طنجة تفقد أحد رجالاتها المباركين الأستاذ الجليل سي محمد المراكشي

رزئت مدينة طنجة أمس بوفاة أحد أبنائها البررة الأستاذ الكبير سيدي محمد المراكشي الذي انتقل إلى الرفيق الأعلى يوم الأربعاء 21 رمضان 1439 الموافق ل 6 يونيو 2018 ، وقد وري جثمانه الطاهر الثرى بمقبرة سيدي عمر وسط جمع غفير من المشيعين جمع بين تلاميذه وأصدقائه وأحبائه وأقاربه وجيرانه ..فكانت جنازة مباركة بكل المقاييس، لكونها تصادف بداية العشر الأواخر المباركة. كما تمت بحضور مميز، يمثل مختلف الأطياف والمشارب الاجتماعية والثقافية والسياسة بالمدينة. كانت لحمته هي روح المراكشي الطاهرة التي جمعت في هذا اليوم المبارك بين وجوه لم تلتق منذ عدة عقود. وكان الخيط الرابط بينها هو الإعلان الجماعي عن الوفاء لعريس الأساتذة والمربين، واستحضار أياديه البيضاء وفضله الكبيرعلى الجميع. فالكل يعده أستاذا له بكل فخر واعتزاز. إنه موصوف بأستاذ الجميع. فلم يكن هناك إلا شاكر أوداعي له، أو مثني على سلوكه وأخلاقه وطيبته الناذرة وإنسانية الفريدة.
ولد سي محمد المراكشي بالرباط سنة 1941 من أبوين من أصل مراكشي، كانا في طريق هجرتهما من مراكش هروبا من جبروت سلطة التهامي الكلاوي في اتجاه الشمال، إلى أن استقرا بحي المصلى بطنجة، حيث نشأ المراكشي وترعرع، وفي سنة 1949 دخل إلى المدرسة الفرنسية العربية بحي المصلى، حيث تابع دراسته الابتدائية. فكانت صدمته الأولى هي وفاة والده سنة 1953، مما فرض عليه مضاعفة اجتهاده من أجل نيل الشهادة الابتدائية بهدف الحصول على عمل لمساعدة أسرته المكونة من والدته وأخته وخالته. وظهر تفوقه الدراسي الذي لازمه طيلة مراحل تعلمه، حيث كان يحصل على النتائج الأولى في كل المواد. وفي سنة 1954 حصل على الشهادة الابتدائية بأول رتبة على صعيد طنجة. فالتحق بأول فوج للإعدادي بطنجة في أول تجربة له بقسم مستعار بمدرسة بيرشي الفرنسية بين سنتي 1954/1955 إلى أن اكتمل بناء مدرسة الزيتونة التي افتتحت سنة 1955 لتشكل أول نواة للتعليم الإعدادي والثانوي بطنجة. وفي سنة 1957حصل سي المراكشي على شهادة الدروس الثانوية في أول فوج للتعليم الأهلي بطنجة. وقد احتل الرتبة الأولى بعد اجتياز الامتحان الذي نظم بليسي رينيو. وحينما حل موعد تنظيم مباراة عامة بكل الثانويات الفرنسية بالعالم، وهو تقليد معمول به منذ عهد نابليون الأول بهدف اكتشاف أصحاب الأدمغة المتفوقة، ترشح المراكشي للمشاركة في امتحان مادة اللغة العربية. وكان الممتحن الوحيد داخل القاعة بمدرسة ليسي رينو تحت إشراف لجنة من الأساتذة ..وتمكن في وقت وجيز من إنجاز الامتحان. فتوصل بعد شهر بخبر نجاحه المعلن عنه في جريدة لموند ، حيث احتل الرتبة الأولى في مادة العربية. وفي متم سنة 1960 طلب منه الالتحاق بباريس لتسلم الجائزة من رئيس الدولة الفرنسية بحضور كبار المسؤولين والمثقفين الفرنسيين منهم أندري موروا، جان كوكطو ..ونظرا لتغيب الماريشال شارل ديغول الذي كان يجري مفاوضات إيفيان مع الجزائريين . فقد أناب عنه الوزير الأول ميشيل دوبري الذي تسلم منه المراكشي الجائزة المحصل عليها. وبعد انتهاء الحفل استضيف بفرنسا مدة 45 يوما . تمكن خلالها من التعرف على معالم فرنسا الثقافية والعلمية والحضارية. ووقف على سحر باريس مدينة الأنوار. فعرضت عليه الإقامة ومتابعة دراسته الجامعية. لكنه فضل العودة إلى بلده بسبب ظروفه العائلية رغم كل الإغراءات ..وبعد حصوله على شهادة الباكلوريا. إلتحق بكلية العلوم بالرباط شعبة MPC . لكنه قرر بعد سنة العمل بقطاع التعليم مباشرة. فعين أستاذا للرياضيات بثانوية ابن الخطيب ( زينب لاحقا) ابتداء من سنة 1962. فكان أول مغربي مسلم يدرس الرياضيات بالفرنسية بطنجة. وفي سنة 1972 قرر الالتحق بالعمل الإداري بنفس المؤسسة، فعين حارسا عاما . واستمر في منصبه إلى أن بلغ سن التقاعد سنة 2002 . وقد عايش خلال تجربته الطويلة مجموعة من المديرين، حيث عمل مع كل من محمد الأخضر غزال، ومحمد الشياظمي، وبنيخلف من الجزائر، وعبد القادر جعفر، وفارس بن الشيخ، وعبد السلام البشيري.
