عربدة مقاولات “آخر الزمن” بطنجة

إن ما يميز كثيرا من المشاريع العمومية المنجزة بطنجة منذ انطلاق برامج تأهيل المدن التي ظلت تطل برأسها تحت عناوين مختلفة من بينها “برنامج طنجة الكبرى ” ، حيث ظل العديد من المنجزات محاطا بعلامات استفهام حول كيفية تدبير الصفقات، وكذلك إنجاز نوعية الأشغال التي تظل ناقصة بل مبتورة ومشوهة تحمل بصمات الإدانة تجاه الجهات التي تشرف عليها في مختلف المجالات المتعلقة بتدبير الشأن المحلي .
وسنقتصر هنا على عرض مثال حي مجسد حاليا في الأشغال الخاصة باستبدال أعمدة الإنارة العمومية بأخرى في عدد من الشوارع بطنجة، والتي أبانت عن ارتباكها في مختلف المراحل بسبب إسناد تنفيذها إلى مقاولات غير مؤهلة، بل لا تدري أدنى أبجديات العمل المهني المحترف، وخصوصا في الجانب المتعلق بجودة الأشغال، واحترام شروط السلامة من الأخطار، حيث تظل تشتغل بكيفية عشوائية تثير الشكوك، مما يكشف عن غياب مقاولات فعلية تستوفي المعايير القانونية والتقنية، كما أن مجريات الأمور تبين أن معظم العمال المعتمدين يكونون مجرد مياومين أو”عطاشة” يسخرون من طرف إحدى المقاولات المرتبة في آخر حلقة لسلسلة عقود المناولة. وغالبا ما تكون أشغالها مضطربة، بحيث لا تستقر على حال، وتظل في النهاية ناقصة، مما يؤثر على بنية الشوارع والأرصفة ويتسبب في عرقلة حركة المرور وتساقط مستعملي الأرصفة جراء تعرضهم لحوادث السقوط والتعثر وسط الحفر أو الاصطدام بالحواجز والمطبات الناتجة عن عدم التخلص من مخلفات الأشغال وإصلاح الأعطاب وإعادة الحالة إلى ما كانت عليه .. وبالرغم من ذلك المشهد اليومي الذي يمكن الوقوف عليه هنا وهناك، يظل المسؤولون غير مبالين بهذه القضية لا من قريب ولا من بعيد، مما جعل مصير المدينة معلقا بيد هذا النوع من المقاولات التي لا تزيد الطين إلا بلة، كما تساهم في تبذير المال العام ومراكمة الديون التي تثقل كاهل المدينة .. وغالبا ما يتم الوقوف على نماذج من العمال وهم يشتغلون في ظروف سيئة بلباسهم الشخصي لعدم توفرهم على بذلة العمل التي تمثل هوية الشركة أو الجهة التي تسخرهم .. بل لا يكون هناك أحيانا أثر للجهة المعنية بإنجاز الأشغال، الأمر الذي يصعب معه متابعة الأشغال وتحديد المسؤوليات التي تظل بلا بداية ولا نهاية. وكل ذلك يتم في إطار من التوافقات على صعيد مراكز القرار التي تريد تمرير صفقة من الصفقات بغض النظر عن النتائج الكارثية ..

ففي شارع ولي العهد أنجزت أشغال خلال فترة الحجر الصحي من طرف إحدى المقاولات التي ركزت في عملها على نصب الأعمدة محل أخرى دون الاهتمام بالكيفية ولا بالأجواء المحيطة بالفضاء المستهدف، حيث قامت بإحداث حفر عشوائية بطريقة بدائية كما يتجلى في هذه الصور من أجل تثبيت الأعمدة من غير القيام في نهاية المطاف بتغطية الحفر وإعادة حالة الرصيف إلى ما كانت عليه، مما يشكل خطرا داهما يهدد سبيل مستعملي الرصيف الضيق.
والمثال الآخر تجسده إحدى الجهات المكلفة بالبستنة، والتي عملت في إطار عملها الخاص برعاية الأشجار والنباتات على ملء الأحواض المحيطة بجذوع الأشجار الموجودة في شارع الحبيب بورقيبة بمخلفات الأشغال الممتلئة بالحجارة والأتربة الملوثة بالغبار وبمادة الإسمنت بدلا من استعمال الأتربة الخاصة بالنباتات، مما يشكل خطرا على حياة تلك الأشجار التي تصاب بالأمراض المختلفة ، هذا فضلا عما يشكله هذه العمل من استهتار بالمسؤولية واعتداء سافر على مقومات المرفق العام ..

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأشغال قد تمت أيضا خلال فترة الحجر الصحي، وهو ما يعني أن القائمين عليها قد استبعدوا كليا وجود شيء اسمه الرقابة الذاتية أو الموضوعية، لأن من يقدم على هذا الفعل لا بد أن يكون مجردا من حس الضمير الخلقي والمهني، ومتيقنا من عدم وجود أي طرف سيسائله عن مثل هذا العمل الإجرامي الذي ينطوي على الغش والتدليس والتلاعب بالمصلحة العامة، مما يدعو إلى فتح تحقيق حول الجهة المتورطة في هذه الفضيحة. فهل يتعلق الأمر بجهة تمثل الجماعة الحضرية المسؤولة عن تدبير هذا الملف، أم أن له علاقة بسلوك عدواني قام به طرف ما للتخلص من نفاياته بدلا من نقلها إلى المطرح العمومي ؟
فإلى متى سيستمر الإصرار على التضحية بمصالح طنجة لفائدة هذا النوع من المقاولات التي لا يمكن وصفها إلا بالمهزلة .. ؟

المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
20-06-2020

Related posts

Leave a Comment