حملات إستثناية في آخر ساعة ضد وباء “كورونا” ، طنجة نموذجا

• مما يؤسف أن الحملات الاستثنائية التي أعطيت انطلاقتها في بعض الأقاليم بما فيها طنجة ابتداء من مساء يوم الإثنين 11 مايو 2020 من أجل التأكد من مدى التزام السكان بإجراءات حالة الطوارئ قد جاءت متأخرة، لأن هذه التدابير لم تتخذ بالقدر الكافي وبالشكل المطلوب من أول يوم بعد الإعلان عن انطلاق الحجر الصحي، حيث غاب الحزم والجدية في التعاطي مع التدابير المقررة سواء من طرف المسؤولين أو من المواطنين أنفسهم ، إذ ظلت هنالك انفلاتات وثغرات عميقة لم يلتفت إليها في حينها، أو أنه تم غض الطرف عنها، وفي مقدمتها ظاهرة التساهل مع تحركات المواطنين دون استعمال الصرامة في التأكد من مدى حملهم لرخص التنقل المضبوطة والمسلمة لهم وفق شروط محددة يلزم احترامها، مما ساهم في استمرار النقط السوداء المشخصة في التجمعات العامة كالأسواق وبعض الشوارع التي تتحول إلى أسواق عشوائية مفتوحة على الدوام. وقد ترسخ هذا السلوك وسط الأحياء الشعبية التي يمتنع بعض قاطنيها وكذلك الباعة المتجولون عن إخلاء الشوارع في مختلف الأوقات رغم قرار منع الخروج بعد السادسة مساء، مما شجع على استمرار الحياة بشكل عاد في عدد من المناطق داخل المدن رغم التحذيرات والمناشدات المرفوعة من طرف ممثلي السلطة و الإعلام وكل الفاعلين في المجتمع. وقد وصل الأمر إلى حد الاطمئنان والتطبيع مع الوباء من طرف فئات عريضة من المواطنين الذين أصبحوا لا يعبئون بالتوجهات الرسمية ولا بالإنذارات لتلافي التعرض للإصابة ونقل المرض، وقد تعمق المشكل أكثر بسبب تجاهل الأغلبية قرار ارتداء الكمامة إلى أن وقعت المفاجأة، وهي دخول طنجة ضمن لائحة المناطق التي أصبحت تشهد تزايدا في عدد الإصابات بشكل مطرد ..وذلك بسبب استمرار العمل في عدد من الوحدات الصناعية التي لم تغلق أبوابها خلال المرحلة الأولى من الحجر، و لم تتخذ الاحتياطات الاحترازية اللازمة، كما لم تراع حق العمال في الحماية من الأخطار رغم تقدمهم بالشكوى وتحذيرهم من الأخطار المحدقة بهم. وهناك عامل آخر ، وهو استمرار نشاط أسواق القرب وسوق الجملة وأسواق الأحياء التي تغلب عليها العشوائية دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة فيما يخص فرض الرقابة على الأشخاص، وتقنين عملية الدخول والخروج، والتقليص من عدد الوافدين وعدد التجار عن طريق فرض العمل بالتناوب. كما أن سوق الجملة الذي ظهر فيه أثر العدوى مؤخرا، كان في الإمكان تفادي المشكل في مثل هذه الظروف عن طريق تقليص عدد الشاحنات التي تدخل يوميا من خلال توجيهها مباشرة إلى نقط البيع في الأحياء وتوزيع السلع على الباعة لتجنب الاكتظاظ والتجمعات الكبيرة ..ونفس الأمر ينطبق على عملية التنقل بين المناطق داخل المدينة وخارجها، حيث لم تكن تخضع للمراقبة الصارمة على يد دوريات الأمن التي ظل عملها تقليديا ومتواضعا في غياب أداة قياس الحرارة الخاصةب”الجس الحراري” لدى كل رجل أمن مكلف بهذه المهمة من أجل تتبع الحالة الوبائية. وقد اقتصر عمل الجهاز الأمني طيلة هذه المرحلة على التتبع الجزئي للحاملين لرخصة التنقل، وتوجيه مستعمليها نحو وجهات معينة، وهو النقص الذي تجري الآن محاولة تجاوزه من خلال تزويد العناصر الأمنية بتطبيق معلوماتبي يسمح لها بالتأكد من طبيعة الرخصة وهوية صاحبها. وقد ساهم ذلك العامل في تنقل الأشخاص بكيفية عشوائية بين المناطق داخل المدينة وخارجها دون التأكد من مدى سلامتهم من الإصابة وخلوهم من المرض، وهو نفس الأمر بالنسبة لسائقي شاحنات نقل البضائع التي تتنقل بين المدن، حيث ظلوا غير خاضعين للمراقبة الدقيقة وللقياس الحراري من طرف دوريات الأمن والدرك على مستوى كل نقط المراقبة. وها هي السلطات على صعيد طنجة وكذلك بعض الجهات التي فوجئت مؤخرا بظهور بؤر جديدة للإصابة، تجد نفسها في نهاية الفترة التمديدية للحجر مطوقة بعدد من الالتزامات بسبب استمرار التحديات، وذلك رغم الجهود الكبيرة التي بذلت على كل الأصعدة من أجل مجابهة الخطر والحد من انتشار الوباء .. ولعل القرار الحكومي القاضي بتمديد فترة الحجر لمدة ثلاثة أسابيع إضافية انطلاقا من 20 مايو الجاري، هو دليل على أن الوضع رغم النقط الإيجابية المسجلة، ما زال يحتاج للتريث وأخذ الحذر في التعامل مع الوباء لتلافي العودة إلى الوراء ..
