حتى لا تتكرر فاجعة مرفأ بيروت بطنجة

حادثة سير تدق ناقوس الخطر بالميناء المتوسطي:

شهدت منطقة الميناء المتوسطي يوم الأربعاء 7 أكتوبر 2020 وقوع حادثة انقلاب شاحنة أعقبه اشتعال للنيران في هيكل الشاحنة واحتراق السائق الذي فارق الحياة، وإصابة أشخاص بجروح خطيرة كانوا على متن سيارات أخرى، وذلك على مستوى الطريق الوطنية 16 الرابطة بين الفنيدق والقصر الصغير، وبالضبط في المقطع الشديد الانحدار المتصل بالميناء من جهة الشرق، وذلك نتيجة فقد السائق القدرة على التحكم في الشاحنة بسبب عطب تقني في الفرامل، مما أدى لخروجها عن مسارها إلى حافة الطريق وانقلابها*1.
إلى حد الساعة قد يبدو الأمر عاديا، لكن الواقع يقول عكس ذلك، لأن هذا الطريق قد تحول إلى مقبرة للشاحنات التي تتعرض باستمرار لحوادث مماثلة بسبب ثقل الحمولة وكثرة المنحدرات والمنعرجات، ثم الوضعية الميكانيكية للشاحنات. وقد نبهنا إلى هذا المشكل أكثر من مرة، وطالبنا بمنع مرور شاحنات الوزن الثقيل عبر هذا الطريق الذي يتعرض للإنهاك والتدمير، وخصوصا الشاحنات التي لها علاقة بمقالع المنطقة، والتي تأتي محملة بكميات ضخمة من الحجارة والأتربة ومواد البناء ..
أما المشكل الآخر الذي لا يمكن السكوت عليه ولا يجب أن يظل مغيبا عن الأنظار، هو أن هذا الحادث المصحوب بالاحتراق قد وقع بباب الميناء وعلى مقربة من أكبر مستودع لتخزين الغاز .. فلو انزاحت الشاحنة قليلا إلى الجهة الموالية التي توجد بها الخزانات، وإلى الموضع الذي تتجمع فيه شاحنات نقل الغاز لوقعت الكارثة التي لا يمكن تصور مداها، ولربما ستتجاوز في حجمها حدود ما سجلته بيروت في شهر غشت الماضي بسبب أطنان المحروقات المخزنة بالميناء.. والأخطر من ذلك هو أن جزءا من الميناء يستوعب وحدات ضخمة من الخزانات الخاصة بحفظ المحروقات بجوار ميناء المسافرين الذي يرتاده الآلاف من المرتفقين الذين يتضاعف عددهم خلال موسم العبور..

النقاش المفتوح بعد حادث انفجار بيروت:

إن حجم كارثة بيروت قد فتح نقاشا كبيرا في الصحافة العالمية هم شروط الأمان في الملاحة البحرية ونقل السلع بالموانئ، أما في المغرب فحتى بعد مرور أكثر من شهر على الفاجعة ظل الصمت المطبق هو سيد الموقف، فلا أحد تساءل هل نحن في مأمن من كارثة مماثلة ؟؟ وهل لدينا أصلا من يفكر ويهتم بأمننا وسلامتنا ؟؟
فمن خلال صور الأقمار الاصطناعية وحكايات الناجين في بيروت، اتضح أنه يستحيل البقاء على قيد الحياة داخل نطاق شعاعه مئات الأمتار من مركز انفجار توقفت بسببه حتى عقارب الساعات عن الدوران. فداخل دائرة كبيرة لا أحد نجا من الثالوث القاتل، الارتفاع الهائل للحرارة ونفاد الأكسجين وقوة موجة الصدمة .
حدث هذا بفعل مادة غير قابلة للاشتعال وآمنة نسبيا عند التخزين اسمها(نترات اللأمونيوم) التي زرعت الرعب في (باريس الشرق ) بيروت وحولتها إلى قطعة من جهنم، فماذا لو تعلق الأمر بمادة خطيرة قابلة لاحتراق !!!!

