لا أحد يحمي عموم المستهلكين من أخطار التسممات الغذائية؟

لا يجب أن يمر حادث تسمم 40 شخصا بمدينة المضيق يوم 3 يوليوز 2019 بسبب تعرضهم لتسمم جماعي إثر تناولهم لأكلات خفيفة بأحد المطاعم بالمنطقة، وكذلك الحادث الثاني المتعلق بتسمم حوالي 26 عاملا بأحد أوراش البناء بطنجة يوم 24 يوليوز الجاري بعد تناولهم أكلة صيكوك، وذلك بسبب تكرار هذا النوع من الحوادث بين الفينة والأخرى على الصعيد الوطني، ثم نظرا لتوفر الظروف المساعدة على تنامي ظاهرة التسممات الغذائية نتيجة غياب الصرامة في تطبيق القانون المتعلق بالسلامة الصحية.
ويزداد الوضع تعقيدا عند حلول الموسم الصيفي وارتفاع درجة الحرارة، ففي ظل الفوضى الناتجة عن تغلغل القطاع التجاري غير المهيكل وانهيار الضمير المهني والخلقي، وغياب آليات الزجر والمراقبة، وكذلك تزايد الجشع والحرص الشديد على تحقيق الأرباح على حساب صحة المواطنين، يجد المستهلك نفسه في عزلة تامة على مستوى الأمن الغذائي، حيث لم تعد هناك من وسيلة فعالة يمكنه اللجوء إليها إلا بأن يتسلح بالحاسة السادسة من أجل أن لا يذهب ضحية الغش والتدليس وانعدام النظافة وغياب معايير السلامة من الأخطار، أما أن يتصور وجود جهة مؤتمنة على صحته أينما حل وارتحل، فذلك ضرب من المستحيلات، ولذلك يتعرض المواطنون للإصابة بالتسممات الفردية بشكل مستمر دون أن يبدو لذلك أثر مباشر بسبب عدم التصريح بمثل هذه الحالات، ولا تبرز فوق السطح إلا تلك الحالات المفضوحة التي تتعلق بالتسممات الجماعية التي تتحول إلى فضائح مدوية ..
ولا يمكن في كل الأحوال إلقاء اللوم إلا على الجهات المعنية بالمراقبة بقوة القانون، وعلى رأسها المصالح التابعة لوزارة الفلاحة، ثم وزارة الصحة، ووزارة الداخلية، والمجالس المنتخبة،.. فهذه الجهات هي المعنية بالدرجة الأولى بمراقبة هياكل القطاع التجاري الذي له علاقة ببيع المواد الغذائية وتقديم وجبات الأكل للزبناء داخل المحلات المعدة لذلك، أو وسط الفضاءات العامة كالشوارع والأسواق والشواطئ والمنتزهات والمحطات الطرقية …
فحسب القوانين المنظمة لقطاع المراقبة، نجد أن أغلب المحلات المخصصة لتقديم الوجبات الغذائية، سواء المرخص لها وغير المرخصة تفتقد في أغلبها إلى معايير السلامة من الأخطار الصحية، ويبرز ذلك في نوعية التجهيزات والأدوات المستعملة، ومستوى تكوين اليد العمالة، وكذلك الفضاء المستغل، وطبيعة المحيط، ثم نوعية الوجبات ومستوى الخدمات المقدمة للزبناء، حيث تفتقر أغلب المحلات إلى أدنى الشروط لمزاولة المهنة، ورغم ذلك يتوفر أصحابها على الرخص، كما أنها تحظى من حين لآخر بتلك الزيارات الشكلية التي تقوم بها بعض اللجن الموسمية ..
ومن أجل مقاربة واقع هذا القطاع ومعرفة طبيعة الداء الذي يستشري بداخله، لا يجب وضع كل مكوناته في سلة واحدة بسبب تعدد مستويات العمل الخدماتي، فهناك الفضاءات الخاصة بالنخبة، ثم محلات الجودة، ومحلات المستوى المتوسط، ثم محلات المستوى الشعبي الذي تتفاوت درجاته إلى أقل من الصفر. لكن يظل القاسم المشترك بينها، هو عدم الخضوع للمراقبة القانونية في أغلب الأحوال، وإن وجدت التدخلات فهي تتم بكيفية شكلية وغير فعالة، كما تظل موسمية واستعراضية، والدليل هو تعدد البلاغات المتعلقة بالإعلان عن حالات الحجز التي تطال أطنان المواد الفاسدة الموجهة للاستهلاك..
