قطاع المبصاريين بالمغرب ينتفض ضد الظلم والإقصاء

تلجأ الحكومة من حين لآخر إلى إصدار بعض النصوص القانونية من أجل سد الفراغ القانوني، والتي تهم مختلف القطاعات العامة والخاصة، وكل ما يتعلق بشؤون حياة المواطنين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمدنية. وكان آخر ما صدر في هذا المجال مشروع قانون خاص بتنظيم بعض المهن والحرف شبه الطبية دون تقدير للأثر السلبي لبعض تلك القوانين على عموم المستهلكين، وخصوصا حينما يتم الاعتداء على مبدأ المجانية وضرب القوة الشرائية. ذلك ما يمكن الوقوف عليه حاليا في سياق ما يتم إعداده من نصوص قانونية لتنظيم بعض القطاعات شبه الطبية، ممثلة في كل من قطاع المبصاريات، وترويض البصر، والترويض الفيزيائي، وتقويم البصر..، حيث كشف مشروع القانون 13-45 عن وجود عدد من العيوب والتناقضات التي تضرب قطاع المبصاريين في الصميم ، وتحكم عليه بالموت. وذلك بسبب ضرب أهم المكتسبات التي ميزت هذا القطاع الذي لم يأت من فراغ . بل هو يعد القطاع الوحيد ضمن تلك المجموعة المهنية الذي كان مؤطرا بظهير منذ سنة 1954. ونظرا لما يثيره هذا المشروع من جدل في أوساط المهنيين ولدى الرأي العام ، وكذلك الهيئات الممثلة في البرلمان بغرفتيه .. يحق لنا تسليط الضوء على هذا الملف الذي لا يمس حقوق المبصاريين وحدهم ، بل هو يتعدى ذلك إلى إلحاق الضرر بمصالح المواطنين الذين ستزيد أعباؤهم وترتفع مصاريفهم بسبب منع المبصاريين من قياس البصرالذي يقدم بالمجان، وقصر عملهم على بيع الزجاج وتركيبه، في مقابل إجبار المواطنين على زيارة الطبيب المختص في كل الأحوال، حتى ولو تعلق الأمر بتجديد النظارتين أو إصلاح الأعطاب وبحالات الاستعجال ..وهو ما يشكل تضييقا على حرية المواطنين والمبصاريين على حد سواء لأنهما سيتكبدان معا الخسارة.
تناقض الموقف الحكومي:
ويتضح عدم وضوح الموقف الحكومي، بسبب تقلبه وتلونه. والدليل هو طول المدة التي استغرقتها مسطرة إقرار هذا القانون الذي أحيل مشروعه على الغرفة الثانية في سنة 2013 . وقد تفاءل المهنيون في أول الأمر بالنص المصادق عليه سنة2016 بفضل الإيجابيات التي حملها. إلا أنه بعد أحالته على الغرفة الثانية دخل في مرحلة جمود، مما دعا مجلس المستشارين لتنظيم يوم دراسي بتاريخ 5-02-2015 بحضور ممثلي القطاع، إلى جانب دكاترة مختصين في علم البصريات من دول عربية وغربية من أجل تدارس المشروع من جديد. وقد اتسم اللقاء بالانسجام والتوافق بين كل الأطراف حول شبه تصور موحد ومتوازن. وإلى حدود هذه المحطة لم يكن هناك اعتراض من الوزارة ومن الأطراف الأخرى على حق المبصاريين في قياس النظر لكونه من التقاليد المعمول بها في كل الدول. كما روعي وجود تقدم في هذا المجال في بعض البلدان التي قامت بالرفع من مستوى المبصاريين ومنحهم اختصاصات أكبر بعد الحصول على دكتوراه في البصريات، حيث قامت بإدخال تعديلات على القوانين المنظمة لطب العيون. وقد حققت تطورا في هذا المجال، فأصبح للمبصاريين الحق في القيام بعدة تدخلات لفائدة الزبناء من بينها قياس النظر.
اللوبيات الضاغطة:
وبضغط من جهات نافذة قامت الوزارة بتعديل المادة 6 ، فتم التصويت على المشروع بالأغلبية ليلة عيد الفطرالأخير.علما أن هذا المشروع في صيغته الأولى المتوافق عليها كان بمبادرة واقتراح من وزيرالصحة بعد إجراء استشارة قانونية. كما حظي بمصادقة الأمانة العامة للحكومة التي أكدت دستوريته. ثم إن القاعدة العريضة لأطباء العيون لا ترى مانعا في قياس المبصاريين لنظر زبنائهم، ما دامت هذه العملية تتم بشكل تلقائي وبالمجان، في ظل الخصاص المهول في أطباء العيون على الصعيد الوطني ، حيث لا يتجاوز العدد 900 طبيب وطبيبة على صعيدي القطاعين العام والخاص النظر .
