تقرير سابق حول مسلسل “تأهيل” منتزه بيرديكاريس بطنجة

أصدرت الرابطة في شهر مارس 2009 تقريرا حول ماراطونية الأشغال القائمة داخل منتزه بيرديكاريس ما زال يستحق النشر لأنه لم يفقد صلاحيته بعد؛ بحكم دخول هذا المشروع في متاهات لم يخرج منها سالما إلى الآن رغم مرور أزيد من 21 سنة، وذلك من أجل الكشف عن حقيقة المخططات والبرامج التي يسوق لها المسؤولون، والتي تتحول في نهاية المطاف إلى مسلسل للضحك على الأذقان والتلاعب بمشاعر المواطنين وأحاسيسهم..وهو ما يعبر بشكل واضح عن غياب المصداقية والمسؤولية في إدارة شؤون هذه المدينة.. فرحم الله عبدا عمل عملا فأتقنه.. لكن ما أبعد المسؤولين الذين تورطوا في هذا الملف عن روح الحديث النبوي وعن أخلاق حب الوطن وتمجيده ..

التقرير

في دورته العادية التي انعقدت بتاريخ 29-1-2009 في مدينة العرائش، تدارس مجلس طنجة تطوان نقطة تتعلق بالمصادقة على النظام الداخلي لمجموعة الجماعات للمنتزه الطبيعي الجهوي لبوهاشم، حيث تبين أن مشروع المنتزه قد عرف نوعا من التقدم؛ مقارنة مع منتزه آخر مماثل هو بيرديكاريس بطنجة؛ الذي يبدو أنه يمر بمنعطف خطير يمهد لمرحلة إقبار مشروعه على المدى البعيد، علما أن انطلاقته سبقت طرح مشروع منتزه بوهاشم بكثير، لأن منتزه بيرديكاريس كان قائما مكتملا؛ ولم يكن يحتاج إلا لتدخل محدود من أجل تنظيمه وحمايته وصيانة ثرواته الطبيعية، هذا فضلا عن أنه كان معلنا كمحمية طبيعية من طرف إدارة المياه والغابات منذ بداية الثمانينات، حيث إنها أعدت لهذه الغاية دراسات علمية تتعلق بخصائص الموقع ومميزاته الإيكولوجية؛ تناولت جانب مكونات التربة والمناخ والغطاء النباتي والغابوي، ثم الكائنات الحية المتواجدة من حشرات وطيور وحيوانات… وقد طرحت بشأنه مقترحات متعددة تصب في أفق تنميته واستثماره في المجال السياحي والعلمي؛ باعتباره محطة أساسية لرصد وتتبع حركة الطيور المهاجرة.
ولعل إرهاصات هذا الموقف قد ظهرت في الأفق منذ انطلاق هذا المشروع بشراكة بين عدد من المتدخلين منهم جهة “باكا” بفرنسا، حيث سجل منذ البداية وجود نية مبيتة ورغبة في تغيير معالم الموقع الطبيعي الفريد؛ وذلك بإفراغ الأسر التي كانت تتولى عملية حراسته بواسطة حكم قضائي، وإطلاق يد إحدى المقاولات للقيام بعملية التنقية” التعرية” وقطع الأشجار المريضة، وشق المعابر وإعداد الفضاءات داخل المنتزه، حيث أتيح لها في غياب المراقبة أن تفعل ما تشاء وتعيث فسادا في الممتلكات الطبيعية للمنتزه من خلال المبالغة في تعرية المحيط وقطع الأشجار دون التقيد بالضوابط والمعايير المعمول بها في هذا المجال. وكان الخطأ الأكبر هو الإهمال المتعمد وفتح المنتزه في وجه العموم قبل اكتمال الأشغال؛ ومن غير توفير آليات الحراسة الدائمة للموقع لحمايته من الحرائق والاعتداءات التي يتعرض لها، مما شجع على الإقبال المكثف للزوار، وتزايد الاعتداء على الأشجار والغطاء النباتي وعلى التجهيزات الأثرية داخل الموقع.. فبتاريخ 14 دجنبر 2003، وبالضبط في الساعة الثانية بعد الزوال؛ كانت أضخم شجرة بالمنتزه تشتعل نارا انطلاقا من جذعها الأسفل بعد إحداث حفر غائر بداخلها شبيه بالفرن من أجل إنضاج الطعام من طرف عناصر مسخرة للقيام بهذه الأعمال الشنيعة، وذلك أمام مرأى ومسمع من مئات الزوار الذين وجدوا بعين المكان في ذلك الوقت، فظلت الأدخنة تتصاعد من الموقد المشتعل دون أن يحرك أحد ساكنا؛ لولا تدخل أحد الأجانب- من أصل ألماني، كان من أنصار البيئة- لإخبار الوقاية المدنية التي حضرت من أجل التدخل لإطفاء النار وإنقاذ تلك الشجرة من الموت. والمثير للانتباه هو أن هذا الحادث المؤلم قد وقع أمام أعين عمال المقاولة المذكورة وعلى مقربة من سكنى حارس المياه والغابات ومقر إدارة الأمن بالرميلات. وحين العودة إلى تلك الشجرة الآن؛ سنجد أنها قد احترق جذعها الأسفل، الأمر الذي عجل بموتها، وهو نفس المصير الذي لقيته العشرات من الأشجار الضخمة التي يفوق عمرها 137 سنة..
