ضبابية وهشاشة مشروع تهيئة منتزه بيرديكاريس بطنجة

يبدو أن فصول مسرحية تهيئة منتزه بيرديكاريس بطنجة ليس لها بداية ولا نهاية، فقد ظلت كل المشاريع التي رصدت له منذ سنة 2000 تراوح مكانها، فما أن يشرع في إنجاز مخططاتها حتى تتعثر في منتصف الطريق، مما كان له انعكاس سيئ على بنية هذا المنتزه الفريد ومكوناته الطبيعية والتاريخية، حيث سيتعرض لضربة قاضية من التعرية التي أفقدته نسبة 50% من الغطاء النباتي والغابوي الذي كان يتمتع به. وذلك بفعل ارتجالية الأشغال وغياب المراقبة والمتابعة والمحاسبة، وكذلك بسبب سوء تدبير المنتزه منذ افتتاحه في وجه العموم، لأنه ظل يعاني من غياب الإدارة والحراسة وسوء توظيف المرافق التابعة له، الأمر الذي عرضه للاستنزاف؛ نظرا للعدد المرتفع للزائرين وعدم وجود نظام داخلي يحمي فضاءاته من التدهور والاعتداءات المستمرة التي تطال التجهيزات والمرافق وكذلك الغطاء النباتي الذي تراجع بشكل ملموس، علما أنه كان يشكل نسيجا وحده على الصعيد الوطني نظرا لنوعية النباتات والأشجار النادرة التي تم توطينها من طرف صاحبه بيرديكاريس حينما قام بإنشائه في نهاية القرن 19.
لقد حظي المنتزه بتنزيل ثلاثة مشاريع متتالية منذ عام 2000؛ كانت كل مرة تهدف إلى تهيئة فضاءاته وتحويلها إلى منتزه إيكولوجي، لكن كل تلك المشاريع ظلت محكومة بمنطق العشوائية، فباءت بالفشل في تحقيق الأهداف المسطرة لها، بل كانت وبالا على هذا الفضاء الذي ما زال مهددا بالتدهور المستمر نتيجة غياب الإرادة والرؤية الواضحة لدى الجهات المسؤولة التي كشفت عن سوء نيتها منذ البداية، وما زال الإشكال قائما إلى الآن..
كان المشروع الأول مبرمجا في إطار اتفاقية شراكة بين الفاعلين المحليين وجهة “باكا” بفرنسا التي تولت القيام بتمويله، لكن المشروع عرف تعثرا كبيرا جعل الشريك الأجنبي يحس بعدم جدية الطرف المغربي، وقد ساهمت التدخلات المنجزة خلال تلك الفترة في تعرية الموقع وإبادة نسبة كبيرة من الغطاء الغابوي تحت ذريعة تهيئة الفضاء الطبيعي، وكان الهدف من المشروع الأول الذي أجهض هو التوصل إلى إعداد منتزه متكامل مزود بكل المقومات، كان من بينها إحداث مختبر نباتي ومرصد لمراقبة الطيور المهاجرة. أما المشروع الثاني فقد أعطيت انطلاقته في سنة 2009، وقد جاء برؤية مغايرة لما تم تقريره في المشروع الأول، مما كانت له مضاعفات أخرى أضرت بالمنتزه وجعلته يدخل في طور من التراجع والتدهور المستمر، خاصة لما أزيلت الحواجز والسياجات الخارجية.. وفي سنة 2013 سيطرح مشروع آخر في إطار برنامج طنجة الكبرى؛ رصد له غلاف مالي قدرة 20 مليون درهم من أجل إنجاز أشغال شاملة تتعلق بإعادة ترميم وإصلاح قصر بيرديكاريس، وكل المرافق المتصلة به بهدف تحويله إلى متحف بيولوجي تاريخي، بالإضافة إلى إحداث مرافق جديدة وشق ممرات وإعداد فضاءات لاستقبال وتوفير التجهيزات الأساسية، ثم إيجاد مخطط يتعلق بالإدارة والتسيير بشكل يصب في اتجاه تثمين الموقع وتحسين خدماته.. لكن حين القيام بزيارة فاحصة لهذا الموقع الآن بعد إنجاز المشروع الأخير الذي كان من المفترض فيه أن ينتهي عام 2017؛ سيتبين أن العمل ظل ناقصا ولم تكتمل كل عناصره وفق المعايير التي وعد بها. ولعل الذي تحقق بشكل ملموس هو فتح المنتزه على مصراعيه في وجه العموم دون وجود ضوابط صارمة بسبب غياب الحراسة والإدارة المعنية بتسييره ..
