طريق “الإهانة” إلى كلية الطب بطنجة

كانت المحنة الأولى التي مر بها طلبة كلية الطب بطنجة هي تأخر موعد افتتاحها ودخولها حيز الخدمة بعد ثلاث سنوات من الانتظار رغم انتهاء أشغال البناء. أما المحنة الثانية فتتعلق ببعد المؤسسة عن مركز المدينة بحوالي 18 كيلومترا، وتواجدها على خط تقل فيه وسائل النقل العمومي المنتظمة والكافية والمؤهلة، مما يرغم الطلبة وأطباء المستقبل على تحمل عناء مشقة التنقل من المدينة وغلاء التكلفة وعذاب الرحلة التي يعرف الكل العراقيل التي تعترضها بسبب اختناق حركة السير على صعيد الطريق الوطنية انطلاقا من مركز كزناية إلى وسط المدينة ….
أما المشكل المعيب الذي يدين قرار الجهات التي وقفت على إخراج هذا المشروع المبتور، هو غياب طريق الربط مع الكلية، حيث يعتمد الطلبة والأساتذة وكل الأطر العاملة بالكلية على استعمال مسلك ضيق يلتوي كالحية حول مستشفى الأمراض السرطانية، ثم يمر بجوار إحدى الوحدات الصناعية من أجل الوصول إلى مقر الكلية التي تفتقر إلى طريق لائق يربطها بالطريق الوطنية مباشرة، لأن هاجس الاقتصاد لدى المسؤولين، وباعث التخفيف من التكلفة المالية للمشروع في الجانب المتعلق باقتناء العقار عن طريق نزع الملكية، جعلهم يقتصرون على ذلك الحل المحتشم الذي حكم على هذه الكلية بالعزلة، ولعل مشهد جحافل الطلبة وهم يجتازون ذلك الطريق المغبر ( الموحل خلال فترة نزول الأمطار)، قبل أن يتم الالتفات إليه والقيام بتعبيده، لهو خير دليل على قمة الاستهتار بالمسؤولية من طرف الجهات التي أشرفت على تنزيل هذا المشروع ضمن مخطط طنجة الكبرى، حيث كان الهاجس الأساسي هو التظاهر بخلق مشاريع مهيكلة كبيرة دون مراعاة الجوانب المتعلقة بالتأثيرات الاجتماعية السلبية، وكذلك التصميم المجالي لتلك المنطقة التي تمثل واجهة المدينة في المستقبل.. فهل يعقل أن يكون هذا المركب الجامعي الذي يضم المستشفى الجامعي وكلية الطب ومستشفى السرطان مجردا من المواصفات الخاصة بالتصميم العمراني المتكامل؟، ففي غياب هذه الشروط التي لم تتم مراعاتها أو تم تجاهلها، حكم على هذه المؤسسات الثلاث بالنفي المسبق بسبب البعد عن المدينة، وعدم توفر أي مرفق عمومي للقرب في محيطها، ثم غياب وسائل النقل العمومي ..
وتجدر الإشارة إلى خطأ كبير يرتقي إلى مستوى الجريمة، قد ارتكب من طرف المسؤولين عن تنظيم المجال بطنجة، والذين تعمدوا التشطيب على التصميم المديري للمنطقة، ثم تصميم التهيئة الخاص بمدينة العرفان ببوخالف الذي رصدت له مئات الهكتارات من أجل أن يكون المشروع نسخة لمدينة العرفان بالرباط، أي أن يشكل نواة للمركب الجامعي الذي يجب أن يستوعب كل المؤسسات الجامعية المقررة في المنطقة مستقبلا. وهو ما يعني ضرورة الحرص على المساحات الخاصة بالرصيد العقاري الاستراتيجي. لكن جهل المسؤولين وتواطؤهم ضد مصلحة هذه المدينة جعلهم ينقلبون 180 درجة ضد ذلك التصور، حيث تم إجهاض مشروع مدينة العرفان من الأساس عن طريق التحايل. وكانت المؤسسة الوحيدة التي نجت هي كلية العلوم والتقنيات التي قدر لها أن تبنى بالمنطقة، في حين أن مآل المشاريع الأخرى اللاحقة سيكون هو الإقصاء والدفع بها إلى مناطق أخرى بعيدة، مثل ما وقع مع كلية الحقوق ومدرسة التجارة التين تم ترحيلهما إلى حي ساتفيلاج، وكذلك معهد فهد للترجمة الذي تمت استضافته داخل مقر ثانوية الملك فهد التي سيحكم عليها بالبحث عن بديل لمقرها الأصلي.. والسبب هو أن كل المساحات الأرضية التي تم رصدها لإنشاء مدينة العرفان، والتي كانت في معظمها من الأراضي المسترجعة. كما كانت من أجود الأراضي الفلاحية المدرة للإنتاج