سلطات طنجة تقود حملة واسعة النطاق ضد البناء العشوائي الذي يفترس المدينة ونواحيها.

لا يسعنا إلا التنويه بالخطة التي أقدمت عليها السلطات الولائية بطنجة في أوج الحملة الانتخابية للحد من انتشار البناء العشوائي الذي تكثف نشاطه وزادت حدته مع قرب هذه المرحلة الانتقالية التي ظل البعض ينتظرها من أجل تحقيق هذه الغاية، هذا وقد كانت الرابطة سباقة لإثارة هذا الموضوع وتنبيه المسؤولين إلى النشاط المكثف لأولئك الذين يستغلون هذه المناسبة بضوء أخضر من المسؤولين من أجل الفوز بتلك الفرصة، ولذلك ظلت كل الفترات الانتخابية مقترنة بولادة أحياء جديدة تنمو بين عشية وضحاها وتترعرع أمام أعين السلطات..
لكن هذه المرة، يبدو أن الولاية شمرت عن ساعد الجد وأمرت قوادها شيوخها للتحرك في كل الاتجاهات، من أجل تنفيذ قرار الهدم في حق العشرات من الدور والأساسات التي شيدت بدون ترخيص خلال هذه المدة الأخيرة.
خطوة محدودة الأثر والنتائج:
فهل ستكون هذه الخطوة كافية لوضع حد لهذه الظاهرة المخيفة التي تعتمد سياسة الأرض المحروقة؟، وهل سيكون ذلك التدخل كافيا لردع لوبيات العقار وشبكات ترويج البناء العشوائي حتى تحد من نشاطها وتنزوي إلى الخلف وتقتنع بما يخوله لها القانون لا غير ؟
أسئلة كثيرة لا بد من طرحها في أفق تقييمنا لأثر هذا القرار الذي ليس الأول من نوعه. فقد جربه الوالي محمد اليعقوبي أكثر من مرة ولم يؤت أكله، كما جربة الوالي محمد مهيدية عند حلوله بطنجة، وها هو الآن يعيد الكرة بجرعة أكبر علها تكون الضربة القاضية والبلسم الشافي لهذا الداء.. لكن عند تتبع هذا الملف الشائك وقراءته من كل جوانبه، سيكتشف أن الأمر أعمق من أن يكون مجرد حملة صورية وآنية تمر مر السحاب. فلا بد من وضع النقط على الحروف، وليس ذلك من باب تبخيس الأعمال، والترويج لمنطق التشاؤم ..
الحاجة إلى فتح نقاش وطني حول هذه الظاهرة:
إن الغاية هي فتح نقاش جدي ومعمق حول هذه الظاهرة الخطيرة التي تهدد عددا كبيرا من المناطق بالمغرب، مع وجود تفاوت في درجة حدتها من منطقة إلى أخرى. وتظل طنجة المدينة، وترابها الولائي – استثناء- إذ تحتل طليعة المدن والحواضر المنكوبة بظاهرة البناء العشوائي المنظم الذي يتوسع بضوء أخضر من المسؤولين، ما داموا لا يتدخلون إلا في آخر ساعة لذر الرماد في الأعين ..