وفي هذا الصدد يجب إثارة مجموعة من الملاحظات التي تطرح كعلامات استفهام حول مسار هذه التجربة التي يبدو أنها لن تكون الأخيرة؛ ولا أحسن حالا من سابقتها، مما يشكل إهدارا للمال العام وتملصا من المحاسبة، وبالتالي الترويج لمشاريع وهمية يكاد لا يكون لها أي أثر حقيقي على أرض الواقع.. فما زال الكل يتساءل عن القيمة المضافة لكل ما أنجز على صعيد هذا المنتزه المفترى عليه..
• لقد تم إنقاذ القصر التاريخي كما يقال، لكنه ظل مغلقا ومعطلا عن الخدمة بسبب تنازع الجهات المتدخلة حول الوجهة التي سيأخذها فيما يخص طريقة توظيفه واستثماره، فهل يراد منه حقا أن يكون متحفا ومزارا عموميا مؤهلا؛ أم يراد استغلاله فقط كمقهى أو مطعم أو محل خصوصي ..؟ علما أن الإبقاء على المبنى غير مشغل سيجعله مهددا مرة أخرى بالتدهور الذي بدأت إرهاصاته الأولى ..
• لقد تم إهمال المرافق المتصلة بهذا القصر؛ والتي كانت عبارة عن إسطبلات وحظائر لتربية الحيوانات والطيور والدواجن، حيث لم يتم إدراج أطلال تلك المباني ضمن عملية الترميم، وتركت لحالها مهملة..
• كان هناك منتزه وأحواض مائية خاصة بالطيور تم تجاهلها رغم وجود آثارها الدالة عليها..
• انكشاف أثر العيوب التقنية على مستوى الأشغال الخاصة بتهيئة الممرات والمسالك، حيث بدأت التشققات تغزوها من كل جانب بسبب الانجرافات التي لها علاقة بالتعرية التي طالت الغطاء الغابوي.
• عدم فتح المراحيض العمومية في وجه الزائرين الذين يضطرون لقضاء حاجتهم بين الأشجار، ثم تمركزها عند نقطة واحدة داخل المنتزه الممتد الأطراف.
• عدم العناية بالغطاء النباتي الذي يتعرض للإتلاف بسبب سوء الاستعمال أو الإصابة بالأمراض التي لا يتم تعهدها بالعلاج قبل فوات الأوان. وتجدر الإشارة إلى أن كثيرا من الأشجار قد ذهبت ضحية الإحراق انطلاقا من الجذوع التي كانت تستعمل لإعداد المواقد، وذلك نتيجة التساهل مع مستعملي النار داخل المنتزه..
• عدم تزويد السقاية المنجزة بالماء عن طريق ربطها بالشبكة العمومية للماء؛ إن كان هنالك تخوف من استعمال مياه المنبع الطبيعي الذي تم الاستغناء عنه..
• عدم توفر الحراسة الأمنية للاطمئنان على سلامة المرتفقين والحيلولة دون تعرضهم للاعتداءات على يد اللصوص والمنحرفين، مما يستلزم توفير نظام للمراقبة بواسطة الكاميرات والحراس..
