طنجة الكبرى ومعضلة التوسع العشوائي نحو المجهول

ماذا لو عاد الفنان الحسين السلاوي الذي تغنى بعلياء طنجة وسواريها، وأطل حاليا على مشهد عروس الشمال ومركز الجهة، فبماذا سيصفها هذه المرة؟، ما من شك أن كل قدرات الخيال الفني ستضيع أمام هول ما سيطلع عليه من كوارث عمرانية لا حدود لها ..مدينة متوحشة تنمو خارج نطاق العقل والمنطق، كما تخالف قوانين الطبيعة والفطرة والذوق السليم، وتنقض نفسها بنفسها، حيث تم القضاء على كل مقوماتها التي تعرضت للمسخ والاجتثاث خدمة لأجندات خاصة كشفت عن فشلها، كما أخطأت الموعد مع التاريخ، والدليل هو الفشل الذي مني به عدد من المشاريع منذ بداية السبعينيات، والتي لم تؤت ثمارها وفق ما كان مخططا لها. والمثال هو مآل أغلب المشاريع السياحية، ثم المشاريع العمرانية والصناعية، حيث لا توجد بالمدينة كلها ولو تجزئة سكنية واحدة تستوفي كل المواصفات على صعيد الجمالية والتناسق بين المباني على مستوى العلو، والتصفيف، وكذلك في الجانب الأساسي المتعلق بوجود المرافق الأساسية، حيث توجد تجزئات مرخصة لكنها تفتقر إلى كل المرافق الأساسية، حيث تم الافتئات على كل المساحات المخصصة لهذا الجانب، بل حتى الطرقات العمومية تم اقتطاع جزء منها لتتحول إلى ملك خصوصي، بل يمكن الجزم بعدم احترام التصاميم العمرانية على صعيد كل المناطق المبنية بشكل جزئي أو كلي أحيانا.. وكل ذلك يمر أمام أعين المصالح المختصة من محافظة، ومجالس بلدية، وسلطات الداخلية وإدارة الإسكان،.. بل بتزكية من كل هذه الأطراف. فلم يكن هناك من يقول اللهم هذا منكر، قبل أن يتم الخروج بهذا المولود الهجين الذي يصعب تصنيفه ممثلا في مدينة تجمع بين كل المتناقضات ..وبالنظر لهذا المشهد المأسوي الذي لا يمكن تغييره في إطار الجيل الحالي من المسؤولين والمواطنين أيضا، لأنه يحتاج إلى انقلاب جذري في التصور وفي الإرادة، وخلق طينة أخرى من المواطنين الذين لا يمكن تهيئتهم عن طريق الأحلام، فالعبرة ليست بالقوانين والنصوص الجامدة، بل تكمن في العمل بروحها وتطوير مضامينها بشكل يحقق التوازن بين المصلحة العامة والخاصة، مما يفرض التجرد من المصلحة الخاصة والخضوع لشعار مقدس واحد هو” الله الوطن الملك”، وهو الشيء الذي نناقضه بسلوكنا وأفكارنا وأحاسيسنا، ونخادع أنفسنا ، وإلا بماذا يمكن تفسير هذه الفوضى التي تعم مجال التعمير على صعيد مدينة طنجة- نموذجا- التي تتحرك كالأخطبوط الذي يتلوى في كل الاتجاهات، ويحاصر كل ما له علاقة بالطبيعة والجمالية والتنظيم والتخطيط المستقبلي ..وإلا بماذا يمكن تفسير التدبير العدواني الذي يدار به هذا القطاع ؟
والمخيف الآن ليس هو الوضع الداخلي للمدينة ومدارها الحضري بعد أن قضي الأمر، ولكن الخوف كل الخوف على محيطها الخارجي، الذي يتمثل في تلك المداشر والتجمعات السكنية الممتدة على صعيد تراب الجهة، والتي كانت إلى حد قريب محافظة على عذريتها وبراءتها وجمالها الطبيعي. فهي بدورها تتحرك خارج أي تصور مستقبلي معقلن يضمن لها النجاة من المأساة التي وقعت فيها المدينة. فحين النظر إلى كل التجمعات السكنية الممتدة شرقا نحو قبيلتي ودراس وأنجرة، والتي تتواصل في النهاية مع تطوان عبر دواوير قبيلة الحوز، نجد ذلك الحضور القوي للبناء العشوائي الذي يفتقد إلى أبسط المعايير الخاصة بنمط التمدن الحضاري، ونفس الأمر يتم غربا وجنوبا، حيث نجد كل الدواوير التابعة لإقليم طنجة أصيلة تسير في نفس الاتجاه. فهي تشكل إعادة إنتاج نمط البشاعة والرداءة بكل تمثلاتها، لأن البناء يتحرك بعيدا عن الضوابط القانونية في غياب أي تخطيط أو تصور استراتيجي يؤطر النشاط العمراني بهذه المناطق، لأن المسؤولين يعملون بنظرية ” دعه يمر دعه يفعل” من غير أن يرف لهم جفن إلا إذا تعلق الأمر باتخاذ قرار راديكالي واحد هو الامتناع عن منح تراخيص البناء، وليس منع البناء العشوائي الذي يتناسل يوميا في كل الاتجاهات ..
