علال بن عبد الله، ذكرى غالية عصية على النسيان ورمز للتضحية والوفاء

*حميدة الجازي
الإحساس بالغصة والمرارة، شعور دفين بما يسميه المغاربة ” الشمتة ” تلك كانت مشاعر المغاربة عندما نفي أب الامة الراحل الملك محمد الخامس طيب الله ثراه رفقه أسرته الكريمة، حينها عبر المغاربة نساء ورجالا عن غضبهم ورفضهم للتعنت الاستعماري الذي بفعلته النكراء تلك ، دق أخر مسمارا في نعشه، فكانت تلك الانتفاضة العارمة المنظمة من طرف نساء ورجال المقاومة وكل أطياف الشعب المغربي الأبي، إنتفاضة نحتفل بها كل سنة في العشرين من غشت، وقد خلدناها هذه السنة في ذكراها 67 بالكثير من الفخر والاعتزاز بالرغم من تزامنها مع الاجراءات الاحترازية للحد من تفشي وباء كورونا (كوفيد19) من خلال أنشطة افتراضية متنوعة بفضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بطنجة، وبباقي فضاءات الذاكرة التابعة للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير الممتدة على ربوع وطننا العزيز.
ثورة الملك والشعب انتفاضة لعودة الشرعية واستقلال المغرب والتخلص من عنجهية المستعمر الغاشم والتحرر من براثنه، انتفاضة كانت استثنائية بكل المقاييس لما قدم فيها من تضحيات جسام من طرف شعب وفي لوطنه وملكه، فالمستعمر الفرنسي لم يبتلع هذا “التمرد” وكأنه يتعامل مع شعب قاصر في حاجة الى وصاية، متناسيا الحضارات المتعاقبة التي مرت على المغرب الذي يملك تاريخا ضاربا بجذوره في عمق هذه الأرض الطيبة التي لقن ابناؤها درسا لا ينسى لمستعمر متغطرس كان يعتقد أنه يمتلك زمام الأمور. وذلك رغم رد المستعمر القاسي الذي قابلهم بالاعتقالات والتعذيب، وهي مشاهد ظلت محفورة في سجل التاريخ مشكلة وصمة عار على جبين المستعمر الغاشم.
واليوم تخلد أسرة المقاومة وجيش التحرير الذكرى 67 لاستشهاد البطل علال بن عبد الله بن البشير الزروالي بالكثير من الفخر والاعتزاز، ففي مثل هذا اليوم 11 شتنبر 1953 وكباقي المغاربة كان الاحساس بتدنيس الكرامة والعزة يملأ قلب الشهيد علال بن عبد الله، فما كان منه إلا أن انطلق على متن سيارته “الفورد” متجها صوب موكب السلطان الدمية بن عرفة الذي كان يهم بتأدية صلاة الجمعة في مسجد أهل فاس في تحد سافر للمغاربة واستفزاز عميق لمشاعرهم، حيث توجه الشهيد علال بن عبد الله حاملا بيده سلاحا أبيضا بغية طعنه “بنعرفة” موجها له ثلاث طعنات كانت ستعجل بهلاكه لولا ارتماء ضابط استعماري عليه معترضا سبيله وقيام البوليس السري الذي كان متواجدا بالمكان آنذاك بإطلاق ثماني رصاصات على الشهيد، خمس منها في الصدر والجبين وثلاث في الظهر كانت كفيلة بسقوطه مضرجا بدمائه الزكية، بينما تم نقل الدمية بن عرفة على عجل لتلقي العلاج .
تضحية كبيرة قدمها الشهيد البطل علال بن عبد الله تنضاف إلى تضحيته بتوديع زوجته الحامل وابنه الصغير عبد الله معتبرا ان نداء الوطن قبل كل شيء، وهب الخطوة التي قابلتها زوجة الشهيد بالتضحية والوفاء.هذا الموقف الشهم أجج روح الوطنية وبعث روح الحماس الوطني لدى المغاربة لتتوالى تلك العمليات التي أصابت المستعمر الغاشم بالارتباك والحيرة.
تضحية الشهيد بن عبد الله لم تتوقف حتى بعد استشهاده ، حيث أقدم المستعمر الغاشم على نقل جثمانه الطاهر ودفنه سرا في مكان مجهول إلى حدود 1957 ، حيث شكل المغفور له محمد الخامس لجنة من السياسيين والخبراء والأطباء توجهت إلى عين المكان، حيث تم التحقيق في الأمر، فتعرفت زوجة الشهيد على جثته من خلال لباسه الذي دفن به وخاتم الزوجيةومكان الرصاصات، ثم نقل حينها إلى العاصمة الرباط وسط تهليلات الحشود انطلاقا من باب ازعير الى مسجد أهل فاس .
وفي السنة الموالية للاحتفال بذكرى ثورة الملك والشعب حرص المغفور له محمد الخامس على الاشادة بالشهيد علال بن عبد الله قائلا ” لقد أبينا إلا أن نظهر اليوم عنايتنا بإزاحة الستار عن اللوحة التذكارية للمقامة في المكان الذي سقط فيه المغفور له علال بن عبد الله، ذلك البطل الصنديد الذي برهن على أن العرش منبعث من صميم الشعب المغربي، وأنه جزء من كيانه وشرط لضمان جوده وسيادته، فهب يفتديه ويفتدي الأمة المجسمة فيه بروحه حتى سقط في ميدان الشرف صريعا، مخلفا للأجيال أعظم الأمثلة على التضحية والغيرة وحسن الوفاء.
رحم الله شهداء ملحمة التحرير والاستقلال والوحدة، شرفاء الوطن وأبناءه الغر الميامين وفي طليعتهم أب الأمة وبطل التحرير والاستقلال والمقاوم الأول جلالة المغفور له محمد الخامس ورفيقه في الكفاح والمنفى، مبدع المسيرة الخضراء المظفرة وموحد البلاد جلالة المغفور له الحسن الثاني، وحفظ الله بالسبع المثاني وبما حفظ به الذكر الحكيم جلالة الملك محمد السادس وأيده بنصره ومدده وأقر عينه بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير المحبوب مولاي الحسن وشد أزره بشقيقه صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي رشيد وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة والشعب المغربي قاطبة.
*القيمة على فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بطنجة

الهوامش :
– مقال بعنوان “بطل من ذاك الزمان” للأستاذ عبد الاله بسكمار بموقه هيسبريس
– مقال بعنوان الذكرى 67 لاستشهاد البطل علال بن عبد الله استحضار لقيم الحرية والوطنية والوحدة الترابية عن المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بموقع بموقع لا ماب والبوابة الوطنية
– قصة علال بن عبد الله لأمد عبد السلام البقالي من منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.

Related posts

Leave a Comment