رهان الرقمنة وعوائق تحقيقه، نموذج إدارة الأشغال العمومية بطنجة

لقد تقرر دعوة المواطنين إلى أخذ مواعيد تسجيل السيارات وإجراء الفحص التقني للسيارات والحصول على رخصة السياقة والبطاقة الرمادية عن بعد، حيث أعلنت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا) عن إحداث هذه البوابة من أجل تسهيل عملية الولوج إلى خدمات مراكز تسجيل السيارات ومراكز الفحص التقني وكذلك أخذ المواعيد. وقد انضافت هذه البوابة إلى باقي التطبيقات الإلكترونية الخاصة بقطاعات وزارية أخرى، ويمكن اعتبار هذه العملية بمثابة اللبنة الأولى لتأسيس الإدارة الإلكترونية التي يراهن المغرب على تعميمها في السنوات المقبلة على كل الإدارات المغربية .
وبسبب جائحة كورونا التي تسببت في توقف معظم الخدمات المباشرة وأثرت على السير العادي لمؤسسات عديدة، حيث تراكمت ملفات كثير وأضحى من الصعب معالجتها بطريقة مباشرة ( حضوريا )، مما دفع بمعظم المرتفقين إلى اللجوء إلى البوابات الإلكترونية لحل مشاكلهم وأخذ المواعيد قصد تفادي الازدحام .
بوابة وزارة النقل عرفت ضغطا كبيرا كباقي البوابات الإلكترونية الأخرى بسبب تراكم الملفات الناتج عن التوقف الاضطراري للإدارة المغربية، مما سبب أولا صعوبة الولوج إلى البوابة، ثم صعوبة الحصول على المواعيد من أجل نقل ملكية السيارات أو الحصول على باقي الخدمات الأخرى .
إن عملية تسجيل السيارة تتطلب أخذ موعد عبر البوابة الإلكترونية من أجل إجراء فحص تقني للسيارة ( خاص بعملية البيع)، تم أخد موعد ثان من أجل القيام بعملية نقل الملكية، علما أن وثيقة الفحص التقني لا تتجاوز مدة صلاحياتها الشهر، مما يفرض على مشتري السيارة تسجيلها بالمركز في موعدها المحدد كي لا تلغى الشهادة، مما يتطلب الحصول على موعد لا تتجاوز مدته مدة صلاحية وثيقة الفحص التقني التي بدونها لا يسمح بنقل الملكية .

– صعوبة الحصول على موعد مناسب:

يعرف محيط مركز تسجيل السيارات انتشار مجموعة من الشباب يحملون محفظات يدوية يعرضون خدماتهم على زوار المركز قصد مساعدتهم في عملية أخذ المواعيد عن طريق البوابة الإلكترونية، غير أن المفاجأة الكبرى هي قدرة هؤلاء الأعوان غير المصرح لهم بالعمل بجوار الإدارة على القيام بأي عميلة بالمركز دون الحصول على موعد مسبق، حيث صرح لنا أكثر من مرتفق أن أولائك مجرد ” سماسرة” يعرضون المساعدة والتدخل مقابل مبالغ مالية تتراوح ما بين 300 و 500 درهم حسب نوعية الخدمة المقدمة، علما أن الموعد الخاص بتسجيل السيارة ( نقل الملكية ) قد وصل إلى شهر أكتوبر من سنة 2020 كما هو مبين في البوابة ” أنظر الصورة “، وبقدرتهم الخاصة والخارقة ينطون فوق البوابة الالكترونية ويستطيعون قضاء حوائج الناس ضدا على القانون .
وهنا نتساءل، من أين يستمد هؤلاء الأشخاص الذين ينتشرون بمحيط المركز هذه القدرة الخارقة التي تمكنهم من إنجاز خدمات دون المرور على البوابة التي جعلت الوزارة المرور عبرها إلزاميا من أجل الاستفادة من خدمات المراكز؟، إن وضعا كهذا يدفعنا للتساؤل كذلك عن باقي الأطراف الشريكة في العملية التي تتم عبر القفز على القانون، والتي جعلت من وظيفتها وسيلة للإبتزاز والاغتناء غير المشروع عبر استغلال منصبها.

إدارة إلكترونية مخترقة:

إن الإدارة الإلكترونية مطلب شعبي وضرورة اقتصادية، وبدونها لا يمكن مسايرة إيقاع الدول المجاورة لنا، وقد أصبح أمر تحديث الإدارة مطلبا ملحا كي تتماشى مع سرعة التطورات التي يعرفها العالم، خاصة وأن المغرب قد انخرط بقوة في تنزيل رؤيته الخاصة لعصرنة الإدارة ( البطاقة الوطنية اللإكترونية، رخصة السياقة الإلكترونية، شهادة الازدياد كذلك الكترونية و.و. و. ) غير أن وجود مثل هؤلاء المرتزقة والسماسرة يهدد إنجاح هذا الورش الكبير الذي يمكن اعتباره قاطرة مهمة للإقلاع الاقتصادي والإصلاح الإداري ورافعة أساسية، لما يوفره من جهد ومال ووقت وسواعد يمكن توظيفها في مجالات أخرى تعود بالنفع والخير على وطننا، مما يضع تجربة الإدارة الإلكترونية على المحك .والمثير للانتباه هو أن هذه الممارسات الخطيرة تتم أمام أنظار مسؤولي الإدارة المعنية، وكذلك ولاية الأمن التي يطل بابها على باب تلك المؤسسة .. ترى متى سيتعود كل المواطنين على تحمل المسؤولية واحترام القانون بالشكل الذي يخدم مصلحة الجميع دون تمييز ومن غير اللجوء إلى الوساطات والتدخلات من أي نوع .. إن ترسيخ ثقافة الرقمنة يتطلب إدارة قوية لا يمكن أن تتعزز إلا من خلال العمل بالحكامة الجيدة والشفافية والصرامة في الضبط والمحاسبة، وسد كل الثغرات التي التي تنفذ منها ممارسات المسخ والفساد المتمثل في الرشوة. ويجدرالتنبيه إلى أن هذه السلوكات ليست جديدة، فقد كانت مستشرية خلال الفترة السابقة في ظل النمط التقليدي للإدارة الشائخة، وها هي الآن تجدد نفسها في صيغة جديدة نظرا لقدرة أصحابها على التكيف مع الوضع والتلون معه. ومع ذلك يبقى الجوهر واحدا وهو الفساد الإداري الذي لا يتغير. فهل ستنتبه الوزارة الوصية إلى هذه الثغرة الكبيرة التي تضرب صميم مصداقية الوزارة وحق تكافؤ الفرص بالنسبة لعموم المواطنين.
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
03-09-2020

Related posts

Leave a Comment