غابة الشجيرات والهرارش بطنجة في طريق الانقراض

عرف مدشرا الشجيرات والهرارش الموجودان شرق مدينة طنجة بتوفرهما منذ القدم على مساحات واسعة من أراضي الجموع التي تقدر بمئات الهكتارات كانت كلها مغطاة بالغابة الطبيعية، وبنوع من الأشجار التي تم غرسها من طرف إدارة المياه والغابات خلال فترات سابقة. وبعد التوسع الذي عرفته المدينة، أصبحت تلك الأراضي مهددة بالتمليك عن طريق الترامي والضم غير القانوني. فعن طريق بعض السلاليين تسلل إلى المنطقة تجار العقار الذين تغلغلوا وسط السكان، حيث تمكنوا من خلال مساحات صغيرة اقتنوها عن طريق الشراء بواسطة العقود العدلية أن يمدوا أطرافهم في كل الاتجاهات وأن يتوسعوا داخل الأراضي الجماعية .. ووصل نفوذهم إلى المساحات الغابوية التي تم الفتك بها عن طريق التجريف والحرق من أجل تحويلها إلى أراض للاستغلال الفلاحي في أول الأمر، علما أن الأمر لا يتعدى أن يكون عملية لتبييض الأموال في العقار في انتظار توسع العمران منذ التحاق المنطقة بالمدار الحضري. وفي ظل تواطؤ المسؤولين مع هذه الجهات، إستمر التوسع حتى وصل إلى عمق غابة الشجيرات التي كانت تغطي حوالي 500 هكتار من الأراضي السلالية كانت موضوع طلب التحفيظ من السلاليين سابقا، مما أدى إلى تراجع المساحة الغابوية، وتقلص نسبة الملك السلالي الذي يصعب استرداده بسبب عدم تحمل السلطة الوصية مسؤولية حماية تلك الأراضي التي أصبحت محط الأطماع والمضاربات، وفي الوقت نفسه أعطي الضوء الأخضر للبناء العشوائي الذي ظل يتنامى بشكل صاروخي في المنطقة، وهو ما أدى إلى خلق التفاوت بين الساكنة على مستوى تملك العقار. ففي الوقت الذي ينحصر وجود أغلبية السلاليين داخل ملكيات محدودة تتعلق بأراضيهم الخاصة التي ورثوها عن الآباء والأجداد، نجد أن أغلب الأراضي التابعة للملك السلالي أصبحت تابعة للأغيار والغرباء. بل هناك من يمتلك العشرات من الهكتارات التي أصبح يتصرف فيها كما يشاء دون أن تتقدم إليه أية جهة لمساءلته من أين لك هذا؟، وسرعان ما يتقدم بطلب التحفيظ من أجل تقوية ملف تملكه للعقار ثم إعداد الأرضية لتشييد المباني..
فما أحوج الساكنة بالمنطقة إلى الأراضي السلالية التي يمكن توظيفها لفائدة المصلحة العامة، لو كانت هناك جهة تتولى حماية تلك الأراضي وتأطير عملية استغلالها لمصلحة الجميع، لكن ذلك أصبح من المستحيلات بسبب غياب الإرادة والنية الحسنة، لأن هذه الجهات أصبحت تشتغل طبقا للمثل القائل”مصائب قوم عند قوم فوائد”. فإذا كان السكان الأصليون لهذين المدشرين، يعانون من الحصار والحرمان من حقوقهم، فهناك فئات انتعشت بسبب التسيب، بعد أن أصبحت تتوفر على رصيد عقاري كبير مشكل من أراضي الجموع المنهوبة، والتي أصبحت الآن توظف في البناء وإحداث التجزئات السرية التي ستنتعش في المنطقة..لكن يبدو أن أعين المسؤولين بطنجة ظلت تعاني من عمى الألوان الذي لا يسمح لها بالرؤية والاطلاع على ما يجري من الجرائم التي تمس أراضي الجموع بهذه المنطقة. وإلا لماذا لم يتم فتح تحقيق في هذا الملف، رغم وصول الشكايات المتعلقة به إلى كل الجهات المسؤولة محليا ومركزيا، والتي ظلت تتهرب من تحمل المسؤولية، وتتحايل على القانون بتواطؤ مع الجهات المنتفعة بهذه الثروة السائبة .. ومن باب أضعف الإيمان، لماذا لا تقوم السلطات الوصية على ضم ذلك الوعاء العقاري إلى أملاك الجماعة الحضرية من أجل تفادي ضياعه بالكامل، علما أن المدينة هي أحوج ما تكون إلى مثل تلك الأراضي .. كما أن أي تطور في تلك المنطقة لا يجب أن يكون مطلق العنان خاضعا لمنطق فوضى البناء العشوائي .. أليس من اللازم ضبط البناء في تلك المناطق التي تشكل الواجهة المستقبلية للمدينة وإخضاعه للتنظيم المحكم وفق معايير صارمة لا يتم التنازل عنها؟
ألا يتناسب مكان وجود تلك الأراضي الغابوية مع مشروع إحداث منتزه بتلك المنطقة المرتفعة يكون موازيا لمنتزهات الجبل الكبير، وذلك بحكم توسع المدينة وحاجتها الملحة إلى هذا المشروع على صعيد هذه الجهة التي ستجد نفسها مستقبلا في قفص مغلق، محرومة من أي متنفس طبيعي، لأن كل الغابات ابتداء من الشرف، طنجة البالية، السانية، الغندوري إلى سيدي المناري قد تم إقبارها. وما بقي منها فهو في حالة السراح المؤقت. إننا نلقي بهذا النداء ونحن نعلم علم اليقين أنه لن يستجاب له لأنه لا يدخل ضمن اهتمامات وأولويات المسؤولين، فلا حياة لمن تنادي في هذه المدينة التي اشتهرت بصفتها طنجة ” بلا مواليها” ..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
30-08-2019

Related posts

Leave a Comment