غياب الضمانات بخصوص تخزين المواد الحارقة بالميناء:

لقد جرت العادة في جميع البلدان عدم السماح بتخزين المواد الخطرة بالمرافئ المدنية بتاتا، ويرخص لها بالمرور عبرها فقط نظرا لاستحالة توفير كل شروط الأمان الضرورية، ومنها صعوبة التقيد بالمسافات الآمنة، إذ يستحيل إبعاد المخاطر الناجمة عن هذه العملية رغم اتباع أقصى درجات الاحتياط. ورغم استبعاد الأعمال التخريبية والإجرامية، تبقى الطبيعة بصواعقها الرعدية وأشعة شمسها وهزاتها الأرضية أكبر مهدد ومشعل للحرائق في منشآت التخزين في جميع بقاع العالم، كما أن الخطأ البشري وارد دائما ويستحيل التكهن بمآل أي حريق، هل سيبقى محدود الأثر أم سيتسبب في انفجارات متسلسلة ومتتالية كما حدث في بيروت .فكيف غابت هذه المعلومات عن خبرائنا ومهندسينا، ومن يتحمل المسؤولية في تخطيط وتصميم وانجاز مخازن المحروقات في قلب (طنجة المتوسط ) أهم مجمع مينائي في أفريقيا والمغرب؟؟

أبراج تخزين المواد النفطية لا تخطئها العين، تقف غير بعيد عن البواخر في أكبر ميناء مسافرين في المملكة.
وفي شرق المجمع المينائي توجد خمسة صهاريج عملاقة لتخزين الغاز، كل واحد منها بحجم غواصة، لا تفصلها عن مجمع للإدارات غير الطريق الوطنية رقم 16، وما زالت الأشغال جارية لإضافة مخازن أخرى جديدة بسعةm3 20 000 عشرون ألف متر مكعب إضافية من غازي البوتان والبروبان؟

فأين كان المسؤولون منذ البداية ؟ أين كانوا عندما أطلت صهاريج تخزين المواد النفطيةالعملاقة برأسها قبالة محطة المسافرين السابقة ؟ لماذا لم يتوقف المشروع حينها ؟ لماذا تم إيقاف المحطة وتحويلها إلى مفوضية للأمن والجمارك بعد تدشينها بوقت قصير.
من يتحمل مسؤولية اصطفاف السيارات المغادرة للميناء في عميلتي ختم الجوازات والتفتيش بجهاز السكانير ومرورها قرب الخزانات، من يتحمل مسؤولية مبيت مئات العائلات بنسائها وأطفالها في المنطقة المحيطة بالخزانات وسط فوضى عملية مرحبا 2018 التي لم يعترف أي أحد بسوء تنظيمها لحد الآن.
فمن رخص بإقحام هذه القنابل الموقوتة داخل الميناء في غياب الضمانات المتعلقة بالسلامة من الأخطار؟
من منح هذا المشروع شيكا على بياض؟
وحسب القانون المغربي، فحتى المشاريع الصغيرة مطالبة بإحضار موافقة جهاز الوقاية المدنية قبل الحصول على التراخيص، ولا تسلم لها إلا بعد البحث والتدقيق حتى في صغائر الأمور ودراسة جميع المخاطر والسيناريوهات المحتملة عند نشوب أي حريق . فما هي المساطر التي تم اتباعها قبل إنجاز المشروع العملاق لتخزين المحروقات ؟
هل حصل على موافقة جهاز الوقاية المدنية المسؤول الوطني الأول والمؤتمن على سلامة المغاربة ؟ وهل هذا الجهاز بحكم مسؤوليته راض عن هذه الوضعية ؟ وهل تخضع هذه المنشآت لإشراف ومراقبة مصالح الوقاية المدنية أم أن ميناء طنجة المتوسط منطقة مستقلة؟ وعلى أي أساس تم اعتماد وحدة خاصة بإطفائيي الميناء كجهاز مستقل تابع للسلطة المينائية يشبه جهاز الوقاية المدنية حتى في اللباس والعتاد؟؟ وما هو مستوى تكوين هذه الفرقة، وبأية طريقة تم توظيف أعضائها ؟ ومن سيتحمل المسؤولية إذا ما خرجت الأمور لا قدر الله عن السيطرة، هل جهاز الوقاية المدنية الحقيقي أم جهاز الوقاية المستنسخ؟ ومن الجهة التي قامت بإنجاز دراسة حول الأضرار والمخاطر المحتملة على الميناء وعلى المناطق المجاورة فيما يخص الجانب المتعلق بالوقاية المدنية ؟؟

