رحيل الرجل الحكيم، الأستاذ النقيب سيدي محمد مصطفى الريسوني بطنجة

بقلوب مكلومة ملؤها الحزن والأسى، تلقينا خبر وفاة أستاذنا وحبيبنا الأستاذ الكبير، النقيب الشريف سيدي محمد مصطفى الريسوني، الذي يعد موته خسارة كبيرة لمدينة طنجة وللوطن ككل، لما كان يمثله من إرث تاريخي ورصيد معرفي وتكويني يقل له نظير، ولما كان يضطلع به من أدوار طلائعية في شتى المجالات خدمة للمجتمع وللصالح العام، حيث كان مرجعا في العلم والعمل والثقافة والأخلاق. سطع نجمه لعدة عقود كشخصية متميزة، كان لها حضور قوي في كل المحافل على الصعيد المحلي والوطني والدولي، حيث لم يكن يشق له غبار عند التكفل بالمهمات الصعبة الموكولة إليه ومتابعة ومعالجة أدق القضايا والملفات الوازنة والشائكة. فكان يحظى بالتقديم والتشريف من طرف زملائه في مهنة المحاماة عبر مختلف المحطات، فهو المحامي المحنك، والفقيه العالم، والأديب الموهوب، والشاعر المبدع، والخطيب المفوه، والكاتب المقتدر. قدم الكثير للوطن ولمدينته طنجة التي أحبها إلى حد النخاع وتغنى بها في شعره، كما كانت محور نشاطاته المتعددة التي تبلورت في صيغ مشاريع اجتماعية ظل يغذيها بطاقته ويدير شؤونها بأمانة وصدق وتفان في العمل دون كلل ولا ملل. ولم يتخل يوما عن القيام بواجبه الأخلاقي تجاه المجتمع. وهو ما جعل منه صوتا قويا مسموعا على ضوء قيامه بعدد من المبادرات التي كانت تهدف إلى الدفاع عن مصالح المدينة، وذلك من موقعه كرجل قانون وكفاعل جمعوي مرموق، ثم كمفكر كبير ومصلح اجتماعي ناجح. وقد برز ذلك من خلال دوره البارز في الدفاع عن المعتقلين السياسيين بكل حنكة وكفاءة مهنية وقانونية، ثم قيامه بالوساطة في عدد من القضايا ذات الطابع الحقوقي، والتي كان يوفق في حل ألغازها والتمهيد لمعالجة إشكالاتها بمباركة من السلطات العليا ..
ولد سيدي محمد في سنة 1939 بتطوان، ثم رحل إلى طنجة مع أسرته، حيث درس بمدرسة خاله العلامة سيدي عبد الله كنون، وبعد حصوله على الشهادة الابتدائية، التحق بالمعهد الديني بطنجة، ثم انتقل إلى المعهد الديني بتطوان، حيث تابع دراسته إلى أن حصل على الشهادة الثانوية سنة1958 ، ثم على الشهادة العليا التوجيهية سنة 1959، فالتحق بكلية الحقوق بالرباط التي تخرج منها سنة 1963 حاملا للإجازة التي أهلته للالتحاق بهيئة المحاماة بطنجة، حيث انتخب عضوا في مجلس الهيئة، ثم نقيبا لها، كما انتخب نقيبا للشرفاء الريسونيين لمدة 32 سنة، ظل خلالها يحظى بالتقدير والاحترام، حيث كان يعد جوهرة العائلة الريسونية. وقد أهله منصبه وتكوينه وكذلك انفتاحه على المجتمع لتأسيس عدد من الهيئات والمؤسسات الاجتماعية والثقافية التي تقلد المسؤولية الأولى داخل أجهزتها، كما حظي بالتقدير أكثر من مرة لكفاءته وخبرته من طرف السلطات العليا التي بوأته مكانة رفيعة على صعيد عدة مؤسسات وهيئات وطنية ذات الصلة بالحقوق وبالتشريع القانوني ..
