قرارات وزارية في آخر ساعة قد تستحق التثمين، ولكن ؟..

على مقربة من موعد الانتخابات طلعت علينا كل من وزارة التعليم ووزارة المالية بقرارين هامين يستحقان التنويه لأنهما يعبران عن تفهم الوزارتين لمطالب الرأي العام الذي كان ينتظر ذلك بفارغ الصبر، وجاء ذلك – بالنسبة لقرار وزير المالية – كرد فعل على الأصوات التي ارتفعت مؤخرا للمطالبة بتقنين الكشوفات الطبية الخاصة بكوفيد19 بعد أن تحولت تلك التحاليل إلى لعبة في يد المحتكرين بالسوق السوداء ومنعدمي الضمير الذين استغلوا الفرصة من أجل رفع ثمنها وابتزاز المواطنين بشتى الطرق وإخضاعهم لجشعهم وهواهم المستمر. وقد تم العمل على أخذ العصا من الوسط بهدف إعادة الاعتبار ولو نسبيا لعموم المواطنين المغلوبين على أمرهم في هذه الظروف الصعبة.. ومهما يكن، فإن التسعيرة التي تم إقرارها بالنسبة لتلك التحاليل ستكون أخف ضررا من سابقتها، كما ستسمح لشريحة من المواطنين بإمكانية إجراء التحاليل لمعرفة حالتهم الوبائية والاطمئنان على سلامتهم الصحية. والأهم في ذلك الإجراء هو التقنين ووضع حد للفوضى التي تساهم في الاغتناء غير المشروع بالنسبة لبعض الطبقات التي أصبحت تتاجر في كل شيء..
أما القرار الثاني الذي أثلج الصدور أيضا مع بعض التحفظات، فيتعلق بتأجيل –الوزير- للدخول المدرسي إلى فاتح أكتوبر المقبل، وذلك نزولا عند مطلب الرأي العام الذي طالما أكد على ضرورة فسح المجال لتوفير الظروف الملائمة لانطلاق الدخول المدرسي في ظل الحالة الوبائية المتفاقمة، مما يدل على أن مسؤولي وزارة التعليم قد تعقلوا قليلا هذه المرة وقاربوا الصواب بغض النظرعن السبب الحقيقي لاتخاذ القرار في هذا الوقت بالضبط. وكل ما هنالك هو أن هذا التأجيل سيسمح لا محالة لكل الأطراف لكي تستعد للمرحلة اللاحقة بأقل الخسائر، خاصة وأن كل المؤشرات كانت تدل على أن الدخول المدرسي لن يكون عاديا لو لم يتم التقيد بالموعد السابق، فإلى جانب الحيز الزمني الذي تتطلبه عملية تلقيح عموم التلاميذ، هناك تأخير في صدور كتب المقررات الجديدة، ثم النقص في التجهيز وفي الأطر التعليمية بالنسبة لعدد من المؤسسات، وكذلك عدم حسم الوزارة في ملف ” المتعاقدين” الذي سيظل يشكل عقبة في طريق صيرورة القطاع ما لم تقم الجهات المسؤولة بطيه نهائيا وتسوية وضعية هذه الشريحة من رجال التعليم، لأنه لا يعقل أن يتم رهن السنة الدراسية ومستقبل التلاميذ بمصير هذا الملف المعلق من خلال التركيز على مقاربة واحدة تقوم على منطق الغلبة وفرض الأمر الواقع عن طريق تركيع رجال التعليم.. وبالموازاة مع عمل الوزير على طمأنة آباء تلاميذ المدارس الخصوصية من خلال الإعلان عن قرار مواز يعفيهم من أداء واجبات التمدرس لشهر شتنبر، مما خلف ارتياحا في صفوف الآباء وأولياء التلاميذ، لولا صدور قرار مضاد بعد 24 ساعة ينص بشكل تعسفي على تمديد الدراسة إلى غاية شهر يوليوز 2022 تحت ذريعة الحفاظ على الزمن المدرسي، وهو الأمر الذي يطرح أكثر من تساؤل حول طبيعة هذا القرار المفاجئ الذي جاء مفصولا عن سابقه، مما يدل على الارتجال وقصر النظر لدى الوزارة التي تخبط خبط عشواء، لأنها عجزت عن اتخاذ قرار منسجم لا يثير أي أشكال.. فتمديد الفترة الدراسية بإلحاق شهر يوليوز دون التنصيص على التاريخ النهائي بالتدقيق، ليس له من هدف غير ضمان الاحتساب المالي لمستحقات هذا الشهر بالنسبة للمدارس الخصوصية التي أسقط حقها في استخلاص الواجبات الخاصة بشتنبر الجاري. ومما يؤكد ذلك هو أن ذلك القرار –الاستدراكي- جاء متأخرا عن قرار الإلغاء، مما يوحي بوجود ضغوط مورست في هذا الاتجاه، فوجدت القبول والطواعية لدى الوزير الذي لا يمكن وصفه إلا ب”وزير التعليم الخصوصي”.. وقد أثبتت التجربة أنه ما جيئ به إلى هذا المنصب إلا لينجز مهمة الدفاع عن مصالح القطاع الخاص وحمايته بكل الوسائل الممكنة، كما أن التنصيص على شهر يوليوز – حتى ولو تعطلت الدراسة- هو فقط من أجل تبرير الحق في استخلاص ثمنه بالنسبة لهذه المؤسسات التي لا تقبل التنازل عن هذا الامتياز، مع العلم أن الدراسة خلال هذه الفترة غير ممكنة ومستحيلة، كما أنها تتنافى مع الشروط التربوية. وقد سرت العادة منذ تأسيس قطاع التعليم بالمغرب في عهد الحماية اعتبار أشهر الصيف الثلاثة عطلة متصلة من فاتح يوليوز إلى فاتح أكتوبر، لكن الوزارة ظلت تتحايل على هذه العطلة التي تم التقليص منها تحت ذريعة خدمة مصلحة التلاميذ وتقوية العرض المدرسي، مع العلم أن هذه الفترة لها خصوصيات لا يعرفها إلا المربون، إذ تنطوي على صعوبات كبيرة بالنسبة للتلاميذ وأطر التدريس بسبب ارتفاع درجة الحرارة خلال تلك الفترة، ثم الإعياء الذي يصيب التلاميذ والمدرسين جراء غياب الشروط الملائمة للعملية التعليمية داخل المؤسسات.. وعلى فرض أنه أريد تعويض الفترة الضائعة من شهر شتنبر، فكيف سيتم التعامل مع الامتحانات التي تجرى عادة في شهر يوليوز؟ هل سيتم نقلها إلى غشت لنكون في النهاية أمام فصل جديد يمهد نهائيا للقضاء على عطلة قطاع التعليم ؟
وهذا لا يعني هذا أن القرار الأول لم يخل من سلبيات أيضا، بسبب تأخر الوزارة في إعلانه، وعدم اعتماد المقاربة التشاركية مع باقي المتدخلين، الأمر الذي تسبب في إرباك فعاليات المؤسسات التي كانت تتحضر ليوم الافتتاح، وبالدرجة الأولى المدارس الخصوصية التي استخلصت واجبات التمدرس من الآباء، وتعاقدت مع الشغيلة التي ستتولى القيام بالعمل، وأعدت العدة للانطلاق.
وعلى ضوء هذا التعديل في السلوك الذي أبانت عنه الوزارتان السالف ذكرهما، فلماذا لا يتم اتباع نفس الخطة فيما يتعلق بتقنين أثمنة المدارس الخصوصية التي تجسد الاستغلال بكل صوره نظرا للنفوذ الذي تتمتع به تلك المؤسسات بتزكية من المسؤولين، حيث إنها ما فتئت تسطر صفحات سوداء في تاريخ تعاملها مع التلاميذ وأوليائهم، لأن الأسعار الخيالية المعمول بها واستخلاصها عن طريق الإكراه والتحايل من طرف البعض؛ جعلت هذا القطاع بعيدا كليا عن الرسالة التربوية والأخلاقية المنوطة به، ولعل الكل شاهد على ما عرفته السنتان الماضيتان حينما قام المعنيون بهذا القطاع في عدد من المؤسسات بتسطير قوانين مزاجية وأعراف خاصة من أجل إكراه الآباء على أداء الواجبات المدرسية وكل الرسوم بكيفية غير عادلة.. وذلك في الوقت الذي أبان سيادة الوزير عن انحيازه السافر إلى جانب هذا القطاع، وظل يدافع عنه ويصدر القرارات الحاضنة له حتى أخر نفس، خاصة لما شرع في رسم مخططات تهدف في المدى البعيد إلى إضعاف المدرسة العمومية وتهميشها من خلال الترويج لعدد من المفاهيم والتصورات التي أثبتت عدم جدواها.. والملاحظ هو أنه بقدر إمعان الوزارة في بعث الرسائل التي تروج للنجاح والتفوق، نجد أن كل التقارير الصادرة عن عدد من الهيئات والمؤسسات الوطنية والدولية قد أصدرت حكمها بإفلاس نظام التعليم بالمغرب وظلت تدق ناقوس الخطر وتحذر من وقوع الكارثة حاضرا ومستقبلا…
ومن أجل أخذ العصا من الوسط كما فعلت وزارة المالية في موضوع الكشوفات والتحاليل الخاصة بكورونا بعد التشاور مع مجلس المنافسة، يطلب من الوزارتين معا الاهتمام أيضا بموضوع تقنين الأثمان المعتمدة من طرف مؤسسات التعليم الخصوصي بكل أسلاكه، مع تجويد الخدمات من خلال تحديد الالتزامات بكل دقة ومسؤولية، وذلك بهدف إخضاع هذا القطاع لسلطة القانون والعودة به إلى جادة الطريق التي تقتضي الحفاظ على هوية المؤسسة التعليمة، سواء كانت عمومية أو خصوصية، فلا يعقل أن تتحول المدرسة إلى سوق مفتوحة للبيع والشراء والمتاجرة في ذمم التلاميذ الأبرياء، من خلال فرض ممارسات يحكمها منطق الربح والخسارة قبل كل شيء..
أما الموضوع الآخر الذي ما زال الشغل الشاغل لعموم المواطنين، فهو ملف أسعار المحروقات التي ظلت طيلة الولايتين الحكوميتين مثار جدل في أوساط الرأي العام بسبب وقف تدخل الدولة في الأسعار بعد إلغائها صندوق المقاصة وتحريرها القطاع الذي أصبحت الجهات الممثلة له لا تؤمن إلا بمصالحها وبحقها في الإثراء غير المشروع وامتصاص دم المغاربة بسبب الموقف السلبي والمنحاز للسلطات الحكومية التي يبدو أنها رغم تعدد الأزمات والكوارث، لم تتفهم خطورة إطلاق يد الشركات للتلاعب بأمن المواطنين (الغذائي والطاقي والاقتصادي والنفسي والاجتماعي..).
وعليه فإننا نعيد طرح ذلك المطلب الذي يعد حلما لكل المغاربة، وهو أن تتدخل الدولة بكل جرأة وشجاعة من أجل تصحيح الوضعية، وذلك بتقنين أسعار المحروقات حتى لا تتحول إلى مجال للاستغلال والتلاعب بالأسعار على يد الموردين وكبار الاحتكاريين، وكذلك تقنين أسعار المدارس الخصوصية..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
07-09-2021

Related posts

Leave a Comment