خطر تخزين الغاز والمحروقات على مقربة من السكان والمسافرين:

طنجة المتوسط جوهرة العهد الجديد ومرفأ المغاربة جميعا، ونتاج عمل دؤوب بالليل والنهار لقرابة عقدين من الزمن. فمن غير المقبول المقامرة بأمنه وسلامته بمشاريع خواص قد تصبح قنابل موقوتة في أية لحظة. فكيف تم نزع ملكية الهكتارات من أراضي مواطنين مغاربة سلمت على طبق من ذهب لشركات المحروقات التي تهدف للربح مهما كانت العواقب ؟
إقليم الفحص أنجرة ينتمي لبلد ديمقراطي اسمه المغرب كان من المفروض أن يكون مواطنوه سواسية أمام القوانين، ويتمتعون بنفس الحظوظ وبنفس القدر من تكافؤ الفرص، وأن تكون أرواحهم غالية لا فرق بين المواطن العادي والشرطي والجمركي. ترى متى ستصدر القرارات التي ستبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود بين ميناء المسافرين ومخازن المحروقات حفاظا على أرواح المواطنين؟.
إن السبب الرئيسي الذي تولد عنه هذا المشهد المخيف، هو جشع المستثمرين وتعطشهم إلى مراكمة الأرباح بغض النظر عن المحاذير المرتبطة بغياب شروط السلامة من الأخطار. فهل كان من الضروري تجميع كل الاختصاصات في ( سلة واحدة)، علما أنه كان في الإمكان الاقتصار على ميناء البضائع والمسافرين فقط مع الاستغناء عن المحروقات. أو القيام بعكس ذلك، أي الجمع بين المحروقات والبضائع والاستغناء عن ميناء المسافرين، أما الإصرار على الجمع بين كل هذه المكونات فذلك هو قمة السوريالية .. وقد اتضح أن الدراسة لم تكن متكاملة، لأنها لم تراع مدى تأثير الموانئ على بعضها من جهة، وكذلك البعد المستقبلي لهذا الميناء الذي يجب أن يواكب التطورات التي ستمتد لمئات السنين. ويتجلى الخلل في وضع ميناء المحروقات بجوار ميناء المسافرين، وكذلك عدم تحديد الهدف الأساسي من وجود ميناء المحروقات، هل هو من أجل الاستيراد وتزويد البلد بالحاجيات الضرورية، أم من أجل تزويد البواخر التي تدخل الميناء بالوقود من أجل الاستعمال.

ضرورة إيجاد حل لهذه المعضلة:

إن الحل الذي لا بديل عنه هو عودة مرفأ المسافرين إلى مكانه السابق بمدينة طنجة بعيدا عن الخطر، أو إبعاد مخازن المحروقات من نفط وغاز إلى ميناء صناعي برصيف خاص للمحروقات بعيدا عن المدنيين.
إن الوضعية الحالية ملتبسة وشاذة ومتداخلة في غياب الشجاعة الكافية للاعتراف بالخطأ، حيث يمكن أن تحدث الكارثة في أية لحظة. إن انفجار بيروت لم يكن سببه الحقيقي نترات الأمونيوم، بل هو سنوات من التماطل والتسويف والفساد وسوء التدبير وتغطية الشمس بالغربال.