إعتراض قطاع أطباء العيون :
و سرعان ما بدأت التحركات المضادة من أجل إجهاض هذا المشروع. وقد جاء الاعتراض هذه المرة من هيئة أطباء العيون على مضمون المادة 6 من المشروع التي تسمح للمبصاريين بحق قياس النظر لأصحاب الأعين السليمة، باعتبار أن ذلك اختصاص طبي محض لا يجب أن يقوم به إلا الطبيب لحماية المواطنين من خطر الأمراض الصامتة، مثل ضغط العين .. في حين يرى المبصاريون أن هذا الادعاء هو حق يراد به باطل، بدليل أن منظمة الصحة العالمية تعتبر أن قياس البصر هو عمل فيزيائي محض وليس اختصاصا طبيا. كما أن المبصاري هو شخص مهني يخضع لتكوين يمتد ثلاث سنوات بعد الباكلوريا، يشكل قياس البصر أهم مواده الدراسية، حيث يتلقى المكونون دروسا حول أمراض العيون من أجل إرشاد الزبناء، ثم علاج أمراض العيون وكذلك الأدوية الخاصة لذلك …كما أن أغلب المزاولين للمهنة يعدون من خريجي الجامعات الأوربية والمدارس الخصوصية المغربية التابعة للتعليم العالي، ثم التكوين المهني . هذا إضافة إلى خريجي قسم التكوين الخاص بجامعة القاضي عياض بمراكش الذي يتوج بمنح ديبلوم في البصريات. وهو تكوين متين معترف به من طرف وزارة الصحة.
دفوعات المبصاريين:
فعلى مستوى الظاهر، يتعلل واضعوا القانون بالرغبة في الحد من العشوائية وحماية المواطنين من الأخطار، نظرا لحساسية هذا القطاع الذي يتطلب اتخاذ كل التدابير للوقاية من الأمراض الصامتة. لكن المهنيين لهم رأي آخر. فإذا كان هذا المشروع قد تضمن بعض المقتضيات الإيجابية، مثل اشتراط شهادة الباكلوريا العلمية، وإقرارعقوبات زجرية للحد من الممارسة غير القانونية للمهنة، فإنه من جانب آخر شكل تراجعا عن أهم مكتسب ميز المهنة. وذلك رغم المقترحات المقدمة من طرف الهيئة النقابية الممثلة للقطاع، حيث إن الاستجابة لمقترحاتها من طرف الحكومة لم ترق إلى مستوى التطلعات. وهو ما يكشف عن تناقض في موقف الوزارة، التي تحاول أن تبني مقرراتها على الاستثناء.
وكرد على ادعاء حماية المواطنين من الأمراض الصامتة، يستند المبصاريون إلى الإحصائيات الرسمية التي تعتبر أن تلك الأمراض تشكل 2% من نسبة الأمراض التي تؤدي إلى العمى. وكذلك الدراسات التي تصنف عدم قياس البصر في طليعة الأسباب المؤدية إلى الإصابة بالعمى. فكيف تدفع هاته الجهات في اتجاه حرمان المواطنين من هذا الحق؟
النقائص المرافقة لمشروع القانون 31-45 :
وهم يرون أن المشروع في صيغته الحالية التي ستحال على الغرفة الثانية من أجل المصادقة النهائية يشكل تهديدا لوجودهم لما ينطوي على عيوب تجعله غير قابل للتطبيق. ويتجلى ذلك في منع مزاولة المهنة بصفة تجارية. والاقتصار على استعمال أدوات الرقابة لا غير. وهو ما يحرم المهنيين من استعمال عدد من الآليات المتعارف عليها عالميا( قطع الزجاج مثلا). وفي الوقت الذي يراد حرمان المبصاريين من حق قياس النظر، نجد أن الذين يقومون بهذه العملية في المستشفيات العمومية والمراكز الصحية هم الممرضون لا غير، علما أنهم لا يتوفرون على تكوين في هذا المجال. وذلك رغم أن الأمر يتعلق بالحالات المرتبطة بالصحة المدرسية التي تهم صغار الأطفال والتلاميذ. كما يفرض على الراغبين في الحصول على رخص السياقة زيارة المستشفى العمومي الذي تعاني من الخصاص في الأطر، علما أنه في إمكان الطبيب الخصوصي وكذلك المبصاري القيام بهذه العملية.
الأخطار التي تهدد مصير المهنيين:
يشتكي المبصاريون من الصعوبات التي تعترض طريق ولوجهم لهذه المهنة. فبعد التكوين الشاق الذي يستغرق أكثر من ثلاث سنوات، يتم انتظارالحصول على الرخصة مدة سنة، ثم تاتي الصعوبات المتعلقة بالاستثمار بسبب ارتفاع كلفة الآليات المستعملة، والتي تتطلب اللجوء إلى الاقتراض .. ولذلك يتساءلون عن المصير المرتقب في ظل الحصار الذي سيفرض عليهم بسبب هذا القانون. فماذا سيكون مصير محلاتهم والآليات التي يتوفرون عليها، والتي تم اقتناؤها لهذه الغاية بالدرجة الأولى. ألن تكون النتيجة هي الإفلاس ؟. ثم كيف يتم تطبيق القانون بمفعول رجعي ..