• استمرار الحجر على دار الغابة، وهي البناية المجودة في مدخل المنتزه، والتي لم تحدد هويتها إلى الآن، ولا الكيفية التي ستستغل بها.
• عدم توفر الصيانة والحراسة يجعل كل التجهيزات في مرمى التهديدات والاعتداءات، مما يساهم في إتلافها أو تعطيل وظيفتها (الكراسي والطاولات، قمامات النفايات، الوسائل الخاصة بألعاب الأطفال، اللوحات الفنية والمجسمات الخاصة بالزينة، علامات التشوير..).
• عدم إتمام عملية ترصيف وتعبيد كل المسالك، حيث تم الاكتفاء بالنسبة للبعض بتغطيتها بالحصى(الجرافيط) الذي بدأ يتلاشى بسبب عامل التعرية الناتج عن سيول الأمطار وتحرك الراجلين ..
• تقلص مساحة المنتزه بفعل فتح فضاءات داخلية مجردة من الغطاء الغابوي، وكذلك اقتطاع جزء من العقار الموجود عند حدوده الشرقية، والذي تم تسييجه بهدف فصله عن المنتزه، علما أنه يشكل امتدادا له، كما أنه يحمل نفس الغطاء الغابوي، مما يطرح التساؤل حول سبب اقتطاعه بدلا من ضمه بشكل رسمي إلى المنتزه دون مواربة أوتحايل على الوعاء العقاري الأصلي.
وتفاديا لتفويت تلك المساحة لفائدة الخواص وفتحها أمام التعمير؛ نطالب بإزاحة السياح لوضع حد لكل الشبهات وطمأنة الرأي العام حول مصير هذا المنتزه الذي كان وما زال محط أطماع متعددة.. فبالعين المجردة يتبن أن الوعاء العقاري للمنتزه لم يبق على أصله بعد أن تعرضت أجزاء منه للترامي والتفويت على مستوى حدوده الجنوبية والشرقية.. وهو ما يدعو إلى فتح تحقيق نزيه حول هذا الملف، خاصة وأن صاحب الملك الأصلي حين وضع تصميما وحدودا لملكه وفق مواصفات الجمالية؛ لم يكن ليقبل بحدود ممزقة تتخللها مساحات يمكن أن تتحول مع مرور الأيام إلى مبان للغير .. فذلك ما لا يقبله العقل، كما أن مثل هذه الشخصية العالمية لا يمكن أن تقوم بتشجير أرض الغير والاستحواذ عليها.
• اختفاء مجموعة من النباتات الاستثنائية والفريدة التي كانت تميز المنتزه عند افتتاحه، مما يطرح علامة استفهام حول كيفية تدبير هذا المرفق المهدد بالانقراض.
وفي الختام يمكن القول إن التاريخ يعيد نفسه على صعيد منتزه برديكاريس، فلا زال الغموض يكتنف هذا المشروع الذي لن يعرف طريقه إلى الحل النهائي؛ ما دامت هناك أطراف تحاول أن تجعل منه غنيمة بأي شكل من الأشكال، وإلا لماذا هذا التأخير والمماطلة في إنجاز المهام كاملة حتى يستوفي المنتزه كل الشروط المادية والمعنوية؟. ومن أجل تسليط الضوء على الغموض الذي يحيط بهذا الملف عبر كل المراحل التي مر بها، نعيد نشر رسالة مرفقة بتقرير تم رفعها من طرف الرابطة إلى المسؤولين بتاريخ 5 مارس 2009 من أجل حثهم على تحمل المسؤولية وتنبيههم إلى النقائص التي تكتنف كل المشاريع التي يتم تنزيلها على أرض الواقع، مع المطالبة بفتح تحقيق حول كل الفضائح المرتبطة بهذا الموضوع ..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
19-11- 2021
رابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين بجهة طنجة تطوان
5 مارس 2009
إلى السيد والي جهة طنجة تطوان:
الموضوع: طلب فتح تحقيق حول أسباب تعطل مشروع تهيئة منتزه بيرديكاريس بطنجة.