إسترجاع شريط حادثة “تشرنوبيل” بيروت:

ومن أجل التذكير بفاجعة “تشيرنوبيل” ميناء بيروت، نعيد استرجاع الشريط كما تناقلته وسائل الإعلام وعبرها مختلف الدوائر المسؤولة في كل البلدان. وذلك بهدف دق ناقوس الخطر حول واقع مشابه في مكان أقرب إلينا من حبل الوريد اسمه الميناء المتوسطي.
“كانت البداية في بيروت باشتعال النار في موضع داخل الميناء، ثم حلت الكارثة في المرفأ كله دون استئذان وتسارعت الأحداث، وفي ثوان تحول العمران إلى خراب وحل الدمار والموت دون أن يفرق بين غفير و وزير ولا بين غني وفقير في عنبر واحد من مخازن المرفأ، فتوجهت فرقة من الإطفائيين لإخمادها وفتحت كاميرات الهواتف لتصوير عمود الدخان المتصاعد على غير العادة وسط مركز بيروت الهادئ، وفجأة تتصاعد غيمة على شكل فطر (عش الغراب )الشهيرة وتنتشر موجة انفجار مرعب مع هزة أرضية بدرجة 3.3 على مقياس ريختر. منذ الوهلة الأولى اعتقد مشاهدو الغيمة أنه انفجار نووي، ومن لم يعلم بوجود للحريق اعتقد أن عشرات السيارات المفخخة انفجرت في زاوية ما من الشارع. وفي مشهد شبيه بأفلام نهاية العالم، ابتلعت الموجة في رمشة عين فرقة الإطفاء التي اختفت بكامل أفرادها كما ابتلعت الجزء الأكبر من المصورين الذين اجتذبهم الفضول لتصوير آخر مشهد في حياتهم، نفس المصير لقيه كل من كان يتحرك في جنبات المرفأ. لقد دمرت موجة الضغط المصحوبة بالنيران منطقة الرصيف بالكامل ومسحت المنطقة المحيطة بها وحولتها إلى ركام، وتكونت حفرة قطرها 140 مترا بمركز التفجير. ولشدة العصف قذفت إحدى السفن خارج مياه البحر لتسقط على الرصيف. مسحت المباني المحيطة بمركز الانفجار، اقتلعت أبواب ونوافذ المطار الواقع على بعد 9 كيلومترات، وزعزعت أساسات مبان على بعد 7 كيلومترات ، كسرت الواجهات الزجاجية الواقعة على بعد 15كيلومترا، وسُمع دوي الانفجار من جزيرة قبرص الواقعة على بعد 200 كيلومتر. سجلت وفاة قرابة مائتي شخص وعشرات المفقودين وجرح أكثر من 000 6 مصاب بجروح متفاوتة الخطورة وبقي 000 30 مواطن بدون مأوى، مع توقعات بخسائر مادية تفوق 15 مليار دولار.

بعد هذه الكارثة أصبحت لبنان مهددة بالفوضى والانهيار الاقتصادي بعد أن أدت إلى التوقف الكلي لأنشطة الميناء، بما فيها الاستيراد والتصدير، واستقالت بسببها الحكومة اللبنانية، وعادت احتجاجات الشارع، وظل البحث جاريا على من ستلقى عليه اللائمة، هل على العامل الذي يعتقد أنه قام بتلحيم باب المخزن رقم 12 مكان تخزين شحنة الموت، أم على ملاك السفينة التي نقلتها أم على مسؤولي الميناء ورجال القضاء الذين لم يحسموا في مآلها طوال سنوات. الكل يطالب بتحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين، رغم اعتقاد الأغلبية أن التحقيق هو مضيعة للوقت ومحاولة من نخبة سياسية متهمة بالفساد والإهمال وسوء الإدارة لتفادي تحميلها أي مسؤولية عن الكارثة. ويبقى الشعب اللبناني هو الخاسر الأكبر، فحتى مع وجود المساعدات فإن شبح الفقر والمجاعة أصبح واقعا يحكم طبقة عريضة كانت بالأمس آمنة مطمئنة.

المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
08-10-2020

*1 الشمال بريس

Related posts