رسالة أبي ياسر: مبادئ أساسية لنجاح العمل الجمعوي

لا وجود لعمل جمعوي دون وجود حرية في الاختيار. وهو فعل ذاتي يمارسه الفرد من أول لحظة يلج فضاء الجمعية ، سواء أتاها عن محض إرادته أو بإيعاز من الأولياء أو الأصدقاء. أو من الدعاية ووسائل الاتصال أو من باب الفضول.
ففي كل الحالات يكون حرا في أن يستمر إن هو وجد ما يرغب فيه أو ما يلبي له حاجاته. وإما ينسحب أو ينقطع عن التردد على الجمعية وعلى أنشطتها . ومسألة الحرية في الاختيار لا تتعلق فقط بلحظة الإنضمام إلى الجمعية. بل هي سارية المفعول في كل أنواع وأشكال الممارسة الجمعوية. لأنها تتطور من حالتها الفردية عند الإنضمام، لتصير مبدءا عاما يهم علاقة الفرد/العضو مع باقي الأفراد/الأعضاء المكونين للجمعية، ومع نسيجها السلوكي العلائقي الداخلي والخارجي، ومع منتوجها الأدبي والتنشيطي والحقوقي. وهو أمر ذو أهمية في ارتباط العضو بجمعيته،.. إن الحرية هنا ليست شعارا جافا ، بل هي ممارسة وتربية وسلوك . وحتى في مجالات اختلاف الرؤى ما بين الأعضاء حول قضية من القضايا ، فإن هذا المبدأ يحفظ للكل حقه في الاختلاف وفي الاعتراض. وبما أن العمل هو جماعي، فإن تدبير الاختلافات و التناقضات لا يتم بحجبها أو كتمانها ، بل بوضعها في إطارها الحقيقي والتعامل معها على أساس أنها ظاهرة صحية لأي عمل جماعي. فلكل جماعة طريقتها الخاصة في تدبير اختلافاتها وتناقضاتها تبعا لطبيعة قوانينها الأساسية والداخلية، والتي يكون حولها اتفاق جماعي بعد أن يطلع عليها كل وافد على الجمعية. وفي حالة الاعتراض عليها إن كانت غير متماشية وطبيعة الجمعية، فإنه يتم تعديلها وتنقيحها عندما تنعقد اجتماعات الأجهزة المقررة للجمعية، سواء في دوراتها العادية ، أو في دورات استثنائية. كما هو معمول به في قانون الحريات العامة الخاص بالجمعيات.
إن أهمية التمرس على الحرية ليس غاية لذاته، بل هو أيضا تعود على تحمل مسؤولية الاختيارات التي يأخذها الفرد/العضو بشكل فردي أو بشكل جماعي. وهو عملية رئيسية في تنشئة الفرد/العضو وجعله أكثر إيجابية في قراراته واختياراته، مما يساعده على تحقيق النضج الاجتماعي المطلوب.

ب- مبدأ التطوع:

إنه المبدأ الذي يميز العمل الجمعوي عن باقي الأصناف التربوية الأخرى . فانطلاقا من مبدأ الحرية في الإختيار تأتي عملية التطوع التي تميز العمل الجمعوي بشكل يجعل الفرد/العضو ينخرط في الممارسة الجمعوية بكل تلقائية. فالتطوع سلوك ينبع من ذات الفرد ومن ثقافته وحضارته، وهو يترجم في الممارسة الجمعوية من خلال أنشطتها العادية أو الإشاعية والخدماتية. وكذلك من خلال طبيعة تسيير وتدبير شؤونها. فالكل متطوع داخل الجمعية، فالمقابل المنتظر هو أن يرى كل متطوع جمعيته تحقق أهدافها ومشاريعها، وأن يكون لها وجود متميز داخل المجتمع. الشيء الذي يقوي حب الانتماء إليها.
كما أن سلوك التطوع لا يقتصر عند الفرد/العضو فقط على ممارسته الجمعوية بل يشمل كل سلوكاته المجتمعية كبيرها وصغيرها أينما وجد. لأنه سلوك مدني متميز يجعل الإنسان أكثر اندماجا وأكثر مبادرة ، لأنه يضع الصالح العام دائما نصب عينيه.

ج- مبدأ المشاركة:

فإذا كان مبدأ التطوع يتم بطريقة عضوية وتلقائية، فإن مبدأ المشاركة ينطلق من ضرورة وجود وعي بما سينهض به الفرد /العضو من مهام ومسؤوليات محددة ومدققة في الزمان والمكان ، وفي أهدافها وفي وسائل إنجازها. وهي ليست مشاركة كمية جماهيرية عرضية ، بل هي مشاركة كيفية ونوعية تفترض وجود التزام بنوعية العمل المطلوب. ولرفع كل لبس فالإلتزام هنا لا يعني أي تضارب مع مبدأ الحرية الذي انطلقنا منه. بل هو مؤطر لكل ممارسة جمعوية تكوينية. لأنه مبني على وجود وعي مسبق بطبيعة المهام المطلوب إنجازها. وهذا الوعي نابع من طبيعة ثقافة الجمعية ومن طبيعة فلسفة تعاملها الداخلي والخارجي. فليست هي أوامر فوقية تنزل للقاعدة للقيام بها وإنجازها دون حوار أو مناقشة. لأن القصة في العمل الجمعوي ما هي إلا مجموعة أفراد من القاعدة تنتخب دوريا لتسيير شؤون الجمعية . وهي مرتبطة بمجموعة من الأجهزة التي تسير وتراقب سير الجمعية ، بمعنى أن الإنفراد في الرأي أو فرض نوع من المعاملات أو الأنشطة لا يمكن أن يحصل إلا إذا كانت الجمعية لا تشتغل طبقا للسلوك الديمقراطي الجمعوي.
ففعل المشاركة يأخذ أبعادا كثيرة ومتنوعة يتعدى الفعل الآتي لممارسة الأنشطة، لأنه يتصل بتحريك ذات الفرد/العضو وإخراجها من فردانيتها ومن سلبيتها إلى مساهمتها في الفعل الجماعي انطلاقا من الممارسة الجمعوية العادية أو الاستثنائية والإشعاعية والخدماتية، إلى المشاركة الفعلية في الحركية المجتمعية المساهمة في الفعل المدني العام. وخاصة بالنسبة للشباب ، حيث يتمرسون على المشاركة المدنية التي تجعلهم أكثر إيجابية، وتضعهم على سكة تحمل المسؤولية وعلى إثبات نضجهم الاجتماعي.
لأن عزوف الشباب عن المشاركة الفعالة في الحركية الاجتماعية إنما يترك المجال فارغا أمام من لهم مصلحة في تغييب أهم شريحة في المجتمع، والتي يعتبر انخراطها أساسي ورافعة مهمة من أجل الإقلاع التنموي الحضاري والثقافي.
21 أكتوبر 2018

Related posts

Leave a Comment