والمؤسف أن كل تلك المجموعات السكانية كانت تعيش حياتها مستقرة قبل وصول المد المتعلق بالتمدن المزيف. كما تتوفر كلها على الأراضي السلالية التي كانت تستغل بشكل جماعي في إطار العرف.. لكن كل ذلك لم يتم توظيفه لتحصين البادية من الانهيار أمام هذا المد الذي تحول إلى تغير عنيف، حيث كان في الإمكان تنظيم هذا التجمعات من أجل أن تحقق النقلة بشكل متدرج من مستوى القرية إلى نواة الحاضرة المستقبلية. وكان في الإمكان استغلال الرصيد العقاري لأراضي الجموع من أجل تنظيم الساكنة وتأطيرها وفق تصور جديد قائم على استحضار تصاميم عمرانية تراعي خصوصيات كل منطقة على حدة، يؤدي في النهاية إلى وضع اللبنة الأولى لقرى نموذجية، ثم لمدن مستقبلية وفق معايير متقدمة تضمن حق الساكنة في الاستقرار من خلال توفير كل المرافق، مع صيانة حق الملكية الخاصة، بدلا من تركها لحالها لتنمو بشكل عشوائي وتظل خاضعة لمنطق التوسع العشوائي، وتزايد عدد السكان نتيجة الهجرة المضادة من المدينة إلى القرية ..
فهل كان المسؤولون يعدمون الحل لو فكروا جيدا في المستقبل من أجل تفادي إعادة إنتاج المدن العشوائية، وذلك من خلال الاستئناس بأمثلة ونماذج القرى في الدول الأوربية، التي يمكن أن ننسج على منوالها قرى نموذجية على صعيد كل هذه المناطق التي يفترسها البناء العشوائي، مع إعطاء كل منطقة تصميما خاصا ووظائف محددة، ثم إشراك السكان في إدارة شؤونهم من خلال خلق مجالس مصغرة لإدارة شؤون كل قرية وتحديد توجهها المستقبلي في كافة المجالات ..
لكنه للأسف، فرغم المخطط الأخير المعلن عن لإعادة الاعتبار للسلاليين من خلال إحصاء عددهم، وإعادة توزيع الأراضي السقوية على ذوي الحقوق، وكذلك الدفع بعملية استغلال أراضي الجموع في إطار التعاونيات أو الكراء من أجل تشجيع الاستثمار، نجد أن هذه العملية ظلت قاصرة عن تحقيق الأهداف، نظرا لما تعانيه من الارتباك بسبب عدم وضوح المسؤولين في التعاطي مع هذا الملف على الصعيد الوطني، ولذلك ظلت تلك الثروة البالغة 16 مليون هكتار من أراضي الجموع في مهب الريح، لأنها ستظل محل التنازع والصراع بين مختلف الأطراف المتلهفة للسيطرة عليها وتوزيع مساحاتها، مما سيعرضها للضياع في نهاية المطاف. فما زال السلاليون على صعيد مختلف الجماعات السلالية يتساءلون عن محلهم من الأعراب ضمن هذه المعادلة المعقدة، حيث عانى الكثير منهم من الإقصاء خلال عملية الإحصاء، كما أن أغلب الأراضي أصبحت خاضعة للحيازة من طرف الأقلية التي تغتني على حساب الأغلبية، مما شجع على تنامي مظاهر الإقطاع في عدد من المناطق بالمغرب، حيث أصبح السلاليون محرومين حتى من الطريق العمومي، ومن عيون الماء، ومن المراعي ومن الملك الغابوي ومن المجالات المخصصة للرعي. بل أصبحت العديد من الجهات محرومة من الأمن والاستقرار بسبب الحروب التي تشن عليها من طرف أرباب المقالع التي يتم زرعها في هذه المناطق ضدا على إرادة السكان ..
إنها إشكالية معقدة، ويزيد من تعقيدها غياب الوعي لدى أغلب السلاليين المعنيين بالأمر، لأن الإدارة الوصية وكذلك المجالس المنتخبة لا تقوم بدورها في توعيتهم بحقوقهم، وإرشادهم إلى الصواب بخصوص كيفية استغلال أراضي الجموع، كما لم تعمل أبدا على تأطير الساكنة بالشكل الذي يخدم مصالحها المتبادلة دون التفريط فيما له علاقة بالمصلحة العامة وبالوظيفة الاجتماعية لتلك الأراضي التي لا يجب التفريط فيها، بل هي على العكس من ذلك تستغل هشاشة وضعيتهم وتستقوي عليهم بسلطة القانون من أجل تفويت تلك الأراضي لفائدة المنتفعين من كعكة اقتصاد الريع ..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
13-09-2019

Related posts

Leave a Comment