حرب مفتوحة على الذاكرة الجماعية بمدينة طنجة

لم يعد أحد يصدق كلام المسؤولين بطنجة حينما يتحدثون عن الذاكرة التاريخية للمدينة وعن برامجهم العقيمة في أفق حفظها وصيانتها من الضياع، لأن كل الأقوال والأفعال تجانب الحقيقة وتظهر عكس ذلك، إذ يكفي إلقاء نظرة على وضعية المواقع والمباني التاريخية للتأكد من أن هؤلاء يعانون من انفصام في الشخصية.. وإلا بماذا يمكن تفسير القرارات الطائشة المتعلقة بتغيير أسماء الأزقة والشوارع أو إعادة تسميتها بكيفية عبثية .. إن هذا الموضوع مطروح منذ عدة عقود، بل مند السنوات الأولى لعهد الاستقلال؛ حينما أقدم المسؤولون تحت تأثير الانفعال والشعور بالحس ” الوطني” على استبدال أسماء الأزقة والشوارع التي كانت تحمل أسماء أجنبية بأخرى وطنية .. والمشكل هو أن هذه العملية كانت شاملة ولم تستثن شيئا.. لكنها هل غيرت شيئا من الواقع بالنسبة للذاكرة الجماعية لساكنة طنجة؟ .. إن الذي حصل هو أن السكان الذين عاشوا تلك المرحلة، ما زالوا يحتفظون بالأسماء الأصلية التي أطلقت على مسمياتها في أول مرة، فلم ينمح اسم خوصافات، وسنارو، إيطاليا، فيلاسكيس، باستور، بوخشخاش، السواني .. مما خلق نوعا من الخلط لدى الساكنة التي بدأت تحار في تحديد وجهتها حينما يتعلق الأمر باستعمال سيارة الأجرة مثلا ، أو لما يراد التعرف على عنوان من العناوين..
والمثير للانتباه، هو أن الأجانب الذين أطلقوا هذه الأسماء على الشوارع والأماكن المخصصة قد اقتصر تدخلهم على المدينة الحديثة التي بنيت في عهدهم، واحتفظوا للمدينة القديمة بأسمائها المعهودة، حيث ظلت في أغلبها تحمل أسماء محلية، دون أن يشكل ذلك أية عقدة بالنسبة لهم، لأنهم كانوا يدركون أهمية الاحتفاظ بأصول الأشياء التي يعدونها مقدسة.. لقد حافظوا على المباني التاريخية، بل كانوا أول من أسس لعلم الحفريات والمتاحف والسياحة الثقافية.. ففي هذا العهد تم اكتشاف معظم المواقع التاريخية التي تم تأطيرها بالخرائط والبحوث الأثرية التي أضاءت تاريخ طنجة .. وهذا مبدأ ثابت معتمد في مختلف الدول والمجتمعات التي تقدس التراث الحضاري.. ويمكن الاستدلال بحالة واحدة فريدة تتمثل في النموذج الأسباني الأندلسي ..
الكل يدرك ذلك الشعور العميق الذي ظل يحكم ذهنية الإسبان بعد طرد المسلمين من الأندلس. فرغم الجرائم الإنسانية التي اقترفوها في حقهم بفعل نشوة الانتصار وبدافع الانتقام .. فقد حكموا عقولهم حينما تعلق الأمر بالتراث الحضاري الذي يؤرخ للمرحلة الإسلامية المشتركة.. إذ اهتدى عقلاؤهم إلى ضرورة الاحتفاظ بهذا التراث وعدم إتلافه والتخلص منه، فكان لذلك الموقف الفضل في الإبقاء على معالم الحضارة الإسلامية حية بالأندلس، فلم يتم محوها بالكامل. ونظرا لعمق الذاكرة التاريخية؛ فقد ظلت منقوشة في ذاكرة كل الأجيال، حيث سيتم الاحتفاظ بأسماء المدن والقرى والطرق والوديان والجبال والمباني بأسمائها العربية، بل حتى بعض الأدوات والوسائل المستعملة في الحياة العادية، ودخلت تلك الأسماء القاموس اللغوي الإسباني ولم تغادره على مدى عدة قرون، بل شكلت بالنسبة لهم مصدر قوة وفخر بعد أن تحولت إسبانيا إلى قطب للسياحة العالمية.. وبفضل ذلك أصبح المغاربة من ذوي الأصول الأندلسية يزورون إسبانيا للوقوف على أسماء أنسابهم وآثار أسلافهم التي تحتفظ بها كثير من الفضاءات والأمكنة لتذكر تاريخ أجدادهم.
وبالعودة إلى أسماء الشوارع الموروثة عن تلك الفترة الاستعمارية بطنجة، سيتضح أن الكثير منها كان يخلد أسماء بعض الشخصيات التي كان لها دور علمي، أو أنها كانت مميزة بثقافتها وخدمتها لقضايا الشأن العام، ومع ذلك تم محو أثرها بقسوة واستبدالها بأسماء مغربية بدلا من الاهتمام بالفضاءات والشوارع والطرقات التي ظلت مهملة معزولة من غير أسماء ولا أرقام منذ ذلك التاريخ إلى الآن، حتى فاقت نسبتها 50 في المائة من المساحة المبنية بسبب التوسع العمراني.. وقد كان لذلك أثر سيئ على حياة الساكنة التي ظلت مقطوعة الصلة بالمراسلات البريدية وبالمصالح الإدارية، وخصوصا في الجانب المتعلق بالجبايات والضرائب، الأمر الذي فوت على خزينة الدولة أمولا طائلة بسبب صعوبة الاستخلاص وعدم ضبط قاعدة الملزمين بالضريبة.. كما ظلت تعاني من التشتت والضياع الذهني والنفسي نتيجة عدم وجود ما يحدد مجال تحركها واستقرارها ..