وللمزيد من التفاصيل، يمكن مقاربة كل صنف على حدة :
*الفضاءات الخاصة بالنخبة وفي مقدمتها الفنادق، والمطاعم الفخمة، حيث يحاول القائمون على هذا الصنف تسويق تلك الصورة المغرية بوجود أعلى مستويات الجودة، لكن بأعلى الأسعار و التي تتجاوز كل الحدود المعقولة بسبب تحكم نزعة الاستغلال والرغبة في مراكمة الأرباح بكل الوسائل المتاحة. فهذا النوع من المحلات لا يلجه إلا علية القوم والسياح الأجانب الذين يخرجون بخلاصة غير مرضية في غالب الأحيان، بسبب تدني مستوى الخدمات وارتفاع الأسعار التي لا تشجع على السياحة.
* مطاعم ومقاهي الجودة: ويتميز هذا الصنف كذلك بقوة الاستقطاب بسبب نوعية الخدمة التي يقدمها، وكذلك أصناف المواد والأطعمة التي تعرض على الزبناء، والتي تظل في بعض الأحيان مخيبة للآمال، وخصوصا حينما تتم مقارنتها بالأسعار المعتمدة والتي تنطوي على حيف كبير بالنسبة للمستهلك. والأسوأ هو أنه قد يبوء بالخيبة أحيانا، حينما يكتشف أن ما يقدم له دون المستوى المطلوب ولا تتوفر فيه المعايير المطلوبة، علما أن الجودة ليست فقط هي المغالاة في الثمن والتدليس على الزبناء، كما لا تنحصر في زخرفة المكان واختيار أحسن التجهيزات والديكورات والأضواء المشعة، لأن الأهم هو ما يقدم للزبناء وكذلك نوعية الخدمة المعروضة عليه.
* المستوى المتوسط، ويتعلق ببعض المقاهي والمطاعم التي توجه خدماتها للطبقة المتوسطة، والتي تتوفر على ترخيص قانوني كما تحظى بالإقبال من طرف الزبناء، فهي كذلك تشكو من أعطاب بسبب محدودية نشاطها وقلة الرواج، ويبرز ذلك في قلة النظافة وانعدام الجودة وغياب المهنية في تقديم الخدمة، مما يضطر الكثير منها للإغلاق، أو تغيير المهنة ..
* المستوى الشعبي، ويتمثل أغلبه في القطاع غير المهيكل الموزع بشكل فوضوي داخل المدن والقرى، حيث يمتد إلى كل الفضاءات العمومية وإلى الشوارع، ويتغلغل أكثر داخل الأسواق الأسبوعية، وكذلك في المحطات الطرقية. ولعل ما يميزه هو عدم وجود أجهزة التبريد التي تحفظ فيها المواد في درجة حرارة أقل من 03 %، وكذلك غياب الماء والمرافق الصحية والربط بشبكة الصرف الصحي. فهذا النوع من المحلات يظل محررا، حيث لا يحظى بالمراقبة من طرف الأجهزة المختصة، ولا يلتفت إليه مطلقا من طرف المسؤولين، إذا تم استثناء حملات الزجر التي تقوم بها السلطات بشكل موسمي من أجل مطاردة الباعة المتجولين. ولذلك يتناسل الممارسون لهذه الأنشطة تبعا لنوعية المواسم، في الوقت الذي يفتقر أغلبهم إلى محلات خاصة مؤهلة، حيث ينتشرون وسط الفضاءات العامة والطرقات ليزاولوا عملهم في العراء وفوق العربات والطاولات وداخل الأكواخ، فيقدمون وجبات جاهزة تجهل طبيعتها ومكوناتها وكيفية تعبئتها وإعدادها ونوعية المواد المستعملة من زيوت ولحوم ودهنيات وبهارات وتوابل ، كما تنعدم فيها النظافة، بل هي تظل عرضة لهبوب الرياح وأشعة الشمس وزخات المطر في وسط غير مؤمن من الأخطار. ونفس الأمر ينطبق على الأواني والتجهيزات المستعملة، فهي تفتقر إلى النظافة والتعقيم لمنع توالد وانتقال البكتيريا والميكروبات التي تتسبب في الأمراض. والأسوأ هو مزاولة هذه الأنشطة بشكل فوضوي دون التخلص من النفايات والأوساخ، مما يحول تلك الأمكنة إلى فضاءات ملوثة ومتعفنة.. ونفس الأمر ينطبق على بائعي حلويات الأطفال والمثلجات، وكل ما يقبل عليه الصغار من أنوع الأكلات الخفيفة والعصائر. فكيف لمثل تلك المواد التي تجهل طبيعتها، ودرجة صلاحيتها للاستهلاك أن لا تكون مصدرا لإلحاق الضرر بصحة المستهلك؟، وكيف يتصور أن يخرج المرء ناجيا بعد تناوله تلك الأطعمة التي تعد من طرف أصحاب الشوايات على قارعة الطرقات، وفي أبواب الأسواق والمحطات الطرقية وفي الشواطئ، والموانئ؟
فأمام هذه الوضعية، كيف لا يمكن أن لا يتعرض المستهلكون للإصابة بالتسممات والأمراض؟ وقد يتفاقم المشكل بسبب تأخر التدخلات من أجل إنقاذ المصابين في مثل هذه الحالات وهشاشة بنيات الاستقبال على صعيد المستشفيات العمومية، إلى جانب غياب الضمانات الخاصة بالجزاءات والتعويض عن الضرر بسبب عدم لجوء المصابين إلى تحريك الدعاوي القضائية ضد من تسبب لهم في الضرر، كل ذلك يحول مجال الاستهلاك إلى غابة يفترس فيها القوي الضعيف ..
