رسالة أبي ياسر: آه لو كان الأمر بيدي …

. استيقظت من النوم، جلست في حديقة المنزل أتناول وجبة الفطور وبجانبي زوجتي وعيالي بعد أن أعدتهم إلى البيت و سهرت على ترتيب كل حاجياتهم. صوت العصافير والزهور المنتشرة في كل أرجاء الحديقة تفتح شهية الأكل، يتحرك الأولاد بكل نشاط وحيوية. هدير محرك السيارة يخبرني بأنها جاهزة للإقلاع في اتجاه المدرسة. لم يتبق إلا دقائق معدودة على وقت الدخول . الشارع يعج بالسيارات وبحافلات نقل التلاميذ ونقل العمال. الجميع يسير بدون قلق ولا ضجر. شوارع مبللة وآثار عملية غسلها وتنظيفها مازالت بادية للعابرين . ممرات الراجلين، صباغتها ناصعة البياض. وخصوصا تلك التي توجد بأبواب المؤسسات التعليمية. شرطيان من كثرة مرابطتهما بباب المؤسسة التعليمية العمومية أثناء دخول وخروج التلاميذ تحولت علاقتي بهما إلى صداقة، وكذلك مع كل الآباء والأمهات .حافلات النقل العمومي تجوب شوارع المدينة وهي نظيفة جدا . كل الناس في صفوف مرصوصة يستعدون للصعود بنظام وانتظام. وتعطى الأسبقية للمسنين في جو يطبعه التسامح والتآخي. الباب الخلفي الخاص بذوي الاحتياجات الخاصة مفتوح. سيارات الأجرة كذلك تتنقل من حي الى آخر، ومن إدارة إلى أخرى بسلاسة . لا تسمع أي ضجيج أو صراخ صوت منبه السيارات، كأنه منعدم. جل المناطق الخضراء قد قصت شتلاتها بعناية ، حتى أضحت تسر الناظرين وتغري بالمشي والتنزه فيها بسبب العناية الفائقة التي توليها الجماعة للمناطق الخضراء . وما أثار انتباهي هو عدم رؤية أي مشرد أو متسكع في هذا الصباح !!!، بعد أن راقبت من بعيد دخول صغاري إلى المدرسة ، توجهت مباشرة إلى الملحقة الإدارية لكي أطلب شهادة السكنى. مجرد ما ولجت الإدارة استقبلتني سيدة بابتسامة عريضة مستفسرة عن نوعية الخدمة التي أريد . وجهتني مباشرة إلى مكتب بالطابق تحت أرضي خاص بأعوان السلطة كله حركة .، الجميع منغمس في تأدية الواجب المهني . بعد التحية وكلمات الترحاب المعطرة بنسيم الزهور الموضوعة بجانبهم. شرع العون في تدوين معلوماتي الشخصية، وتكلف بنفسه تسليمها إلى الكاتبة المكلفة برقنها على الحسوب . ماهي إلا عشر دقائق حتى كانت ممضاة من طرف السيد المحترم قائد الملحقة الإدارية . ودعت الجميع وخرجت بسرعة قياسية. لم تستغرق العملية أكثر من ربع ساعة. صعدت السيارة فإذا بي أسمع تحية السلام تأتيني من الجهة الأخرى .، حارس السيارات يطلب مني عدم تحريك سيارتي حتى يأذن لي هو بذلك حفاظا على سلامتي . شكرته بعد أن سلمت له مقابل الركن … رن هاتفي وإذا بالمتصل صديقي عبد العزيز مخبرا إياي بأن والد صديقنا محمد أصيب بوعكة صحية نقل على إثرها إلى مستشفى محمد الخامس الجهوي. على أن نلتقيا بباب المستشفى لكي نؤازره في محنته . بعدها اتصلت بمحمد فأخبرني أن أباه في قسم العناية المركزة ، وأن حالته غير مستقرة . إتضح لي من نبرات كلامه أن الوضع جد خطير. أخبرته بقدومنا. وماهي إلا نصف ساعة حتى كنا بداخل المستشفى.، هدوء وسكينة، ممرضات بوزرات بيضاء أنيقة تتحركن كالفراشات. وتطيرن من جناح إلى آخر مسرعات غير مكترثات بالإرهاق والتعب الذي يسببه صعود ونزول سلم المستشفى العريض الذي تفوح منه رائحة عطرة لنوع من الصابون الذي أعرفه . مررنا بالجناح الخاص بالحالات المستعجلة لعلي أجد هناك محمد ا. رجل ببنية قوية واقف بالمدخل تابع للأمن الخاص يأمر من هم في قاعة الانتظار بمزيد من الهدوء. مسحت القاعة بعيني، فلم أجد محمدا ببن المنتظرين . أحاول أن اتصل به إلا أن هناك لافتة كبيرة أمامي مكتوب عليها، يمنع استعمال الهاتف. أجبرت على الانسحاب إلى الخارج كي أتصل به . محمد لا يرد على الهاتف. أكيد، حتى هو احترم اللافتة . كتبت له رسالة أطلب فيها منه أن يوجهني إلى الجهة التي يتواجد بها حتى أستطيع الوصول