لقد كان رحيله مفاجئا، إذ تخطفته يد المنون في وقت كان ما زال في أوج عطائه الفكري ونضاله المستمر رغم اعتلاله الصحي وتقدمه في السن، حيث ظل صامدا منفتحا على المجتمع يمارس كل المهام المنوطة به بكل حيوية ونشاط منقطع النظير. ولم يكن يبخل بشيء من أجل تقديم الخدمة للغير. كما أن غيابه سيخلف لا محالة فراغا كبيرا على صعيد هذه المدينة التي اقترنت باسمه، فحيثما ذكر النقيب سيدي محمد الريسوني، ذكرت طنجة التي ظل حريصا على تشريفها بكل الأعمال الجليلة التي كان يقوم بها ..
لقد كان علامة فارقة في زمانه، فهو يعد من كبار الأعلام بطنجة، جمع بين الثقافة الإسلامية الأصيلة، لأنه قد ورث علم خاله ومربيه الشيخ العلامة سيدي عبد الله كنون، ثم ثقافته المخضرمة التي اكتسبها من المدرسة والجامعة، فدراسته كانت شرعية وقانونية ..بالإضافة إلى حصاد معرفته الناتجة عن اجتهاده وعصاميته وتفانيه في حب العلم والمعرفة، مما حقق تكاملا في شخصيته وتكوينه الذاتي الموسوعي.. ولقد تميز بالاعتدال والواقعية والانفتاح على المجتمع وتحكيم العقل وبعد النظر واحترام الرأي الآخر، بالإضافة إلى ما طبع عليه من الإتقان وحسن التنظيم والاجتهاد والنزاهة الفكرية والموضوعية، إلى جانب اقتران شخصيته بالتواضع ونكران الذات وحب الخير للناس وخفة الدم وطيب المعشر وحلاوة اللسان. لقد كان حكيما، جميلا في أقواله وأفعاله، مطبوعا على الطرافة، موهوبا في كثير من الفنون، محبا للنكتة والدعابة، وفيا لأصدقائه الأحياء والأموات الذين لم يكن يفتر عن تذكر سيرتهم وذكرهم بالخير..وقد شاءت الأقدار أن يفارق الحياة متأثرا بنوبة قلبية يوم الإثنين 2 نونبر 2020 ، وفي يوم الغد شيع جثمانه الطاهر في موكب جنائزي مهيب إلى مثواه الأخير بمقبرة المجاهدين بطنجة .
وبهذه المناسبة الأليمة، لا يسعني إلا أن أتقدم أصالة عن نفسي ونيابة عن أعضاء رابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين بأحر التعازي إلى كل أفراد أسرته الصغيرة، ممثلة في حرمه الشريفة للا ربيعة بنت سيدي عبد السلام دوزان، ثم أنجاله الكرام ( عثمان، عمر، علي)، وكذلك أخويه (الطاهر والكامل السميحي)، وإلى عائلته الكبيرة، ممثلة في شرفاء الزاوية الريسونية، وفي مقدمتهم الشريفة للا درة الريسوني، ثم إلى أقاربه من آل كنون، وآل دوزان، والعشاب، والناصري، والقادري، والسميحي، وأخص بالذكر كلا من( ذ/ عبد الله كنون، ذ/ سيدي محمد كنون، ذة/ سعاد كنون، ذ/ أنس كنون). كما أتوجه بالعزاء إلى زملائه في هيئة المحاماة بالمغرب، وهيئة المحامين بطنجة، وإلى كل ممثلي الهيئات والمؤسسات والجمعيات التي كان قيد حياته يتولى الإشراف عليها أو ينشط ضمن صفوفها ، وفي مقدمتها مؤسسة عبد الله كنون للثقافة، ودار الهناء لرعاية المعاقين، والنادي الملكي للسيارات، داعين الله لهم جميعا بالصبر والسلوان وللفقيد بالرحمة والمغفرة وحسن مآب عند الله تعالى، وإنا لله وإنا إليه راجعون .
محمد محمد المنصور رئيس رابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
09-011-2020

Related posts

Leave a Comment