البناء العشوائي ثمرة التواطؤ والتلاعب بالقوانين:
لقد أمرت الولاية بهدم المباني غير المرخصة، والتي يتحول أصحابها إلى أكباش فداء في نهاية المطاف لأنهم شركاء مع أطراف أخرى تظل تتحرك خلف الستار، لكنها عند تنفيذ القرار تقف عند “ويل للمصلين”، فهي من جهة لم تتدخل قبل انطلاق البناء أو خلال إنجازه، علما أنها تكون على علم بذلك من خلال أعينها التي لا تنام (المقدم والشيخ والقائد ورئيس الدائرة). وبدلا من التحرك لمواجهة ذلك، يتم التستر عليه وتزكيته في نهاية المطاف، مما يؤكد وجود تواطؤ خفي أو معلن.. فهذه المباني التي نشأت في ظرف قياسي في مناطق كثيرة أمام مرأى ومسمع من الجميع، لماذا لم يتحرك أحد لمنع بنائها قبل وضع الآجورة الأولى؟. وحين صدور الأمر بالهدم، لماذا لا يتم فتح تحقيق إداري وأمني وقضائي حول الأسباب الحقيقية لنشأة تلك الأحياء العشوائية، وكذلك الجهة التي تقف خلف ذلك، وكذا مسؤولية الجهات المختصة؟.. فذلك هو الموقف السائد على امتداد عدة عقود، حيث ظل البناء العشوائي يتوسع بشكل جنوني حتى افترس المدينة بكاملها وانتقل إلى ضواحيها. . وذلك لأن ممثلي السلطات والمجالس المنتخبة وأعوان السلطة قد اختاروا جميعا التطبيع مع هذه الظاهرة، لأن نفعها أكبر من ضررها بالنسبة للعديد من الأطراف، فليس هناك أحد من المسؤولين – صغيرا كان أو كبيرا – قد عوقب أو توبع أوعزل بسبب التقصير، .. كل ما هنالك هو أن بعض رجال السلطة يحظون بالترقية والتنقيل الآمن إلى منطقة أخرى لإخفاء سوءاتهم عن الأنظار، وليستأنفوا رسالة التخريب – الحضارية- في مناطق أخرى ونشر سمومهم التي يجب أن تسري في عروق كل شبر من الوطن. فهذه هي الصورة الحقيقية، وهذا هو منطق الأشياء ومربط الفرس فيما يخص الأسباب الحقيقية التي تقف خلف انتشار البناء العشوائي بطنجة أو غيرها..
إنها الشجرة التي تخفي الغابة:
إن طريقة تعاطي السلطات مع هذا الملف تكاد تكون غير مقنعة، لأنها تقف عند الشجرة التي تخفي الغابة، فهل يعقل أن يتنامى البناء العشوائي بهذه الشراسة دون وجود تواطؤ بين الأطراف التي تتولى التغطية على تلك الجرائم؟. وحينما تفور غضبة السلطة تنصب على الحلقة الضعيفة ضمن تلك السلسلة الطويلة، حيث يتم التوجه إلى صاحب المبنى في الوقت الذي يتم التستر على الأطراف المساهمة والمشاركة، علما أن حرمة هذا النمط من البناء كحرمة الخمر تستوجب لعنة كل الأطراف المشاركة كما ورد في الحديث الشريف” عن ابْنِ عُمَرَ قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ ).
غياب العدالة والمساواة بين المواطنين:
أما الجانب الأخر في هذه المسألة، فهو غياب العدالة، لأن العشوائي تتم محاربته بالعشوائي، أي بقرارات عشوائية أيضا، تغيب عنها المساواة بين المواطنين، ففي موضع واحد وزمن واحد يتم هدم بعض المباني والعفو عن البعض الآخر .. كما أن عملية الهدم لا تشمل إلا العشوائي داخل الأحياء الشعبية والهوامش والمناطق المعزولة، أما العشوائي “المرخص” في وسط المدينة على صعيد الكثير من المباني السكنية كالفيلات والعمارات والمجمعات السكنية، فيظل في مأمن ولا تطوله قرارات الهدم، بل سيحظى بظروف التخفيف ويسمح لأصحابه غدا بتسوية الوضعية مقابل أداءات رمزية ..
مسؤولية المجالس المعطلة:
لا يمكن القفز على مسؤولية المجالس المنتخبة ودورها السلبي وتواطئها أيضا لأنها تنازلت عن اختصاصاتها القانونية في هذا المجال، وقبلت بالدخول في مساومات، وأصبحت طيعة أمام السلطات، تزكي طلباتها وتبرر توجهاتها التي تطمح إلى الهيمنة والتحكم في كل شيء.. ولا يمكن تجاهل الدور السلبي لكثير من الرؤساء والمسؤولين الجماعيين الذي ساهموا سابقا في التشجيع على البناء العشوائي من خلال منحهم الرخص دون التقيد برأي الوكالة الحضرية وباقي الأطراف المتدخلة، مما أدى إلى توالد عدد من الأحياء الموحشة على صعيد كثير من المناطق التي كانت إلى عهد قريب أراضي عذراء.. مما أعطى مبرر للداخلية من أجل أن تقلب ظهر المجن ضد المؤسسات المنتخبة، وكذلك سلطات التعمير، وذلك من خلال تقليص الصلاحيات والاختصاصات التي كانت مخولة لها ..