وإلى جانب تألقه في المجال الدراسي والعملي، فقد عاش سي المراكشي حياة حافلة بالعطاء المثمر بفضل نشاطه الفياض، وتعدد مواهبه وميوله ، وغزارة ثقافته. فقد كان موهوبا في المجال الرياضي، حيث كان لاعبا متألقا في فريق كرة السلة الممثل للثانوية. كما شارك خلال فترة الدراسة في مسابقات ألعاب القوى وفي فرقة الثانوية للروكبي. وكان متفوقا في اللعب بسبب خفته ولياقته البدنية ثم طول قامته … كما لعب في فريق طنجة لكرة السلة، وبفرقة الشرطة. واستمر في مزاولة نشاطه الرياضي رغم التحاقه بالعمل إلى أن انقطع عنه سنة 1982.
ارتبط سي المراكشي بالعمل الوطني منذ نعومة أظفاره، حيث بدأ تعاطفه المبكر مع حزب الاستقلال سنة 1953 وهي الفترة التي شكلت منطلق وعيه بالوطنية. فكان يساهم في كتابة اللافتات بحكم إتقانه للخط. و بفضل التأطير على يد الأساتذة. ونتيجة تأثره بقراءة كتب التاريخ الفرنسي، تكونت لديه ميول نحو اليسار السياسي. فالتحق سنة 1965 بحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وبالاتحاد الاشتراكي فيما بعد. إلى أن اعتزل نشاطه السياسي بعد إحالته على المعاش. وقد سبق له أن ترشح في الانتخابات البلدية سنة 1976 . وفي الانتخابات البرلمانية لسنة 1984. وكان مثالا للمناضل الصادق الملتزم. مما جعله يحظى بالتقدير في صفوف كل الاتحاديين . فكان يقدم على غيره في ترأس عدد من المؤتمرات الإقليمية للحزب. وكان رأيه يؤخذ بعين الاعتبار ..ونظرا لإيمانه بأهمية العائلة في دعم وإسناد العمل النضالي، أقنع زوجته الطاهرة السيدة مليكة الحطاب بالانخراط في صفوف الحزب، فكان أول شخصية يصطحب زوجته إلى الحزب. مما ساهم في خلق النواة الأولى الخاصة بالقطاع النسوي. وقد ساهمت بدورها في العمل الحزبي وانتخبت عضوا بمجلس جماعة الشرف بطنجة ..
كما سبق له أن انضم إلى الكشفية الحسنة سنة 1956 واستمر بها إلى سنة 1960. وكان مصنفا ضمن الجناح التقدمي بالمنظمة. ومن جانب آخر ظل المراكشي ملازما لجمعية الاتحاد المسرحي الطنجي. فكان مستشارا إلى جانب عدد من الأعضاء، منهم صديقه المقرب عبد السلام المرابط الذي كان يرأس الجمعية.
لقد شكل سي المراكشي الأنموذج الذي يقتدى به ، حيث كان يحظى بالتوقير والاحترام من طرف كل من عرفه ومن لم يعرفه. فقد اشتهر بجديته وإخلاصه الناذر، وبكفاءته وحنكته، ومهارته وخبرته في المجال التربوي والإداري، حيث يعد أشهر حارس عام بطنجة. بل كان عمله يرقى إلى مستوى أعلى بحكم تجربته الطويلة. فكان يتطوع لإلقاء دروس الرياضيات لفائدة التلاميذ داخل الأقسام في حالة تغيب أحد أساتذة المادة. وكان يتولى أيضا إعداد جداول الحصص الخاصة بالتوزيع التربوي داخل الثانوية بفضل إتقانه لعمله وحكمته وذاكرته القوية التي يضرب بها المثل، حيث كان حافظا لأسماء تلاميذ الثانوية، ملما بطبائعهم وميولهم ومشاكلهم ومستواهم الدراسي ووضعيتهم الاجتماعية ..ولذلك سيظل مثالا خالدا لكل هؤلاء. فما من أحد إلا ويستحضر جزءا من الذكريات التي جمعته بسي محمد في مختلف المحطات ..
وقد ظل سي المراكشي طيلة حياته يمثل ذلك النموذج الأخلاقي. بل كان يجسد منظومة من القيم النبيلة التي أكسبه شخصية قوية ومميزة، وذات مصداقية. فكان محبوبا من طرف الجميع. وكان مثالا للصدق والأمانة والإخلاص والتضحية، ونكران الذات، وحب الوطن والتضحية من أجل الآخر. وذلك منذ أيام دراسته. وكذلك حينما أصبح موظفا، حيث كان يتطوع لتقديم دروس الدعم بالمجان في مادة الرياضيات التي يتقنها لفائدة التلاميذ وإلى كل من يحتاج إليه ..وعرف أيضا بطرافته وتواضعه، وبأقواله وأفعاله المأثورة التي تدل على حكمته وعمق تجربته وثراء معرفته. فكان يقارب في سلوكه أخلاق الأوليات، ويبرز ذلك في تواضعه وصفاء قلبه وزهده، وبعد عن الأضواء، وعزوفه تقلد المناصب، وبغضه للنميمة والغيبة، واقتصاده في الكلام، وحبه للوحدة. فهو من الذين يصدق فيهم قوله تعالى “مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا”
وأمام هذا الحدث الجلل، يتقدم المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين بأحر التعازي لأبنائه البررة ذ/ إبراهيم ، وعمر، وأحمد، وأختهم زكية، ولكل أفراد العائلة وكل أصدقائه ومحبيه بأحر التعازي داعين للفقيد بالرحمة والمغفرة والجنة وحسن المقام مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ..وإنا لله وإنا إليه راجعون ..


Related posts

Leave a Comment