طنجة مدينة بلا ألوان …

لقد تخلت طنجة عن لونها الطبيعي وفقدت بذلك جزءا من هويتها الجغرافية والتاريخية والثقافية. فإلى حدود بداية الثمانينيات كانت المباني بطنجة لا زالت تكتسي لونا واحدا هو الأبيض الناصع أو الأبيض المخلوط بالبني الخفيف أو الأزرق .. وكانت الأبواب والنوافذ تطلى بالبني أو الأزرق أو الرمادي .. فكانت تلك هي صورة المشهد في عمومه . وكانت أسقف بعض الدور تطلى بالقار الأسود لمقاومة التشققات التي تؤدي إلى تسرب المياه الشتوية .. لكنه مع توالي ظاهرة الغش في البناء، بدأت تطفو على السطح ظاهرة المباني التي تعاني من انعكاسات الرطوبة على مستوى الواجهة الأمامية والخلفية .. فبدأ اللجوء في البداية إلى صبغ الواجهة الخلفية بالقار الأسود. كما بدأ تجريب مزيج من المواد المكونة لما يسمى “بالكريفي” من أجل مواجهة مشكل التسربات. لكن التلوين ظل محافظا على البياض..
وسرعان ما تم استبدال القار ببعض الصبائغ البنية والحمراء التي بدأت تغزو مشهد المدينة على صعيد كل الأحياء. مما خلق تشوها بينا يخل بمبدأ التناسق ويناقض معايير الجمالية .. وهو ما جعل السلطات في بعض الأوقات تلتفت إلى هذه الظاهرة فتطالب المجالس المنتخبة بالحفاظ على وحدة اللون المميز للمدينة. فكانت القرارات تتخذ في هذا الشأن فتظل حبرا على ورق . لأن المبدأ المعمول به هنا هو “دعه يعمل دعه يمر” ولكن وفق مفهوم خاطئ. وبذلك تعود الناس على أن يفعلوا في ملكهم ما يشاءون .. حيث ستتم النقلة إلى مستوى آخر فيما يخص استعمال الألوان .. فكان أكثر الألوان طغيانا في بعض التجمعات السكنية هو الأحمر كما يتجلى في هذه الصور .. وهو ما يعني النزوع إلى مركشة طنجة. أي تحويل لونها إلى لون مراكش الحمراء . وقد بدأت العملية بغرس النخيل في عهد الوالي محمد حصاد الذي كان قد قدم من مراكش. واستعمال اللون البني في صباغة بعض الفضاءات. ومنذ ذلك التاريخ بدأ الأمر يزداد تعقيدا، حيث لم يعد هناك ما يوحد بين المباني على مستوى العلو والواجهة والتصفيف وكذلك الألوان المختارة .. فحتى على صعيد بعض التجزئات الحديثة والمجمعات السكنية التي أقيمت وفق تصميم موحد. فإنها ستعم الفوضى ويصبح الطابع الغالب هو الارتجال والفوضى العارمة .
لقد عجز السؤولون عن تربية المواطنين وتعويدهم على نمط معين من السلوك الذي يدعو للحفاظ على القواسم المشتركة وعلى قيم الجمالية، وعلى الملك المشترك وعلى مقومات الهوية، حيث ينسى المواطن بسبب غياب الوعي وطغيان الأنانية أن المنظر الخارجي لمسكنه لا يعد ملكا له وحده. بل هو ملك مشترك مع عموم المواطنين.. لقد كان هناك سعي دائم للحد من ظاهرة تعري الآجور الأحمر بسبب منظره الذي يمس بجمالية المدينة .. لكن ذلك لم يتحقق بسبب النمو المستمر للبناء العشوائي ، حيث تولد الأحياء في جوف الليل وفي أيام الغفلة كالعطل والمناسبات .. ولذلك ظلت الحمرة هي الوجه المميز لمدينة طنجة أينما وليت وجهك .. حمرة الآجور التي أضيفت إليها حمرة الصبائغ التي أصبحت تغزو كل المباني .. أما على مستوى التجهيزات الخارجية المتصلة بواجهات المباني فحدث ولا حرج. فالكل يفعل ما يشاء دون حسيب ولا رقيب ..
وفي ظل هذه الوضعية التي اختلط فيها الحابل بالنابل يمكن القول إن طنجة تمر الآن بمفترق الطرق بعد أن أصبحت فاقدة للهوية ..

المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
29 يوليوز 2018

Related posts

Leave a Comment