الأضرار التي ستلحق المستهلك:
هناك مشاكل ستطرح بالنسبة للمستهلك في حالة المصادقة على هذا القانون في ظل غياب التغطية الصحية. منها أولا ضرب مجانية قياس النظر، وتعميق المعاناة في حالة الطوارئ بسبب طول المواعد الخاصة بزيارة الطبيب. ثم صعوبة الحصول على النظارات في حالة الاستعجال بالنسبة للمسافر أو المريض أو الشخص المرتبط بموعد الامتحان أو غير ذلك، إضافة إلى الزيادة في النفقات. ففي مثل هذه الظروف يظل المبصاري هو الملجأ الوحيد للمواطنين العاديين من الطبقات الهشة والمتوسطة. وهناك مشكل آخر يتعلق بالعدسة التي تكون أحيانا هي الأمل في الحفاظ على البصر. فماذا لو تأخر المرء عن قياس نظره وحمل النظارتين بسبب طول مواعيد الانتظار التي تتراوح بين3 و6 أشهر في القطاع الخاص. وتصل إلى 12 شهرا في القطاع العام؟. بل يعد المبصاريون الجهة الوحيدة القادرة على ضبط العدسة اللاصقة. وهو شيء غير متاح لعدد من أطباء الاختصاص، لأن الأمر يتعلق بأمراض القرنية التي تحتاج إلى تكوين خاص .. بل هناك حالة ملحة تتطلب استعمال العدسة اللاصقة الصلبة بعد تعذر النظر بالنظارتين. وهي عملية معقدة تحتاج إلى عدة جلسات مع الزبون للتغلب على المشكل. وهو ما يهدد عددا من المواطنين بفقد البصر ..
الممارسات اللاأخلاقية للمهنة:
وفي إطار الدفوعات المصاحبة للجدل القائم حول هذا الموضوع ، يثار مشكل الممارسات غير الشرعية، حيث تتعلل الجهة التي تقف خلف هذا التعديل بوجود ممارسات غير مهنية منتشرة في صفوف هذا القطاع، وهو ما لا ينكره المبصاريون الذين يشتكون من تعويم القطاع بعدد من المتطفلين الذين يسيئون إلى المهنة. وهم يرون أن هذه الظاهرة لم يسلم منها حتى قطاع أطباء العيون أنفسهم، الذي يعاني من وجود ممارسات غيرأخلاقية بسبب لجوء بعض النماذج إلى إلزام الزبناء بإجراء التحليلات غيرالضرورية، وكذلك بيع العدسات ، وتوجيه الزبناء إلى محلات تجارية وخدماتية معينة .. ويشار في هذا الصدد إلى وجود أزيد من 20 محلا عشوائيا للمبصاريين، ينتحل أصحابها الصفة ويزاولون عملهم بدون ترخيص في طنجة على سبيل المثال، من غير أن تعمل الوزارة ولا السلطات على التدخل للحد من هذه الظاهرة ..
احتجاجات المبصاريين:
لقد تم تنظيم خمس وقفات احتجاجية وطنية من طرف المهنيين، كانت آخرها وقفة يوم الأربعاء 3 يوليوز 2019 أمام باب الوزارة بحضور حوالي 2000 مشارك ومشاركة .. وذلك احتجاجا على التعديل الذي طال المادة 6 من هذا المشروع. وقد اشتكى المحتجون من غياب الحوار الجاد ، ومن الموقف المتحيز للحكومة. كما طالبوا بسحب ومراجعة القانون 13-45 المقرر عرضه في آخر قراءة على البرلمان من أجل المصادقة النهائية .. ويبقى الأمل الوحيد هو أن يعدل ممثلو الأمة من موقفهم من خلال إعمال العقل والمنطق في هذه المسألة وتحكيم مبدأ العدل، بالنظر للخلفيات غير السليمة لهذا المشروع الذي لا يجب أن يتحول إلى حق يراد به باطل. كما تحضر حقوق هذه الفئة المهنية في سياق الجدال الدائر حول هذا القانون. تحضر حقوق المستهلك وكل الاعتبارات المرتبطة به، والتي لا يجب تغييبها مراعاة لظروفه القاهرة التي لا تسمح بإثقال كاهله بواسطة قوانين مكبلة لحريته، تصب في خانة خدمة مصالح الخواص الذين يريدون أن يحتل المواطن دور البقرة الحلوب ..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
04-07-2019

Related posts

Leave a Comment