مسؤولية وزارة الداخلية:
قد يعتقد أن الداخلية سليمة الطوية وأنها تهدف إلى الإصلاح والحد من الفساد الإداري. لأنها بتزكيتها لنفسها وإضفاء المشروعية على قراراتها، وتقوية نفوذها وتفردها بالقرار وإيهام الرأي العام وكل الأطراف المجتمعية بأنها منزهة عن الخطأ وأنها لا تقوم إلا بالصواب، وأنها الحارس الأمين لسياسة المدينة والمدافع المخلص عن الواقع الذي يرضيها، فهي تجعل نفسها موضع مساءلة لأن المسرحية التي تلعبها -الداخلية – قد أصبحت مكشوفة منذ أن قررت اكتساح كل المساحات القانونية والعودة إلى مربعها الأول حينما كانت تجسد “أم الوزارات “في عهد الوزير إدريس البصري ..
مداخل أولية في أفق البحث عن الحلول:
فمن أجل وضع حد لهذه الظاهرة يجب أن تتكاثف الجهود من طرف الجميع، إدارة ومواطنين ومنتخبين ومنعشين عقاريين ومجتمعا مدنيا، مما يقتضي توفر الإرادة الجماعية أولا ثم تغيير العقلية، وتطبيق القوانين، وبالدرجة الأولى التقيد بالتصاميم والدراسات والمخططات العمرانية.. فلا بد من الشفافية في تدبير هذا القطاع السائب، ووضع حد لحالة القطاع الذي يحكمه رأس واحد هو وزارة الداخلية ممثلة في قوادها وشيوخها ومقدميها وولاتها وعمالها بعد قيامها بالحد من اختصاصات كل المتدخلين، وعلى رأسهم الجماعات التي هي مع الأسف الطرف المعني بتوقيع ومنح تراخيص البناء والسكن، وكذلك وزارة الإسكان، والوكالة الحضرية .. فكل هذه الأطراف كانت هي المرجع الأساسي، لكن دورها الآن أصبح ثانويا ومقزما أمام قبضة كماشة الداخلية التي أبت إلا أن تعود بنا إلى سنوات ما قبل صدور الميثاق الجماعي سنة 1976. لقد تمت العودة بسياسة التعمير إلى عصر الظلمات، لتكون النتيجة هي تلك الحصيلة المرة التي تصدم الجميع وتهدد كيان الوطن بزلزال مستقبلي ..
