عمارة ” رينشاوسين” عروسة مباني مدينة طنجة

ما من شك أن المسؤولين الذين يقودون قاطرة إنجاز الأشغال الخاصة بإعادة تأهيل ساحة إسبانيا، قد أدركوا أهمية عمارة رينشاوسين التي تعد من أجمل المباني التاريخية بطنجة إن لم تكن سيدتها وعروسها على الإطلاق، بالنظر لما تميزت به من معالم الهندسة الأوروبية المصاغة على النمط الألماني، حيث يعود تاريخ بنائها إلى بداية القرن العشرين على يد مهندس ألماني. فعلى هامش تلك الأشغال التي ما زالت تثير القيل والقال بسبب ما شابها من عيوب، حظيت هذه البناية بتدخل محتشم لا يتعدى حدود إدخال رتوشات عن طريق صباغتها بالجير الأبيض وتلوين شرفاتها باللون الأصفر . وبالرغم من الارتجالية في إنجاز هذه المهمة، فقد انكشفت صورة البناية التي جعلت المنطقة تبدو أكثر جمالا وجاذبية ..وهو ما جعل هذه الجهات تنتشي بهذا الفعل، موهمة نفسها وكذلك الرأي العام أنها قد قامت بما يجب أن تقوم به، وأنها ساهمت في إنقاذ تلك المعلمة من التدهور، محاولة إيهام الرأي العام بأن الأمر يتعلق بفتح جديد والدخول في مرحلة مزدهرة تنتظرها المنطقة في إطار المشاريع المقررة على صعيد ميناء طنجة في علاقته بالمدينة القديمة .. لكن الحقيقة هي غير ذلك، لأن التدخل الحقيقي الذي تحتاج إليه هذه البناية التاريخية، هو العمل على ترميمها وإنقاذها من الانهيار ، بدلا من الاكتفاء بوضع المساحيق من أجل إخفاء الوجه الحقيقي .. فرغم القيمة التاريخية لهذه البناية التي تعد جزئا من التراث العالمي، تجاهل المسؤولون وجودها خلال كل المحطات، رغم اطلاعهم على وضعها المأساوي ووقوفهم بشكل مستمر على الأخطار التي تتهددها ، حيث لم يفكروا يوما لا من قريب ولا من بعيد في عملية إدماجها ضمن مشروع ترميم الدور الآيلة للسقوط الذي انطلق سنة 2019 بغلاف مالي يقدر بخمسة ملايير سنتيم، ولا في إطار المشروع الحالي لتأهيل المدينة القديمة الذي انطلقت أشغاله بغلاف مالي قدره 84 مليار درهم .. وظل المبرر الذي يتشبث به المسؤولون هو كون البناية تابعة لأملاك الخواص، وتلك حجة واهية لأن جل الدور التي تخضع للترميم حاليا هي من أملاك الخواص .. وحين الرجوع قليلا إلى الخلف، نجد أن مسؤولي الولاية كانوا يمنون أنفسهم بهدم تلك البناية وتسويتها مع الأرض. ومن أجل ذلك ظلوا يروجون لفكرة عدم قابليتها للإصلاح ولا الترميم، وأن بناءها قد تجاوزه الزمن .. وكان الحديث يلوح إلى إمكانية فسح المجال لبناء قيسارية، وهو القرار الذي تحطم أمام صمود جمعية الحي التي عملت لعدة عقود سعيا لإنقاذ البناية من خلال العمل على إنجاز بعض الإصلاحات الداخلية وتوعية السكان بأهمية موروثها الثقافي، كما ظلت تطرق أبواب المسؤولين من أجل إقناعهم بضرورة التدخل والتعاون معها لأنقاذ البناية من الانهيار ، ولكن الاستجابة لم تتعد حدود القيام بالزيارات الاستعراضية إلى عين المكان وإطلاق دموع التماسيح وتقديم الوعود إلى أن وصل الأمر إلى ما وصل إليه .. فالعمارة من الداخل تنهار على مستوى الأسقف والشرفات التي قد تهاوى البعض منها وأصبح يشكل خطرا على رواد الساحة المجاورة ..كما أن معظم التماثيل والمجسمات التي كانت تزين الواجهة، قد فقدت طابعها الأصلي بسبب التآكل والإهمال .. وكان من أسباب ذلك التدهور دخول الساكنة في خلاف مع الشركة الإسبانية المالكة للعقار ، والتي كانت في كل المراحل تطالبهم بالإفراغ . وحينما حكمت المحكمة لصالحهم، رفعت الشركة يدها عن البناية وتركتها عرضة للإهمال، مما أدى في النهاية إلى مغادرة البعض من القاطنين الذين لم يطيقوا الوضعية، ثم قيام الغرباء باحتلال بعض الدور.. وظل الطرف الوحيد الذي يحاول من جهته إنقاذ الموقف هو الجمعية التي ظلت متشبثة بمطلب إنقاذ هذه البناية من خلال تحويل مقرها إلى منصة للتعريف بهذا الموروث الثقافي إلى جانب قيامها بأنشطة تعليمية ومهنية لفائدة الساكنة ..
رينشاوسين مشهد يطفح بمظاهر الأبهة والرقي العمراني الذي يعكسه تصميمها العمراني الفريد على الصعيد الوطني. عمارة فخمة بمعايير فن العمران في الماضي والحاضر ، مشكلة من عدة طوابق، مزينة بشرفات مزخرفة ورسومات ونقوش هي عبارة عن تحف فنية. شرفات وأقواس صبت في قالب فني رائع وكأنها لوحات فنية. وإلى جانب ذلك كانت البناية مزودة بعدد من المرافق الاجتماعية، حيث كانت تضم مقر المكتبة الإسبانية الذي استغل فيما بعد من طرف إدارة التعاون الوطني في تعليم عدد من الحرف التقليدية ومحاربة الأمية. وكانت هناك مصحة تابعة لمنظمة الصليب الأحمر الإسباني، ودار الخيرية للنساء ولرجال . هذا فضلا عن الدور السكنية التي أقامت بها شخصيات أجنبية مرموقة في مجال الثقافة والفن .. وفي نفس الوقت كانت هذه البناية متصلة بنادي “لدي كرسال” الموجود في الجهة الخلفية المطلة على طريق البرتغال . وكان عبارة عن مسرح في الهواء الطلق، مخصص لعرض الأفلام السينمائية والمسرحيات ومشاهدة لمقابلات الخاصة بالمصارعة والملاكمة. ثم تحول فيما بعد إلى مقر حزب الاستقلال إلى أن تم التخلي عنه ليدخل في طور التهميش والنسيان..
وللعلم فإن أحد الولاة كان متحمسا لعملية هدم هذه البناية، وقد ظل يقوم بدور العراب من أجل إقناع السكان بهذه الفكرة الجهنمية دون أن يوفق في ذلك. والمشكل يتعلق بعقلية بعض المسؤولين الذين ابتليت بهم طنجة، والذين كان موقفهم معاديا للتراث المادي للمدينة، حيث إنهم كانوا يرون أن استمرار هذه المباني هو ضياع للاستثمار العقاري وخسارة للرأسمال الذي لا يعرف طريقة إلا عبر إفساد وجهة المدينة وتدمير تراثها العمراني..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
26-09-2020

Related posts

Leave a Comment