ماذا بعد مسرح سرفانتس الذي أصبح ملكا لطنجة

صادقت الحكومة الإسبانية مع نظيرتها المغربية على اتفاقية ثقافية تقضي بتفويت معلمة مسرح سرفانتس بطنجة لفائدة هذه الأخيرة بدرهم رمزي مع التزام الطرف المغربي بتحمل مسؤولية إنقاذه وترميمه وفق معايير دقيقة تحافظ على خصوصياته كاملة بتشاور مع الطرف الإسباني . وهو القرار الذي أثلج صدور المتتبعين لهذا الملف على صعيد البلدين .. وذلك بالرغم من صدوره المتأخر، لأنه لو تدخل الطرفان في وقت سابق لما وصل هذا المسرح إلى ما وصل إليه بسبب ما يمكن وصفه بالتقصير الجماعي تجاه هذا الملف. لأن الحسابات الضيقة دائما تؤدي إلى نتائج عكسية. وحينما نتصفح الصور التي تستعرض تاريخ هذه الملحمة. يتجلى حجم الضرر والخسارة التي لحقته بسبب الإهمال المسترسل . وعدم قيام الأطراف المعنية بواجبها في حمايته . علما أن ما كان يتعرض له بشكل ممنهج لم يكن بعيدا عن أعين المسؤولين . ولطالما نبهت بعض الأصوات وسط الرأي العام إلى ما كان يتعرض له المبنى من اعتداءات تتعلق بالنهب والسرقة والتدمير. وقد وصل الأمر إلى حد إحراقه من الداخل كما تعكسه إحدى الصور . وبالرغم من ذلك ظل وخز الضمير يشق طريقه إلى أن وصل إلى قلوب وعقول الجهات المسؤولة على الصعيد المركزي. والتي ارتأت بعد فوات الأوان ضرورة التدخل من أجل رد الاعتبار إلى هذا الإرث المشترك الذي لا زال الكل يحس بالندم على ضياعه .. لأن عملية الإنقاذ وإعادة الشيء إلى أصله وطبيعته الأولى سيكون مكلفا .. وقد لا يصل إلى مبتغاه النهائي بسبب صعوبات الإنجاز إلا إذا تم التعاون بين الطرفين المتعاقدين على مستوى تبادل الخبرات والتجارب، والوثائق الفنية التي تؤرخ لتاريخه ، لأن الأمر لا ينحصر في الجانب المادي للمشروع والاعتمادات الخاصة بتحمله فقط .. كما أن المشكل

الأساسي فيما يخص الجانب المتعلق بترميم التراث يظل هو النقص في الخبرة واليد العاملة المؤهلة. فقد يتم صرف ميزانيات ضخمة، ولكن بدون فائدة في غياب الشروط الموضوعية . وكذلك الشفافية والنزاهة في الإنجاز عبر كل المراحل ..وفي هذا الصدد ننصح الجهات المسؤولة الا تلجأ إلى المقاربات القائمة على الاستعجال والارتجال والرغبة في حرق المراحل . وهو ما يفرض توسيع باب الاستشارة مع مختلف المتدخلين دون الاقتصار على مكاتب الدراسات وحدها .. ويستحسن إجراء استطلاع للرأي من أجل اختيار النموذج الأمثل لهذه العملية التي يجب أن تحقق النجاح الذي سيكون انتصارا للبلدين .
ومن جانب آخر ننبه إلى ضرورة توفير البيئة الحاضنة للمشروع . فلا معنى للإبقاء على وضع محيطه الذي كان سببا في دماره .. فلا فائدة من إصلاح سرفانتس دون العمل على إعادة هيكلة وتأهيل المجال الذي يشمل كلا من الحي الإسباني، وفندق الشجرة ، وسور المعكازين، ومحيط فندق المنزه ، وشارع صلاح الدين الأيوبي .. وكل ما له علاقة بالمدينة القديمة ومعالمها .. لأن المسرح في غياب ذلك سيشكل نشازا .. كما أن كل الجهود ستذهب أدراج الرياح .. وعليه فإن أولى الأوليات بعد إنقاذ المسرح هي التوجه إلى الفضاء المجاور عن طريق التخلص من الخرائب والدور المهجورة، والأسواق العشوائية، والأراضي العارية التي تحولت إلى مطارح للنفايات والردم . فلا بد من إعادة إصلاح وترميم المباني القديمة المتواجدة على صعيد الحي الإسباني وساحة 9 أبريل، وفندق الشجرة، وشارع صلاح الدين الأيوبي، وساحة فارو.. إن كل هذا يشكل وحدة متكاملة لا يمكن تجاوزها في أفق خلق انعطافة جديدة في تاريخ هذه المعلمة. فلا يمكن العودة بسرفانتس إلى سالف عهده الزاهر في غياب تصور شمولي يستحضر كل الأبعاد التي يجب مراعاتها . فإلى جانب البعد الثقافي والعمراني والفني والتاريخي. لا بد من استحضار البعد الاجتماعي المتمثل في ضرورة توفير البيئية الحاضنة. وفي مقدمتها توفيرالأمن ، والنظافة، والقطع مع مظاهر العشوائية والفوضى والقضاء عن النقط السوداء المتعلق بالجريمة وغياب الأمن ، وكذلك إدماج المحيط ضمن مكونات هذا المشروع الذي سيشكل امتحانا وتحديا كبيرا للبلدين معا . . وذلك من أجل أن يشكل رافعة لتطوير العلاقات الثقافية والتاريخية والحضارية بين البلدين . وهو ما يمكن استثماره إذا كلل بالنجاح في ترميم وإنقاذ عدد من المباني والمآثر الإسبانية على صعيد مناطق جهة الشمال. والتي لا تخلو من قيمة حضارية ، حيث يجب الحفاظ عليها لأنها تخدم مصالح البلدين معا ..
أما النقطة الثانية التي يجب أخذها بعين الاعتبار فهي ضرورة خلق مناخ ثقافي داخل المدينة، وذلك من خلال إحداث معهد للدراسات المسرحية بالشراكة بين وزارة الثقافة ومعهد سرفانتس يختص بالتكوين المسرحي، والتعرف على التجارب التي تمس مختلف المدارس واتجاهات العمل المسرحي . مع إدماج ممثلي البعثات الثقافية الأجنبية في هذه العملية. بالإضافة إلى إنقاذ الموروث المتعلق بالدور السينمائية المتبقية في طنجة، والتي تتعرض حاليا للإتلاف بسبب الإهمال المتعمد.. فلا يعقل بتاتا أن يتم إحياء مسرح سرفانتس بمعزل عن التفكير في تلك البنيات التي لا تقل قيمة عنه .. خاصة وأنها شكلت لعدة عقود ملادا لعشاق الفن السينمائي، بل تحولت إلى فضاء لعرض العمل المسرحي في ظل الفراغ الذي تركه مسرح سرفانتس.. وذلك إلى جانب تشجيع العمل الثقافي ككل من خلال دعم جمعيات المسرح وكل الإطارات الجمعوية مع إيجاد دار خاصة بالجمعيات مزودة بكل المرافق والتجهيزات الأساسية ..
وأخيرا لا بد من خلق إطار مركزي ومجلس إداري يضم كل المتدخلين من جل الإشراف على تنزيل المشروع وتدبيره شؤونه مستقبلا ..

المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
17-02-2019

Related posts

Leave a Comment