمداد ساكنة المدن وضمان التموين المستمر حتى يعيش الناس آمنين مطمئنين، وذلك رغم الظروف القاسية التي يمر بها العالم القروي بسبب تأثيرات الجفاف على القطاع الفلاحي ككل .
نستحضر أصحاب المخابز والمطاحن الذين آلوا على نفسهم إلا أن يقدموا كل التضحيات من أجل ضمان توفير الخبز الطري للمواطنين بكيفية ملائمة وفي كل الأوقات رغم صعوبات إنجاز العمل الذي يتم في ظروف محفوفة بالأخطار ..
نستحضر فئات سائقي سيارات النقل العمومي الخاص بالحافلات، والتنقل الطرقي، وسيارات الأجرة، والنقل المزدوج .. وكذلك مستخدمي ( المكتب الوطني للسكك الحديدية، النقل الجوي، النقل البحري) الذين يضحون أيضا بأنفسهم من أجل مساعدة الناس على التنقل والوصول الوجهة التي يريدونها ..
نتوجه بالتحية أيضا إلى رجال النظافة الذين يحرصون على نظافة المدينة وتعقيم فضاءاتها من أجل دفع كل العوامل التي تؤدي إلى انتشار الأمراض ..
نحيي مستخدمي قطاع الماء والكهرباء والتطهير التابعين لشركات التدبير المفوض وللمكتب الوطني للماء والكهرباء والوكالات المستقلة، بالنظر لما يتكبدونه من مشاق حفاظا على استمرار الخدمة ..
نحيي أصحاب المخابز والمطاحن وبعض الوحدات الصناعية التي حافظت على الإنتاج الضروري والمنتظم لضمان تموين السوق، وكذلك العمال المرتبطين بهذه المؤسسات رغم مخاطر العمل بسبب تجمع البشر..
نحيي الدور التاريخي لرجال الإعلام والصحافة الذين يسطرون هذه الصفحة من تاريخ المغرب بمداد من ذهب بفضل جهودهم وحضورهم القوي ودورهم في التوعية وتغطية الأحداث المتسارعة، بل حضورهم الفعال في الصفوف الأمامية من أجل نقل الأخبار، ثم القيام بالمشاركة الميدانية في حض الناس على الانضباط لقرار الحجر الصحي والحد من التنقل لوقاية أنفسهم من الأخطار المتزايدة.
نحيي الدور الذي يقوم به المؤذنون الذين ظلوا يذكروننا بوجود المساجد وبيوت الله وبمواقيت الصلاة في هذه الظروف الصعبة التي فرضت علينا التباعد والحجر في البيوت وعدم الانتشار من أجل الحفاظ على أرواح العباد ..
نحيي ممثلي المجالس المنتخبة والغرف المهنية وغرفتي البرلمان، بالنظر لدورهم الحيوي في استمرار المرفق العام ونظافة المدن، والقيام بدور التحفيز وتحريك المبادرات ..
ونحيي أيضا الدور الفعال لهيئات المجتمع المدني وكذلك الأحزاب والنقابات والمنظمات الحقوقية التي أبانت عن نضجها وحسها الوطني، من خلال سيل المواقف الإيجابية والمبادرات الحسنة التي يتم تفعيلها على أرض الواقع مجسدة أنبل قيم التضامن الوطني.
نحيي دور المثقفين والفنانين والعلماء في التوعية عن طريق الإدلاء بالآراء الصائبة والمتفائلة من أجل تنوير الرأي العام وبعث الأمل في النفوس من خلال التصدي للإشاعات المضللة وللفكر العدمي المشكك في كل شيء..
ولا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال الدور المحوري لرئاسة الحكومة ولكل الوزراء في مواجهة هذه الجائحة في ظل ظروف محفوفة بالأخطار مثقلة بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية، ويكفي أن يكون أحد الوزراء من ضحايا هذا الوباء.
وفوق كل هذا وذاك نكبر الدور الريادي والمحوري لصاحب الجلالة محمد السادس الذي يشكل مصدر إلهام بالنسبة للمغاربة فيما يتخذونه من مبادرات وخطوات عملية لمواجهة هذا التحدي الخطير، إذ ما فتئ جلالته يقدم المثل الأعلى في حبه لوطنه وحرصه على سلامة شعبه وغيرته على كرامة المغاربة كافة من خلال تلك المبادرات القوية المعلن عنها من أجل جمع المغاربة حول كلمة واحدة وهدف واحد وهو اجتياز هذا الامتحان العسير والنجاة من البلاء الذي ندعو الله تعالى أن يخلص منه البشرية جمعاء، إنه على كل شيء قدير، لا إله إلا هو له الملك وله الحمد، فسبحانه الذي يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي.

المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
26-03-2020

Related posts

Leave a Comment