وفي ظل هذه المتغيرات، يطرح التساؤل عن مدى فعالية الإجراء المتعلق بوضع الحواجز الإسمنتية في مفترقات الطرق وإغلاق بعض الشوارع الرئيسية والتثكيف من نقط المراقبة والسدود القضائية في عدة أماكن، وتقييد حركة التنقل بالسيارات في عدد من الأحياء بطنجة بشكل يساهم في خلق أجواء من التوتر في ظل استمرار تدفق السكان في الأسواق والطرقات وتحركهم بحرية داخل الأحياء الشعبية دون أن تتمكن السلطات من إقناعهم بالدخول إلى دورهم ليلا ولا نهار ا تجنبا للخطر، وهو ما يعني أن هذا الإجراء ليس له أي مفعول إلا عرقلة حركة السير في الوقت الحالي وخلق نقط الازدحام والرفع من درجة الاحتقان بسبب المشاكل التي يتعرض لها المواطنون. وذلك بسبب صدوره المتأخر من جهة ، ثم الارتباك الواضح في كيفية تنزيل القرار من جهة أخرى ، علما أنه كان يجب أن يكون مواكبا لكل مراحل الحجر منذ البداية، مع تركيز التواجد الأمني في أماكن تجمع المواطنين الذين يرفضون التباعد الاجتماعي ويعرضون أنفسهم للخطر ، وذلك في إطار من التعاون مع رجال السلطة، حيث يبدو أن غياب التنسيق بين الطرفين (مصالح الأمن، والسلطات الإدارية ) يعد من أسباب فشل خطة الحجر الكامل الذي ظل يعاني من النقائص منذ البداية. ولم تعمل هذه الجهات على مراجعة نفسها لمعرفة السبب الحقيقي لعدم إقتناع كافة المواطنين بضرورة الالتزام بالتعليمات، علما أنه تم اللجوء إلى استعمال القوة أحيانا، وتحريك مسطرة الإعتقال التي جرت الآلاف إلى مراكز الاعتقال على الصعيد الوطني. ومع ذلك لم تصل الرسالة ولم يقتنع المواطن 100% بالإجراءات المتخذة. فهل لم تخفه التهديدات بالحبس والغارمة ؟ ألم يقتنع ب وجود المرض وخطورته؟ ألا يخاف على نفسه وأهله ؟ فهذه الأسئلة تظل مطروحة في ظل استمرار الحجر المشعر بالخطر الذي ما زال يتربص بالجميع .. ولقد أبانت خارطة تحرك الوباء داخل المناطق المتأثرة، أن الإصابات لها علاقة بالاختلاط، وغياب الفحوصات، وعدم احترام شروط الوقاية من المرض ..ومن أجل أن يكون لهذه المرحلة معنى حقيقي بعد الإعلان عن تمديد فترة الحجر، فإنه يتعين تقييم كل الإجراءات المتخذة، والعمل على سد الثغرات ومعالجة النقائص، وفي هذا الصدد نسطر مجموعة من النقط التي تجب مراعاتها:
• أن تفي الحكومة بالتزاماتها تجاه الفئات المتضررة اقتصاديا، والتي تحتاج إلى المساعدة بعد أن حرمت من الدعم خلال الفترة السابقة في البوادي والمدن ، حتى لا تضطر للخروج من بيتها للبحث عن لقمة الخبز .
• تسهيل مسطرة تلقي حصص الدعم بشكل منظم لتلافي خلق نقط الاكتظاظ وتجمع المواطنين حول مراكز الأداء، مع البحث عن الصيغ الملائمة في تقديم قفة الدعم إلى الفئات المحتاجة بشكل يحفظ كرامتها ويقيها من شر التوظيف السياسي لهذه المكرمة .