إليه . بسرعة جاء التوجيه. أبي أدخل إلى قاعة خاصة من أجل إخضاعه للكشف بجهاز السكانير المتواجد بالطابق الثاني جهة اليسار المقابل لجناح الأطفال،… جناح اختير له لون خاص ورسومات تثر انتباه الصغار، وتخرجهم من أجواء المرض والحزن . بكل الممرات توجد تنبيهات وتحذيرات مختلفة … ممنوع التدخين – التزام الهدوء – منع الزيارة في غير وقتها . وإخبارات وإشهارات كلها تصب في مصلحة المريض . الحمد لله ها نحن أمام صديقنا محمد الحزين والخائف جدا على أبيه. بعد التحية والسلام، وقبل أن أستفسره، خرج ممرض يجر سريرا وفوقه والد محمد وهو مغمض العينين لا يحرك أيا من أعضائه كأنه في غيبوبة . أخبرنا بكل أسف أن المريض سوف يبقى هنا في المستشفى إلى حين ظهور نتائج التحليلات ونتائج السكانير. وأكد كذلك أن هناك طاقما طبيا مختصا في الجهاز العصبي والدماغ سوف يفحصه هذا المساء. وأن إدارة المستشفى أرسلت التحاليل لمختبر في فرنسا بسرعة قياسية. وسوف يكون جواب الفحوصات جاهزا بعد غد على أبعد تقدير . طلب محمد التحدث إلى الطبيب الرئيسي . طلب منا أن ننتظر حتى يفرغ من عمله . الطبيب الرئيس شاب في مقتبل العمر وسيم وأنيق . حيوية ونشاط الشباب تنضحان من عينيه . دعانا لدخول مكتبه الغير بعيد عن قاعة الفحص. ما أن وضعت قدماي داخل المكتب حتى استرعت انتباهي لوحة مزخرفة ومنقوشة بعناية. دققت النظر فيها ، فإذا بي أقرأ عليها قسم الطبيب وميثاق المهنة الغليظ. وإلى جانبها بعض اللوحات الأخرى التي زين بها المكتب . وكلها ذات دلالات علمية و قانونية…. بدأ يشرح لنا بالتفصيل حالة والد محمد. وأكد لنا أن الشافي هو الله . ويجب أن نستعين بالدعاء والتضرع إليه بأن يعجل بالشفاء ويخفف ما نزل . وبدء يشرح ويقول إن المؤمن يزوره الله. وزيارة الله لأحبائه هي المرض. و ذكرنا بأحاديث نبوية صحيحة تتحدث عن ابتلاء المسلم وصبره . وكيف يجازيه الله بتكفير ذنوبه إن هو صبر واحتسب أمره إلى خالقه. حتى خيل إلي أنني جالس أمام داعية وليس أمام طبيب . نستمع إليه وهو محافظ على هدوئه ورزانته وثقته في الله وفي نفسه كطبيب . من حين لآخر تأتيه رسائل عبر هاتفه. يتوقف لقراءتها والرد عليها . أحسست برغبته في أن ينهي الزيارة. تفهمت وضعه من خلال كثرة المكالمات التي لم يرد عليها والرسائل التي توصل بها .! بدون مقدمات شكرته على حسن الاستقبال وعلى كل المجهودات التي تقوم بها كل الطواقم الطبية المتواجدة بالمستشفى وعلى هذه الوطنية الصادقة التي أبان عنها جميع من قابلناهم داخل المستشفى . استأذناه بالانصراف على أمل ان نلتقي في معايدة أخرى للمريض. وأكدنا له أن ثقتنا بعد الله فيه وفي الفريق المصاحب له . خرج معنا إلى حدود المدخل الرئيسي للمستشفى .وكل كلامه موجه لمحمد يرفع من معنوياته ويطمئنه على أبيه، حيث قال بالحرف. إن والدك هو بمثابة والدي ، ونحن دورنا هنا هو السهر على راحة مرضانا . محمد حالته متأزمة جدا لأني أعرف تعلقه الكبير بأبيه …… فتحت عيناي على قبلة حارة فوق جبيني، نظرت على يميني ويساري فلم أجد لا محمد ولا طبيب. لوحدي ممدد فوق سريري وابني ياسر واقف أمامي يطلب مصروفه اليومي الذي لم يجده في مكانه المعهود . مخبرا إياي أنه ذاهب إلى الجامعة. ولن يحضر معنا وجبة الغداء. وعلي أن أزيد في مصروفه لهذا اليوم . بعد أن استويت على فراشي استرجعت شريط ما كنت منغمسا فيه. تأكد لي أنني كنت في حلم جميل .. حلم طالما انتظرنا أن نراه في واقعنا المرير الذي يدفعنا إلى التفكير ألف مرة قبل التوجه إلى الإدارة العمومية أو إلى مستشفياتنا ذات السمعة السيئة، والأطقم المتهمة بالرشوة والمحسوبية والزبونية. آه لو كان ما رايته في منامي هو واقعنا اليومي المعاش ،
آه لو كان الآمر بيدي !!!!

14/10/2018

Related posts

Leave a Comment