الوفير، قد تم توزيعها على المنعشين الخواص، وكانت حصة الأسد من نصيب شركتي الضحى والجامعي من أجل إنشاء المجمعات السكنية الخاصة بالسكن الاجتماعي( وما أدراك ما السكن الاجتماعي ) .. وبسبب ذلك تم تفويت الفرصة على كل ما له علاقة بمشاريع الاستثمار العمومي. وحينما ظهرت فكرة إحداث المستشفى الجهوي بالمنطقة، وكذلك كلية الطب والمستشفى الجامعي ومستشفى السرطان، لم يجدوا موطئ قدم داخل مدينة العرفان، حيث تم اختلاق المبررات من أجل عرقلة إدخال هذه المشاريع إلى المنطقة التي كانت معظم عقاراتها موجهة لاستقبالها. وقد تم التشبث بعدم إمكانية البناء قرب المطار، علما أن مساحات واسعة من المطار نفسه قد تحولت إلى فضاء لاستقبال المنطقة الحرة التي تضم العشرات من الوحدات الصناعية التي توجد على مرمى حجر من مدرج المطار.
وحينما طرح موضوع البحث عن الوعاء العقاري لاستقبال تلك المشاريع في إطار مخطط طنجة الكبرى، لم يقع الاختيار على الأراضي القريبة من وسط المدينة، كما لم يتم اقتناء العقارات المناسبة من الرصيد العقاري للأملاك المخزنية في عدد من المواقع، ما دام الأمر يتعلق بالمصلحة العامة، بل تم البحث عقار غير مكلف عن طريق استهداف وعاء عقاري تابع للأراضي السلالية، وهو عبارة عن هضبة مغطاة كانت تضم موقعا تاريخيا يعرف بغابة الصوير، والتي تم تدمير أجزاء منها من أجل فسح المجال لبناء تلك المشاريع الثلاثة، وذلك لتفادي البحث عن عقار مؤدى عنه، لأن معظم أراضي الدولة الصالحة للبناء قد تم توزيعها على الخواص عن طريق التفويتات المشبوهة، مما أدى في النهاية إلى إفراز هذه الخارطة المثيرة للجدل والتي تدعو إلى التساؤل عن سبب الدفع بهذه المشاريع إلى منطقة كان من الأولى الحفاظ على تضاريسها لأنها تشكل امتدادا للغابة الدبلوماسية، وعدم المس بها وتغيير معالمها الطبيعية.
وعليه فإننا ندعو إلى التكفير عن هذا الخطأ القاتل، وذلك عن طريق إيجاد طريق مستقيم يصل إلى الكلية عن طريق سلك مسطرة نزع الملكية قبل فوات الأوان، مع إلحاق الأراضي المحيطة بها وضمها إلى مساحة الكلية بهدف توسعتها مستقبلا والحفاظ على صورتها المرئية انطلاقا من الطريق الرئيسي. لأنه في حالة عدم اتخاذ هذا القرار، ستتحول الكلية إلى مجرد مؤسسة عادية معتمة خلف الوحدات الصناعية والمباني السكنية، أي أنها ستكون امتدادا لمنطقة صناعية عشوائية في طور التشكل..
أفلا يليق بهذه الوحدات (الكلية وكذلك مستشفى السرطان والمركب الجامعي فيما بعد) أن يخصص لها خط للنقل العمومي يربط بين عدة مناطق يكون موزعا على حافلات النقل الحضري، وسيارات الأجرة للتخفيف من معاناة الطلبة والمرضى ..؟
وبالنظر للبعد عن المدينة، أفلا يتم التفكير من الآن في إحداث حي جامعي مواز لهذه الوحدات الجامعية، وكذلك منع البناء بالجوار من أجل إضافة وحدات جامعية أخرى إن اقتضى الأمر ذلك بحكم توسع المدينة التي ستحتاج في المستقبل إلى مزيد من البنايات الخاصة بالتعليم الجامعي في كل التخصصات، ثم وقف البناء على صعيد الهضبة التي تشكل الحزام الطبيعي لذلك الموقع، والإبقاء على الغطاء الغابوي والاحتفاظ به كمنتزه طبيعي للمنطقة..؟
، ومهما تكن حدود الاستجابة إلى هذه المطالب، سيظل الكل يتساءل أين تبخر مشروع مدينة العرفان؟ ومن يتحمل مسؤولية إقبار هذا المشروع والالتفاف عليه؟ إن أول جهة معنية بهذا السؤال هي وزارة الإسكان والتعمير التي أشرفت على إدارة هذا المشروع، ثم سلطات ولاية طنجة ومجلسها الجماعي ابتداء من سنة 2003 .

المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
11-11-2019

Related posts

Leave a Comment