شكل من أشكال تدبير حالة الطوارئ الصحية بطنجة – وكالات صندوق الضمان الاجتماعي نموذجا

لم نكن لنثير هذا الموضوع في نهاية مرحلة الحجر الصحي، لولا التطورات الأخيرة المنذرة بتزايد البؤر وارتفاع عدد المصابين بداء “كورونا” بشكل قياسي في بعض المناطق، خاصة وأننا أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من تجاوز الأزمة حسب المؤشرات الإيجابية التي كانت تبشر بالقرب من نقطة مغادرة منطقة الخطر .. لكن استمرار بعض الظواهر المستفزة على صعيد طنجة المصنفة كمنطقة ثانية، يجعلنا نثير هذا الموضوع الذي يضرب في الصميم مصداقية كل الجهود المبذولة، ويحول حالة الطوارئ الصحية إلى مجرد مسرحية للتسلي بسبب غياب الجد والصرامة في التعاطي مع الممارسات المخلة بالقانون.. وسنكتفي فقط ببعض النماذج التي تكشف عن سوء تعاطي بعض المؤسسات مع التدابير الاحترازية في ظل حالة الطوارئ الصحية، رغم ما يشكله ذلك من خطر على صحة المواطنين ..
فهذه صورة لتجمع فوضوي في زمن حالة الطوارئ الصحية من أمام وكالة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بشارع المملكة العربية السعودية بطنجة، حيث يستمر الهرج والمرج على حاله، وفي مرات أخرى يحضر ضعف هذا العدد طوال فترة الدوام الإداري دون أن يوجد من يغير هذا المنكر، علما أنه يجري تحت نافذة مدير الوكالة الذي يرى بالعين المجردة كما بشاشات نظام كاميرات المراقبة ما يقع بباب إدارته من تدافع واكتظاظ وعدم احترام مسافة الأمان. والسبب هو وجود جميع المستخدمين داخل الوكالة في مقابل المرتفقين المتكدسين خارجها. وتبقى صلة الوصل الوحيدة هي المستخدم التابع لشركة الحراسة الواقف داخل شباك الباب الرئيسي للوكالة، فهو لوحده من يقوم بأخذ ونقل الملفات إلى الداخل ووضعها فوق مكاتب الموظفين القابعين خلف حواسيبهم خوفا من الفيروس. عامل الحراسة وحده من يتكفل بالإجابة على استفسارات خليط من المنخرطين الذين لا تفصلهم عن العدوى إلا سنتيمترات قليلة، في الوقت الذي يحاول كل واحد منهم الظفر بمحادثة رجل الحراسة الذي يحاول جاهدا رغم عدم انتمائه إلى المؤسسة الإجابة على أسئلة الباحثين عن المعلومات بسبب إقصائهم من التعويضات الجزافية للصندوق وكذلك القادمين لسحب أوراق العلاجات أو إيداعها قبل استيفاء أجلها المحدد في شهرين. عدد لا حصر له من العمليات تتسبب في الاكتظاظ حتى في الأيام العادية، كما في بداية الحجر الصحي، حيث كان هناك عنصر من القوات المساعدة بمعية عون سلطة يحرصان على تنظيم الحشود واحترام مسافة الأمان أمام الباب الخارجي للوكالة، أما الآن فقد ترك الحبل على الغارب لأن إدارة الوكالة تعتبر أن الأمر خارج عن اختصاصها مادامت الفوضى منحصرة في الشارع العام خارج باب الوكالة. والمثير للانتباه هو أن هذا التجمهر يتم أمام مرأى رجال الأمن المتواجدين عند حاجز مروري، حيث يقتصر دورهم على مراقبة السائقين الداخلين إلى منطقة بني مكادة عبر شارع المملكة العربية السعودية والخارجين منها إلى طريق الرباط، مما يطرح التساؤل عن سبب عدم تدخل ادارة الأمن لمد يد العون إلى مثل هذه المؤسسة التي تستقطب ذلك العدد الغفير من المواطنين، ثم كذلك لماذا انسحبت السلطات المحلية من الميدان، وتركت مثل هذه النقطة التي تعج بالفوضى ؟ علما أنه في ظل فوضى تنازع الاختصاصات، يمكن للفيروس اللعين أن يحدث المفاجأة في أية لحظة. فما فائدة البرامج التوعوية والتلفزية والتصنيفات الجغرافية1 و2 وعشرات الحواجز الطرقية والدوريات التي تقطع المدينة من أقصاها إلى أقصاها إذا كانت أبواب المؤسسات والإدارات على هذه الحالة، حيث تتلاصق فيها وجوه المواطنين ببعضها البعض بشكل خطير لا يحدث حتى في الأسواق والحمامات والمساجد التي تم إغلاقها بقرار رسمي مخافة تحولها إلى بؤر للمرض يستحيل فيها تحديد ناقلي العدوى ومخالطيهم. أليس ذلك هو عين التناقض والعبث الذي لا يخطر على بال.
إن ما يحدث في هذه الوكالة ما هو إلا عينة مما يحدث في أماكن أخرى، بل صورة طبق الأصل لباقي وكالات هذه المؤسسة. وحتى نكون منصفين، فقد عمل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الكثير من أجل تحسين الخدمات لفائدة منخرطيه، كتحديث نظامه المعلوماتي ووضعه تطبيقا معلوماتيا على الهواتف يمكن من الحصول على كثير من المعلومات عن بعد. لكن ظروف كورونا أظهرت أنه ما زال أمامه الكثير من التحديات للوصول إلى هدف الإدارة الإلكترونية وحلم المغرب الرقمي في تنفيذ الإدارات لكل معاملاتها بصفر ورقة. ففي كل سنة يتم إهدار ملايين ساعات العمل في صفوف بليدة ورتيبة وطويلة للحصول على ورقة تافهة يمكن الحصول عليها من المنزل بضغطة زر فقط. فلا بد من التوصل لاتفاق بين الصيدليات والمستشفيات والمصحات والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مقابل تأدية المنخرط لمبلغ نسبة الفرق فقط لتفادي الزج به في متاهات بيروقراطية لا نهاية لها. ولابد من تجهيز الوكالات بشبابيك إلكترونية تمكن المنخرطين الذين لا يتوفرون على هواتف ذكية من الحصول على معلوماتهم بكل سهولة وحتى خارج أوقات الخدمة، مما يضطرهم للتغيب عن العمل والمجيئ إلى الوكالات للمشاركة في الوقفات المذلة أمام أبوابها.

