تنامي ظاهرة الإحساس بالخوف من الإدارة لدى المواطنين في ظل جائحة كورونا

لم يعد وباء كورونا يشكل وحده مصدر قلق وخوف المواطنين، بل انضاف إليه الخوف الذي تشكله الإدارة التي تحولت إلى كابوس مخيف، حيث أصبح المواطن يكره أن يقصد إدارة من الإدارات العامة وشبه العامة والخاصة، وليس ذلك بسبب الإجراءات الوقائية التي يسلم بها الجميع باعتبارها الوسيلة الضرورية لحماية الشخص لنفسه وللآخرين من خطر الإصابة بالمرض.. لكن المشكل يكمن في أسلوب الإدارات في التعامل مع الوافدين عليها من المرتفقين، حيث يتعرضون إلى أقصى درجات الإساءة التي تصل إلى حد تمريغ كرامتهم في التراب ..ففي الوقت الذي قلصت كل الإدارات من عدد موظفيها تحت ذريعة التباعد وتوفير الوقاية لمستخدميها من انتقال المرض، فإنها عملت من جانب آخر على إغلاق أبوابها في وجه المرتفقين ووضع السدود التي تدفع بهم إلى الشارع للوقوف في طوابير الانتظار لعدة ساعات في العراء تحت أشعة الشمس، ولا يسمح لهم بالدخول إلا فرادى بعد المناداة عليهم بالأرقام المكتوبة باليد، والتي يحصلون عليها من طرف حراس الأمن الخاص. وهي العملية التي تتطلب الانتظار طويلا، وذلك تبعا لوضعية كل إدارة على حدة ونوعية الخدمة المقدمة.. وغالبا ما يتطلب الانتظار في بعض الإدارات كبريد المغرب والضمان الاجتماعي والأمن الوطني، والقيادات والملحقات الإدارية عدة ساعات، وقد يستغرق اليوم كله، كما هو عليه الشأن بالنسبة للراغبين في تجديد البطاقة الوطنية، إذ تظل المواعيد المحددة لهم مجرد حبر على ورق ..
لقد كان المواطنون يعانون قبل الجائحة، لكن معاناتهم أصبحت أكثر منذ الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية، حيث ازداد الضغط عليهم بعد أن انحصر دور الإدارة في وضع السدود والعراقيل التي تساهم في التأثير على الخدمات. وظلت معظم الإدارات جامدة على تصورها الذي وضعته لأول مرة بعد ظهور الجائحة، ولم تعمل على تقييم التجربة ورصد الثغرات والسلبيات المرافقة لها. فهي لا تضع في الحسبان أي اعتبار لراحة المرتفق وسلامته ولا لظروف استقباله، وكذلك المدة التي سيقضيها في ضيافتها خلف الأبواب.. ويمكن تعداد تلك السلبيات التي تبين أن إدارتنا تكون أحيانا متخلفة وقاسية في تعاملها مع زبنائها، بل مجردة من الحس الإنساني والوطني، ويبرز ذلك فيما يلي
* إلزام المواطن بالحضور مبكرا قبل الشروع في العمل لتجريب حظه، وبعد حصوله على رقمه الترتيبي في الصف يظل ينتظر عدة ساعات بسبب بطء عملية إنجاز الخدمات.
* عدم مراعاة أحوال المرتفقين ووضعياتهم الخاصة، خاصة حينما يتعلق الأمر بالشيوخ المسنين وبالنساء وذوي الاحتياجات الخاصة..
* حرمانهم من ولوج المراحيض إما بسبب عدم توفرها أصلا، أو خوفا من نقل العدوى ..
* إرغامهم على التوقف الطويل في العراء وجها لوجه مع تأثيرات أحوال الطقس من حرارة وبرودة وأشعة الشمس وكذلك الأمطار والرياح ..
لقد كان الوضع أهون خلال المواسم السابقة، لكن ما العمل حاليا في ظل إكراهات موسم الشتاء؟ .. وكيف يجب التعامل مع هذه الظروف وما تتسم به من برد وشتاء ورياح ومتغيرات أحوال الطقس؟ .. وهل من المعقول ألا يتم التفكير في إيجاد حل لهذا المشكل من خلال ضبط مواعيد الزيارات، والزيادة في عدد المستخدمين والأطر من أجل مواجهة حدة الإقبال والازدحام، ثم الحرص على ضبط العمل الإداري بشكل دقيق من خلال توظيف الصيغ الجديدة في العمل الإداري، من بينها( اعتماد آلية الإدارة عن بعد، توفير فضاء رحب للاستقبال، إيجاد الأجهزة الخاصة بتنظيم صف الانتظار..)، وما هو دور الوزارات المعنية والمصالح الخارجية التابعة لها؟ وأين هي الولاية الغارقة في سباتها، والتي يفترض فيها أن تتدخل من أجل التخفيف من معاناة المواطنين ورفع الحيف عنهم في مثل هذه الحالات..؟
وكمثال على ما يعانيه المواطنون بسبب عقم الإدارة وجمودها، ننقل هذه الصورة التي تعكس وضعية إدارة صندوق الضمان الاجتماعي بطنجة التي يفترض فيها أن تستقبل المئات من المنخرطين يوميا، والذين يتم الزج بهم وسط أتون الازدحام والانتظار الطويل من أجل أن تقدم لهم خدمات هزيلة غير مكتملة ولا مضمونة النتائج، بسبب عدم جدية هذه المؤسسة التي تتعامل مع منخرطيها بنوع من التعالي والتجاهل، مما يجعل العديد منهم يشكون من التسويف والمماطلة وضياع الملفات التي يتقدمون بها.. ومما زاد الطين بلة في هذا المشهد المؤلم، هو تزامن الوقفة اليومية لهؤلاء الضحايا مع نزول أمطار الرحمة فوق رؤوسهم، وما من شك أنهم ظلوا يدعون الله أن يخفف عنهم جحيم هذه الإدارة التي تفتقد إلى الحس بالمسؤولية ..
إن أكثر ما يكرهه المواطن حاليا، هو زيارته للإدارة كيفما كان لونها، لأنه مدرك أنه سيصطدم بعراقيل لا حصر لها، كما أنه سيتعرض أحيانا للإذلال والإهانة بسبب طول الانتظار وسوء المعاملة. ذلك أن فلسفة المسؤولين قد انقلبت رأسا على عقب، بعد أن تبخرت كل تلك الشعارات التي كانت تزفها السياسة الحكومية، والتي يبدو أنها قد تخلت عنها مثل شعار إدارة القرب، والشفافية، والنجاعة وأولوية حقوق المواطن، والرقمنة، والأجرأة،… لأنها اختارت العودة إلى تلك الطقوس البالية والطرق البدائية في التعامل مع المواطنين.. فبعد هذه الصيحة، نتمنى أن تخرج الجهات المسؤولة محليا ومركزيا عن صمتها تجاه هذه البهدلة التي تزري بحياة المواطنين..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
09-11-2020

اضغط هنا لمشاهدة الفيديو

Related posts

Leave a Comment