فعلاقة بالموضوع أعلاه، يشرفنا أن نتوجه إلى سيادتكم بطلب إجراء تحقيق حول أسباب عدم اكتمال مشروع تهيئة المنتزه الجهوي بيرديكاريس بطنجة الذي توقفت أشغاله منذ سنة 2005، وذلك بعد الشروع في إنجازها سنة 2000 في إطار اتفاقية شراكة تضم عددا من المتدخلين؛ وعلى رأسهم ولاية طنجة، حيث تبين بالملموس وجود تعثر في إنجاز الأشغال التي كانت مقررة، والتي وصلت إلى الباب المسدود جراء عدم وجود التنسيق بين المتدخلين، وغياب المراقبة والمتابعة الجادة للمشروع، مما كان سببا في وقوع أخطاء قاتلة ما زالت تداعياتها قائمة.
وبالنظر لهذه الحيثيات التي تشكل ملمحا لواقع عنيد أصبح يتحدى الجميع، نلتمس منكم النظر في المطالب التالية:
1 – البحث في سبب تعطل المشروع الذي كلف مجلس جهة طنجة تطوان ومجلس جهة “باكا” بفرنسا إنفاقا ماليا لا يستهان به من أجل إنجاز الأشغال الأولية.
2- تتبع سبب عدم خضوع الموقع الموجود على مساحة 67 هكتارا للحراسة المحكمة والدائمة.
3- كشف أسباب التهاون والتقصير المسجل تجاه الأنشطة المدمرة التي يتعرض لها الموقع بشكل دائم، والتي تتحدد في(حرق جذوع الأشجار من أجل التعجيل بموتها، إتلاف الغطاء الغابوي والنباتي، طرح النفايات، إشعال الحرائق، قطع الأشجار..)
4- التساؤل عن مصير مئات الأطنان من خشب الأشجار الضخمة التي تم قطعها من طرف إحدى المقاولات في إطار عملية التنقية، بهدف إعداد كراس ومقاعد لاستقبال الزوار وسياجات خاصة بالمعابر..
5-البحث عن سر تراجع مساحة المنتزه من 70 هكتارا كما هو منصوص عليه في بعض الوثائق إلى 67 هكتارا في ظروف غامضة، والتأكد من مدى احترام حدوده الأصلية من طرف أصحاب العقارات المجاورة في الجهة الشرقية.
6- فتح تحقيق حول آثار أعمال التخريب والسرقة التي تعرض لها المبنى التاريخي وتجهيزاته من (خشب وأثاث نفيس ورخام وتحف ..)
7- الكشف عن طبيعة البرامج التي كانت مقررة ضمن مكونات هذا المشروع المعطل، مع العمل على إحيائها..
8- تشكيل إطار مسؤول منفتح على المجتمع المني يتكفل بإعادة النظر في المخطط والإشراف على التنفيذ والإنجاز في إطار من التشاور والتعاون ..
9- إعادة النظر في قرار تعرية الحدود الخارجية للموقع بهدف حمايته، وذلك بعد أن تم القيام بإزاحة السياج الذي كان في طور الإنجاز ..
وفي انتظار تدخلكم؛ ندعو سيادتكم إلى المبادرة بإزالة الغبار عن هذا الملف الذي يلفه الغموض بسبب الإهمال والتماطل في الإنجاز والصمت المطبق للجهات المسؤولة، مع العمل على الاستجابة للمطالب المعروضة عليكم.. وللوقوف على مزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع الذي يشغل بال الرأي العام المحلي والجهوي، نرفق طيه ملحقا خاص تجدونه معززا بصور
المكتب
ملاحظة أرسلت نسخة إلى الجهات التالية:
مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة.
ولاية جهة طنجة تطوان.
مجلس جهة طنجة تطوان.

Related posts

Leave a Comment