فرغم الجهود التي بذلت من طرف هذه المؤسسة من الجهد من أجل التغيير، فإنها لم تستطع أن تتخلص من الرواسب السلبية، كما لم تتمكن من التأقلم مع ظروف العمل في ظل حالة الطوارئ الصحية، ولذلك يجد مرتفقوها أنفسهم وجها لوجه أمام خطر العدوى. وفي ظل هذه الوضعية المثيرة للقلق، ماذا يمكن القول عن باقي الإدارات التي ظلت تقليدية في ممارساتها لسنوات طويلة؟، فالأخبار القادمة من القيادات والباشويات تقول إن هناك الكثير من الأشخاص الذين يودون التنقل لأسباب مستعجلة يضطرون للانتظار ساعات طويلة تحت أشعة الشمس، وفي ظروف لا تحترم مسافة الأمان في انتظار قدوم موظف قد يأتي أو لا يأتي. ولعل الأخطر هو أنه يوجد بينهم الكثير ممن اضطروا للانتقال إلى العاصمة لأجل الاستشفاء أو إجراء عمليات مستعجلة. فما لم يتم تدارك الموقف، فالأكيد هو أننا سنفقد الكثير من الضحايا الذين سيسقطون تباعا وسيضافون إلى ضحايا الجائحة، إما نتيجة المضاعفات الصحية لتأخر العناية بهم أو نتيجة الانهيارات العصبية أو تنامي حالات الاكتئاب والإحباط المتكرر بسب طول المدة اللازمة الحصول على وثيقة التنقل.
فمتى ستدق الرقمنة أبواب أم الوزارات ؟
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
19-06-2020

Related posts

Leave a Comment