مرحلة العقم الإداري:
وبالعودة إلى تاريخ المجالس بطنجة، سنجد أنها في مختلف المراحل ظلت تخبط خبط عشواء، فإما الإهمال التام لعدد من الأحياء التي ظلت لعدة عقود بدون ترقيم للمنازل ولا تسمية للشوارع والطرقات بنسبة أزيد من 50 % ، وإما القيام بإنجاز تدخل عشوائي ينصب على تغيير أسماء الأزقة والشوارع، بما فيها تلك التي أصبحت تحمل أسماء عربية أو مغربية.. وهو ما يعني أن تدخلها يتجه دائما إلى إفساد ما هو كائن من خلال تغيير أسماء بأسماء أخرى أكثر غموضا، أو اعتماد تسميات بعيدة عن الواقع؛ كما لا تتقبلها ذهنية السكان، فظلت شبه منعدمة وغير معتبرة في تقدير الساكنة التي ظلت مصرة على الأسماء الأصلية.. وسيزداد المشكل حدة حينما ستتوسع دائرة المناطق المغطاة بأسماء جديدة تثير كثيرا من السخرية لدى الرأي العام.. والمشكل الأكبر هو ضياع الجهود وتبذير الأموال في الإنفاق على مشاريع ناقصة الجدوى، ثم خلخلة الذاكرة وخلق اضطراب كبير على مستوى ثقافة المدينة وقيمها العمرانية والحضارية. فبدلا من التأكيد على الرموز التي تصون الهوية وتحافظ على انسجام الساكنة مع المحيط، يتم اللجوء إلى نماذج من الأسماء الغريبة لأهداف إيديولوجية محضة تؤدي في النهاية مسخ الواقع عن طريق نسخ بيئات خارجية منقولة من بعض البلدان العربية والأجنبية دون وعي ولا إدراك ..
الواقع لا يقبل الفراغ:
إن عملية تسمية الشوارع وترقيم الدور والمباني ليست مسألة معزولة عن التنظيم العمراني للمدينة، إذ يجب أن تسير جنبا إلى جنب مع التطور العمراني، ولا يجب أن تتأخر في التنزيل، لأن المواطن سيلجأ إلى ملء الفراغ بأسماء يطلقها على الأمكنة وعلى المباني وكذلك الأحياء السكنية. فغالبا ما تأخذ الأحياء والطرقات التي تنمو عشوائيا أسماء الأعيان وألقاب الأشخاص أو أسماء المواقع الجغرافية، ولهذا حملت أحياء طنجة الجديدة أسماء تدل على مستوى التطور “الحضاري”، وكذلك الغياب المطلق للإدارة والمؤسسة.. وهذه على سبيل المثال أسماء بعض الأحياء والمناطق السكنية، مثل كرزيانة، البرواقة، بولولو، الحمير، السقاية، دشار مترو، العاودة، الدراوة، الشوك، ظهر القنفوذ، بير الغازي، الكنبرية، الخربة، بومدارج، جبالة، المرجة .. .. فهذه الأسماء قد أصبحت راسخة في الأذهان ولا يمكن أن تنمحي من الذاكرة الجماعية؛ حتى ولو وضعت محلها أسماء جديدة “أنيقة” من أجل إضفاء الصبغة الحضارية على هذه المناطق.. فالذاكرة لا تقبل التزييف، بل هي تميل إلى تقديس الحقيقة من خلال الحفاظ على الطابع الأصلي للأشياء ولو في صورتها البدائية. والدليل هو ذلك الميل إلى ربط الأشياء بالأشخاص، مثل تجزئة فلان، أو مسجد علان، ودار.. وزنقة فلان أو فلانة،.. كثير من الأشياء في الواقع تنسب إلى أصحابها؛ مثل بعض المحلات التجارية والمقاهي والورشات الصناعية والمساجد .. مما يؤكد أن الذاكرة الشعبية لها منطق خاص، فهي تحرص على الانسجام والتطبيع مع الواقع، ولا تقبل تزييف الواقع كما لا تسمح بإطلاق أسماء لا تنسجم مع طبيعة الأشياء.. فكيف يقبل مثلا تسمية حي تغطيه المزابل بحي البنفسج ؟ أو زنقة تعاني من التلوث بالزهور ..؟ وكل هذا وذاك له علاقة بثقافة العشوائية التي تهيمن على كل شيء، وتوجه سلوك الأفراد والجماعات؛ مواطنين ومسؤولين في الاتجاه الذي يخدم مصالح الجهات التي تستفيد من هذه الوضعية بلا حدود ..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
14-11-2021

Related posts

Leave a Comment