وتبقى الجهات المخاطبة بهذا التقرير هي وزارة الصحة ممثلة في مصلحة الطبيب البلدي، ثم المكتب الوطني للسلامة الغذائية، وكذلك السلطات الإدارية والمصالح الأمنية، علما أن كل هذه الجهات تفتقر إلى الإرادة وإلى وسائل العمل الكفيلة لمواجهة هذا المشكل العويص، كما أنها لا تسعى ولو على مستوى الحد الأدنى لوضع حد لتلك الظواهر المستشرية التي تهدد الأمن الغذائي والصحي للمواطنين..فالمكتب الوطني للسلامة الغذائية الذي يمثل وزارة الفلاحة، يقف عاجزا عن مواجهة ذلك التحدي، لتظل النصوص القانونية المسطرة من طرف الوزارة الوصية حبرا على ورق، وذلك بسبب ضعف قوة الانتشار وافتقاره للوسائل والموارد البشرية، بل هو يعتبر نفسه غير معني بمراقبة القطاعات غير المهيكلة، وذلك بالرغم من طموحاته التي تجاوزت الحدود، حيث توحي اجتهاداته وفتاويه أنه يمسك بزمام الأمور، وأنه يمتلك العصا السحرية لحماية المغاربة من الأخطار. ونفس الأمر ينطبق على وزارة الصحة التي وعد وزيرها الحالي بعظمة لسانه خلال شهر رمضان أنه سيحمي المواطنين من أخطار التسممات، وقد تحدث عن خلايا اليقظة الصحية التي يجب أن تُحدد بشكل عاجل حالات التسمم الغذائي التي يتم تسجيلها، إلى جانب إلزامية التنسيق بين مختلف المصالح، لاسيما المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية والمكاتب الصحية للجماعات، مع دعوته إلى تحسيس المهنيين وعموم الساكنة بأهمية احترام القواعد العملية لتحضير الطعام في ظروف مناسبة.” لكن السؤال المطروح هو كيف سيتحقق ذلك في ظل الانهيار الذي يمر به قطاعه الوزاري الذي يشكو من كل الأعطاب؟. فهل تغلب سيادته على مشاكل القطاع داخل المراكز الاستشفائية والمؤسسات الصحية من أجل أن يتفرغ لمراقبة محلات تقديم الأكلات وكل المقاهي والمطاعم، والمحلات العشوائية، والعربات المتنقلة، وأصحاب الشوايات، وبائعي الحلزون، ومروجي كل أنواع الأطعمة والعصائر والعجائن ومشتقات الحليب غير الخاضعة لأدنى شروط السلامة الصحية ..؟
ولذلك سيظل المشكل مطروحا مهما قيل عنه في غياب شروط الإقلاع والخروج من عنق الزجاجة، وليس على المستهلك المغربي إلا أن يعقلها ويتوكل، وأن يعتمد على خبرته وفطنته ويقظته لحماية نفسه من الوقوع في الفخاخ والتعرض لمكروه، لأنه ليست هناك جهة يمكن أن يلجأ إليها مطمئنا من أجل عرض مشكله والعثور على الحل. ولقد عودتنا التجربة وجود جعجعة بدون طحين، فمع وجود تضخم في الترسانة القانونية المحينة، ظل العجز عن تطبيقها ومواكبتها هو سيد الموقف، ولذلك سيبقى المواطن المغربي مجرد حقل اختبار لتجريب كل أنواع مواد الاستهلاك إلى أن يحكم الله بأمره ..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
06-08-2019

152

Related posts

Leave a Comment