إن هذا الحادث المؤلم يختزل مشهدا ثابتا داخل هذا المنتزه، وكذلك على صعيد كل المناطق الغابوية بطنجة، حيث يتم إعدام الأشجار بطرق متعددة تتفاوت بين حرق الجذور والجذوع، والاجتثاث، وزرع المسامير وقطع الحديد الصدئة، وحقن المواد السامة، وإضرام النار التي تنسب إلى فعل فاعل مجهول، وكذلك القطع بواسطة المناشير، والتجريف والمداهمة بواسطة الجرافات، ونهب الأتربة المغذية للأشجار، مما يتسبب في تدهور الغابة وإتلاف الغطاء النباتي والغابوي بكيفية ممنهجة ومستمرة من أجل فتح المناطق أمام التعمير. والغريب هو أن هذا المخطط الإجرامي يتم تنفيذه أساسا في مناطق غابوية مسيجة تابعة لأملاك الخواص دون أن يكون لأحد القدرة على التدخل والقيام بالردع بسبب الموقف السلبي للسلطات التي تعد المسؤول الأول عن إدارة القطاع الغابوي الموجود داخل المدار الحضري ..
تنتسب غابة بيرديكاريس إلى صاحبها القنصل الأمريكي الذي خلف هذا الموروث الثقافي الهام بعد أن حل بالمنطقة سنة 1872. وقد اختار الموقع بدقة، وزينه بمختلف أنواع الأشجار التي قام بجلبها من مختلف القارات، وبنى به قصرا على الطراز الأوروبي من الطين والخشب، ومد قنوات المياه المتصلة بالأحواض، وأنشأ أحواضا ومشاتل من أجل تبييئ بعض الأصناف النباتية المستوردة من بيئات أخرى، وملاجئ للحيوانات والطيور المختلفة ليكون كل ذلك هدية لزوجته التي أعياها مرض الروماتيزم. وقد استقر مدة طويلة في هذا الموقع إلى أن تنغصت حياة عائلته بسبب اختطافه سنة 1904 من طرف القائد أحمد الريسوني لمطالبة الولايات المتحدة بفديته، ثم انتقل الملك فيما بعد إلى السفير السويسري بطنجة، ثم إلى التهامي الكلاوي في عهد الحماية، ثم أصبح ملكا للدولة سنة 1959. ويقع المنتزه المكون من 67 هكتارا فوق هضبة الرميلات في أعلى الجبل الكبير بطنجة. وهو يتمتع بخصائص بيئية وإيكولوجية تميزه على الصعيد الدولي بفضل موقعه الجغرافي المطل على بوغاز جبل طارق، من بينها مناخه الرطب وتنوع أحيائه البيئية ومجاورته للطريق الروماني القديم المتجه نحو كاب سبارتيل..
ولقد ظل هذا الموقع محصنا لعدة عقود لا يجرؤ أحد على انتهاك حرمته، بفعل حراسته الذاتية المتأتية من وحشته وكثافة أشجاره وأحراشه، وكذلك ما يروج حوله من أساطير تبعث على الخوف والتحفظ من ولوجه والتغلغل بداخله. ومع ذلك ظل مكانا محترما يتبدى للناس من بعيد إلى أن انتهكت حرمته.. وقد علقت بحبه عدة شخصيات تاريخية ظلت على تواصل معه، كان من بينها والدة الملك الراحل الحسن الثاني التي كانت ترتاد الموقع بشغف كبير وتنزل عند الأسرة التي كانت مكلفة بالحراسةة، والتي كانت تهيئ لها مقاما مريحا للجلوس في شرفة القصر والاستراحة لبضع ساعات وسط الهدوء وروعة الخلق. كما كان يتردد عليه رئيس الحكومة الإسباني خوصي غونزاليس وشخصيات أخرى عالمية ..