إنه لا أمل في تجاوز هذه الوضعية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه إلا من خلال مراجعة الذات من طرف الإدارة الوصية – أي الداخلية التي تنزه نفسها عن العبث والخطأ، ثم توفر الإرادة للقيام بدور فعلي من أجل خلق انعطافة جديدة وتصحيح المسار وإنقاذ المغاربة من الخطر المحدق بهم في حالة استمرار هذه الوضعية.. ولا بد أيضا من المساهمة في تغيير العقلية لدى كل الأطراف المتدخل بدءا بالمواطن الذي يجب أن يدرك خطورة الاستمرار على هذا النهج، ثم المنتخبين الذين يجب أن يكون لهم دور في التوعية وفي التوجيه والدعوة إلى تحقيق التوازن. وأخيرا الداخلية التي تعد قطب الرحى في هذه العملية لأنها صاحبة الأمر والنهي، ولها السلطة المطلقة لتفعل ما تشاء، كما أنها تطوع كل القرارات وفق التصورات التي تبدو لها أنها عين الصواب والكمال، مع العلم أن وظيفتها الأساسية هي الحرص على تطبيق القانون وإلزام كل الأطراف باحترامه وعدم الخروج عنه مهما كانت الظروف. ولذلك فأن تعللها بضعف المجالس أو افتقارها للمصداقية والنزاهة هو مجرد ادعاء لا يصدق. فالمسؤولية تتحملها وحدها لأنها ساهمت في صنع تلك المجالس العاجزة، دون أن تعمل على مراقبتها ومحاسبتها وتوجيهها بشكل سليم ومحايد لتحافظ على الاستقامة وحسن التدبير والإخلاص في العمل
إن إشراك المواطن في هذا الأمر يقتضي استحضار وضعيته الهشة، والدوافع التي جعلته يرتمي بين أحضان أخطبوط البناء العشوائي وشبكات التجزيئ السري للأراضي. إنها بالدرجة الأولى أزمة السكن المتفاقمة بسبب الهجرة المكثفة نحو المدن وتزايد عدد السكان، ثم غلاء ثمن الكراء والعقار، وكذلك فشل تجربة السكن الاجتماعي، بالإضافة إلى حاجة الناس ونزوعهم الفطري نحو توفير “قبر الحياة” .. فهذه كلها عوامل ضاغطة تحتاج إلى جواب من الجهات المسؤولة التي عجزت عن بلورة شعاراتها وبرامجها الوهمية التي تأتي بنتائج عكسية.. فإن أريد الخروج من هذا المأزق، وفتح صفحة جديدة، فلا بد من وضع هذا الملف على طاولة البحث والنقاش المستفيض محليا ومركزيا للإعلان عن ميثاق وطني حقيقي يتجاوز الحدود والتصورات الوهمية التي سطرتها المناظرات والمشاريع الوهمية التي تم تجريبها من طرف الحكومات المتعاقبة ..
المسؤولية الحقيقية لولاية طنجة:
فإن أرادت ولاية طنجة أن تثب نجاعة تدخلها، فأولى الأولويات إجراء تحقيق حول كل المباني التي بنيت بدون ترخيص انطلاقا من تاريخ مرجعي محدد وموحد على صعيد جميع المناطق من خلال اعتماد آلية المسح الجوي بواسطة آلية القمر الاصطناعي التي تختزن صور كل شبر في المدينة على امتداد أزيد من عقدين من الزمن. وقد سبق لوزرة الداخلية أن أصدرت في شأن ذلك دورية خاصة للشروع في تطبيق آلية المراقبة الجوية، بعد فشل المراقبة الأرضية .. وهو الشيء الذي لم يتحقق لأنه يتعارض مع مصالح الجهات المنتفعة والمستفيدة من هذه الوضعية، مما يؤكد أن الجهات النافذة تشجع علانية كل أشكال البناء العشوائي وكذلك الاستمرار في خرق القوانين لأسباب غير مفهومة.. وإلا لماذا ظلت أطر الداخلية تتملص من تطبيق كل الدوريات التي أصدرتها الوزارة على انفراد أو مع وزارة العدل وكذلك مع وزارة الإسكان؟ .. ألا يدل ذلك على أن للداخلية تصورا خاصا عن المدن والحواضر التي يجب أن يحظى بها مغرب الألفية الثالثة؟ .. قال الله تعالى” فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) سورة الحج
فإن كانت هناك إرادة حقيقية لوضع حد لها النزيف الخطير، فيجب وضع خط أحمر محدود في الزمان والمكان لا يسمح بتجاوزه لوضع قطيعة كلية مع المرحلة السابقة، ثم خلق جبهة للصمود والدفاع عن القانون تقودها السلطة بالدرجة الأولى بدعم ومساندة من طرف المجالس ومؤسسات المجتمع المدني والمواطنين أيضا، فآنذاك سيكون لمثل هذه الحملات كل المصداقية وسترتفع عنها الشبهات..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
07-09-2021

Related posts

Leave a Comment