صراع الغابة مع شراسة الأطماع وقساوة الأسمنت

هناك معركة كبيرة غير متكافئة تحدث في شرق طنجة كما في غربها، تدور رحاها بين اللونين الرمادي والأخضر، الأول لون الأسمنت الذي يزرع الموت والضجيج والمياه العادمة، والثاني لون للغابة الذي يبعث رسالة الحياة ويصنع الأوكسجين والهواء النقي الممزوج بالروائح العطرة.
إن حلف الأسمنتيين حلف قوي جدا ومستقوي، يجمع بين المال والسلطة والنفوذ الذي يزداد استحكاما سنة بعد أخرى.
مدينة طنجة كانت إلى عهد قريب محاطة بالغابات من الجهات الثلاث، فيما الجهة الرابعة هي مغطاة بالبحر.
الداخل إلى طنجة من القصر الصغير يدرك جيدا حجم المعركة، فغابة الغندوري التي زرعتها أيادي صغار التلاميذ ومدرسيهم، قد اجتثت بالكامل وتحولت إلى طرق وبنايات، وما بقي منها ينتظر حكم الإعدام بعد أن علقت لوحة كبيرة لبيع قطع أرضية لإقامة فيلات على أنقاضها .
وغابة ما بعد السانية أحرقت، فنبتت عوضها غابة من العمارات هي عبارة عن صناديق أسمنتية عملاقة، تفتقر للجمالية ويغيب عنها التناسق المعماري، فلا وجود للمناطق الخضراء بداخلها، وبالكاد ترك مكان للممرات والطرق، وعفي عن نسبة مئوية صغيرة من العقار في انتظار ملئه. أما الإبقاء على الأشجار فهو كذبة تتبخر بمجرد حفر الأساسات، مثلها مثل الأكاذيب المتعلقة بإحداث مبان صديقة للبيئة أو ذات قيمة جمالية. وحبذا لو كان يتم التعامل برفق مع الغطاء الغابوي عند إحداث تجزئات من هذا النوع وسط المجال الأخضر، وذلك ففرض معادلة تقوم على الموازنة بين البناء والاحتفاظ بحصيص خاص بالأشجار . لكن الشيء الغالب على سلوك أهل المدينة بمباركة من السلطة والمصالح المكلفة بالتعمير هو اعتماد سياسة الأرض المحروقة، حيث يتم تجريف كل ما له علاقة بالغطاء النباتي والغابوي، ثم إتلاف كل مظاهر الطبيعة نظرا لحساسية المجتمع تجاه المسألة البيئية. فلا وجود لشيء اسمه الثقافة البيئية إلا في الخطابات ووسائل الإعلام. أما على مستوى الممارسة، فالسائد هو فكر الجمود وثقافة التصحر والعداء لكل ما هو أخضر ينبض بالحياة ..
غابات شرق طنجة تتجه نحو الاندثار بين كماشة البناء المرخص في غربها بتراب الشرف مغوغة وبالبناء العشوائي القادم من الشرق من جماعة البحراويين، وما بقي بينهما تتكفل الحرائق المفتعلة للقضاء عليه.
وتجدر الإشارة إلى أن كل هذه الأراضي كانت في الأصل إما أراضي سلالية، أو أراضي مسترجعة مغطاة بالغابة، وبقدرة قادر تحولت إلى أملاك للخواص مفتوحة أمام التعمير بصوره المختلفة التي لا يجمع بينها إلا طابع البشاعة والجشع العمراني والغلو في البناء دون الاحتفاظ بهامش خاص بالبيئة وبإعداد المجال، وتلك هي مأساة هذه المدينة المتجهة نحو المجهول ..ويزداد الخوف بسبب تزايد الحرائق المفتعلة التي تستهدف الغابات دون شفقة ولا رحمة في شبه تواطؤ شامل بين كل الأطراف التي تساهم في قتل القتيل ثم المشي في جنازته ..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
22-09-2020

Related posts

Leave a Comment