• العمل على تنظيم الأسواق بتعاون مع رابطات التجار تحت إشراف ممثلي السلطة والأمن، وذلك من خلال تفعيل لجن مراقبة الدخول والخروج إلى السوق، مع الحفاظ على المسافة الفاصلة بين الرواد، ثم التأكيد على النظافة والتعقيم وحمل الكمامات. ويمكن في هذا الصدد الاستفادة من تجربة الأسواق الممتازة ..
• العمل على جمع فلول المتسولين والمشردين والمتسكعين الذين يتواجدون بكثافة داخل الأسواق وفي محيطها ونقلهم إلى ملاجئ الإيواء، مع عدم السماح لهم بالمغادرة، وذلك لتلافي الخطر الذي يتهددهم، وكذلك الحد من المضايقات التي يتسببون فيها بالنسبة للغير .. ومثال ذلك حالة محيط السوق المركزي، وسوق فندق الشجرة وأسواق أخرى بطنجة.
• العمل على تقليص عدد الشاحنات التي تدخل إلى سوق الجملة، في مقابل السماح لها بالتوجه مباشر ة إلى الأحياء من أجل توزيع السلع على نقط البيع
• إعادة النظر في القرار الأمني المتعلق بإغلاق الطرقات وسد المنافذ وتغيير اتجاهات المرور للتخفيف من معاناة الساكنة في ظل هذه الظروف الصعبة .
• التركيز على تتبع وضعية الأحياء والنقط التي تشهد تواجدا مكثفا للمواطنين من أجل التبضع أو قضاء أغراضهم، وهي أماكن معروفة على صعيد عدد من الأحياء بالمدينة..
• ضرورة رد الاعتبار لورقة الإذن بالتنقل، وهي الشهادة الاستثنائية المسلمة من طرف السلطات، والتي يجب أن تحترم بالنسبة لكل شخص طبقا لما التزم به .
• وضع حد للعشوائية التي تعم كل المجالات التجارية، داخل الأحياء الشعبية وفي الأسواق بسبب عدم تقيد بعض التجار بقواعد الوقاية من المرض، ثم مزاولة العمل في غياب آليات المراقبة الصحية.
• تجميد الفصل الخاص بتنفيذ عقوبة السجن للحيلولة دون وقوع التجاوزات، والاكتفاء بفرض الغرامات المالية التي ستكون لها فعالية أكبر ، ومن أجل تجنب انتقال المرض بسبب اكتظاظ السجون والمخافر الأمنية، ثم غياب وسائل الفحص المبكر للتأكد من سلامة الموقوفين من المرض.
• إشراك عناصر شرطة المرور والدرك في تتبع أثر العدوى من خلال تزويدهم بأجهزة قياس الحرارة للتأكد من سلامة الأشخاص في إطار عملية الكشف الأولي، مما سيشكل دعما للأجهزة الصحية والطواقم الصحية التي ظلت إلى حد الساعة الطرف المكلف بالكشف في كل مراحله.
• تسطير برنامج مرحلي يسمح باستئناف الفاعلين الاقتصاديين والمقاولات للعمل بشكل تدريجي، من خلال العمل بالتناوب فيما بينهم خلال الأسبوع عن طريق توزيعهم إلى مجموعات محددة في العدد ومقيدة بلوائح تحت إشراف المصالح الإدارية من أجل ضمان الانضباط، كما يجب أن يسري هذا الإجراء على فئات التجار والحرفيين وأصحاب الخدمات خلال هذه المرحلة.
• تكثيف نقط المراقبة ووضع الحواجز في مداخل الأحياء التي تتسم بعدم الانضباط لقرار الحجر ، مع إخلاء أماكن التجمعات والحضور غير المنظم والمؤطر للمواطنين بدلا من التمركز في الشوارع الرئيسية والمدارات الطرقية بشكل يساهم في خلق الازدحام وعرقلة حركة السير .
ليست الغاية من هذا التقرير هي تبخيس الجهود الكبيرة المبذولة من طرف جل أجهزة الدولة ومصالحها وكذلك المواطنين في سياق المعركة المفتوحة ضد هذا الوباء، وإنما الغاية هي تنوير سبيلها ببعض المقترحات المتواضعة الهادفة إلى تلافي الأخطاء وتقوية التدابير المتخذة التي تحتاج إلى ترسيخ أكبر من أجل أن تتحقق الغايات والأهداف المنشودة بأقل تكلفة وفي ظرف زمني محدود . فإذا كان المغرب قد راهن على مقاربة الحجر باعتباره السبيل الأنجع، فإننا نريد تطبيق الحجر الحقيقي كما تم الإعلان عنه ضمن تصور المسؤولين دون نقص أو زيادة حتى تطمئن القلوب ويتم الوصول إلى شط النجاة إن شاء الله.

المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
19-05-2020

Related posts

Leave a Comment