وفي سنة 2000 سيدخل مجلس جهة طنجة تطوان على الخط من خلال طرحه لمشروع مشترك مع فاعلين محليين تمثلهم ولاية طنجة ومفتشية المباني التاريخية والوكالة الحضرية والجماعة الحضرية، ثم شريك أجنبي ممثل في مجلس جهة “باكا” بجنوب فرنسا. وفي هذا الصدد سيتم توقيع اتفاقية إطار تحدد مهام تدخل كل طرف. وكان الدور الموكول للجانب الفرنسي هو إعداد دراسة الجدوى وتقديم مساعدات تقنية على يد خبراء مختصين ظلوا يترددون على طنجة وبوهاشم لعدة سنوات من أجل تفعيل مشروع المنتزه الطبيعي الجهوي الذي يبدو أنه وصل إلى الباب المسدود، علما أن التدخل المشار إليه كانت له انعكاسات سيئة على الموقع الذي أصبح الآن مهددا بالزوال جراء التماطل من جهة؛ وبسبب الصمت المريب للمسؤولين الذين أصبحوا عاجزين عن تقديم جواب حول أسباب توقف المشروع والمآل الذي ينتظره من جهة أخرى!!..وبالعودة إلى الحسابات الإدارية لمجلس جهة طنجة تطوان؛ يتبين أنه تم صرف اعتمادات تفوق 4 ملايين درهم كانت مخصصة للدراسة وإقامة السياج الذي لم تكتمل أشغاله بسبب عدم وفاء المجموعة الحضرية بحصتها، فضلا عن أن هذا السياج الجزئي قد كشف منذ البداية عن عيوب بسبب هشاشته وعدم مراعاة المعايير التقنية خلال عملية الإنجاز، وقد كان محل انتقاد منذ البداية من طرف المهتمين المتخصصين، كما أنه لم يصمد أمام قرار الوالي – محمد حصاد- الذي أمر بإزالته تماشيا مع فلسفته الداعية إلى تعرية الفضاءات العمومية، إلى حد أنه يتعذر الآن العثور على جواب لدى الجهات المتدخلة، إذ يظل كل طرف يحيلك إلى طرف آخر، ذلك في الوقت الذي تروج بعض الأخبار المزعجة حول عزم الجهات المسؤولة على إرجاع الملك إلى أهله من أجل التصرف فيه حسب هواهم، وهو ما سيشكل صفعة قوية للرأي العام الوطني ولساكنة طنجة التي عاشت على هذا الحلم لعدة عقود، والذي أصبح الآن يتبخر في الآفاق بسبب ازدواجية الشخصية لدى الجهات المسؤولة التي يبدو أنها تمهد لهذه المرحلة من خلال ترك الحبل على الغارب والتزام الصمت المطبق- والمراهنة على ذاكرة النسيان – فمثلها مثل الذي يساهم في “قتل الميت ثم يمشي في جنازته”- ولن ينسى آل طنجة وعموم المغاربة الخسارة الكبرى التي مني بها الوطن بسبب ضياع حديقة الحيوانات –الأولى- بتمارة(على مساحة 60 هكتارا) بعد أن تم ترحيلها – في إطار عملية مقايضة وفي ظروف غامضة – ثم ضياع الغابة الدبلوماسية بطنجة التي كانت مساحتها تقدر ب2000 هكتار، وكذلك منتزه المنار وغابات الرميلات والجبل الكبير والبقية تاتي …
وللتذكير فإن هذا المشروع – السيزيفي- قد عرف انطلاقته الأولى في يناير 2001 بحضور وفد رسمي يمثل جهة “باكا” بهدف تهيئة المجال وإحداث مركز بيداغوجي يسمى دار بيرديكاريس؛ قد أسفر في أول الأمر عن إنجاز بعض التدخلات التي شملت إعداد الدراسات ووضع السياج وإعداد الممرات وتصميم التهيئة الحضرية، والتشوير، كما تم عقد جلسة عمل مع فعاليات المجتمع المدني يوم 1 يونيو 2001 بهدف التشاور حول الموضوع- ثم وقف حمار الشيخ في العقبة- ولقد قام مجلس الجهة بمكاتبة الوالي أكثر من مرة حول موضوع توقف الأشغال، والأخطار التي تتهدد الموقع دون أن تحظى رسائله بأي جواب. وإذا كان الجانب الفرنسي قد أنجز كل المهام التي التزم بها، فإن الدور المغربي قد اقتصر على إفراغ القصر التاريخي من الحراس، مما جعله عرضة للتلاشي والانهيار بسبب تأخر عملية الترميم، ثم القيام ببعض التدخلات العشوائية التي كانت لها نتائج سيئة على الموقع ومكوناته. ولقد سبق لرئيس مجلس الجهة خلال افتتاح دورة شتنبر 2004 أن أكد على حصول تقدم في أشغال تجهيز منتزه بيرديكاريس بعد أن تم تسييجه، كما أعلن عن قرب انطلاق عملية تجهيز مختلف فضاءاته حسب البرنامج المحدد..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
5-3-2009

Related posts

Leave a Comment