ماذا تغير في قطاع النظافة بطنجة بعد ثلاثة عقود من “الخوصصة” المقنعة؟

شركة واحدة تحت غطاء أسماء متعددة:

قد يقال إن الأمر بالنسبة لتدبير قطاع النظافة بطنجة يتعلق بصيغة التدبير المفوض وليس بالخوصصة، لكنه نظرا لغياب شروط ومعايير التدبير المفوض، يمكن الجزم أن السائد في هذه التجربة منذ انطلاقها هو “الخوصصة” المقنعة، لأن هذه الشركات تظل محصنة أمام سلطة القانون، كما تتوفر على الضوء الأخضر لكي تفعل ما تريد وأن تقود هذا القطاع على هواها وحسب مقاسها ومصلحتها بالدرجة الأولى، حتى ولو أشرف على حافة الهاوية.. والمؤسف أن هذه التجربة ظلت منذ البداية تمر بخط تنازلي، أي من سيئ إلى أسوأ. فعند استحضار التجربة الأولى التي قادتها شركة “سيسبا نظافة”، نجد أنها كانت أقرب إلى السكان في الممارسة وتقديم الخدمات، حيث كان أداء الشركة رغم قلة التعويض الذي كانت تتقاضاه أفضل مما ستأتي به الشركة اللاحقة “تيكمد” التي حصلت على أضعاف ذلك المبلغ ولكن بكفاءة أقل وخدمات ضعيفة، ثم سيتضاعف المشكل مع مجيء “سيطا بوغاز” و”صولمطا” رغم الرفع من الاعتماد، حيث سيزداد الوضع سوءا ويكثر التحايل على القانون. وعندما وصل مجلس المدينة إلى عنق الزجاجة، أبى إلا أن ينهي ولايته بالمصادقة على أسوأ اتفاقية في حياة المجالس كلها، لأنها ستحكم عليه بالتنازل عن أزيد من 60 في المائة من ميزانية الجماعة التي ستضخ بالكامل في صندوق الشركات” الجديدة” التي استطاعت في إطار عملية التفاوض فرض شروط شبيهة بشروط “الجزيرة الخضراء”، إذ بدأ الحديث عن “فترة انتقالية وأسطول مؤقت” لمدة ستة أشهر، مما يسمح للشركة بأن تعمل ب”اللي عطا الله”، أي بالمعدات “الخردة” والمتلاشيات التي ظهر مشهدها للعلن وسط المدينة، ويتجلى ذلك في تلك الشاحنات المبهدلة التي سيتم الاعتماد عليها طيلة هذه المدة في انتظار تأكد الشركات من القرار النهائي لوزارة الداخلية في ما يخص ضمان حقها في الحصول على التعويض الذي تنص عليه الاتفاقية في حالة عجز المجلس الجماعي المقبل عن الوفاء بالتزاماته المالية وتسديد المستحقات بانتظام إلى الجهة المفوض لها.. فهذا المستجد يثير دهشة أعضاء المجلس أنفسهم الذين لم يسبق لهم التداول حول هذه الشروط سواء داخل دورة المجلس أو داخل اللجن، مما يعني أن الجهة التي قررت هذه النقطة في غياب أعضاء المجلس تتحمل وحدها المسؤولية.. وهم يرون أن الشركة ليس لها أي مبرر للتملص من المسؤولية، بحكم أنها كانت على علم تام بالوضعية، كما أنها بقيت وحدها بعد انسحاب باقي الشركات من ساحة التباري حول الصفقة، والعرف يقتضي أن تشرع في العمل بأسطول جديد وفق المعايير المنصوص عليها في الاتفاق.. لكن الواقع الحالي هو شيء آخر،..
وعند التمعن في هذه القضية واستحضار تفاصيل كل التجارب، يتبين أن الأمر يتعلق بمسرحية واحدة محبوكة، يتم من خلالها تبادل الأدوار بين مسيري هذه الشركات في إطار من التوافق، بحيث تظل الشركة هي نفسها، ولا تتغير إلا الأسماء والأدوار بين المساهمين والمشاركين.. ويبرز ذلك بوضوح عند تجديد الاتفاقية، فغالبا ما يتم نقل مخلفات المعدات المتهالكة التي كانت تابعة للشريك السابق إلى الشريك اللاحق لتشكل أرضية للشروع في العمل بنفس الصيغة ونفس المنهجية، فتظل تلك التجهيزات قيد الخدمة إلى أن تتلاشى وهي ما زالت تحمل اسم وشعار الشركة السابقة..

أسئلة موجهة إلى الجماعة بخصوص الوضع الحالي:

كل هذه الخدمات تتم بشكل مخالف لدفتر التحملات. فهل ستتدخل الجماعة لتطبيق القانون وحفظ ماء وجهها ووجه المدينة؟
ثم هل ستؤدي الجماعة هذه الخدمات بالثمن المتفق عليه في الاتفاقية، علما أنها لا ترقى إلى مستوى الجودة المطلوبة والفعالية؟
لقد قامت الشركتان بإيقاف مجموعة من العمال، وخصوصا العمال المكلفين بكنس الشوارع، وإلى يومنا هذا مازال البعض منهم يحتجون أمام أبواب الشركتين. فهل سيتدخل المجلس لمعالجة هذا المشكل في ظل النقص الحاصل في اليد العاملة؟

معظم الشاحنات َمهترئة ومنتهية الصلاحية، كما تتسرب منها عصارة الأزبال، مما يتسبب في تكون برك ومستنقعات مائية تنبعث منها روائح كريهة وسط الشوارع والأزقة، والأمثلة كثيرة: نموذج أمام مدرسة عمر ابن الخطاب بحي بنديبان- محيط مدرسة البديع سيدي إدريس ِسوق حي الحداد – ِ مجمع الضحى المرس- أمام مستوصف الجيراري – قرب سينما طارق والقائمة طويلة…

أما على مستوي الحاويات، فإلى حدود اليوم، مازالت توجد بالشارع حاويات الشركتين القديمتين، وكلها مثقوبة تتسرب منها عصارة النفايات المتعفنة. وهناك بعض الحاويات الحديدية التي تمت صباغتها بلون الشركة الجديدة رغم رداءتها وعيوبها وعدم جُهوزيتها للعمل، هذا فضلا عن وجود نقص واضح على مستوى الكنس، فهناك أحياء أصبحت لا تستفيد من هذه الخدمة، مثل مجمع النور وحي الزموري 2 ببني مكادة (نموذجا )..

أنموذج حي الزموري 2 بمقاطعة بني مكادة:

لقد تغيرت الألوان وتبدلت أسماء الشركات وأشكال الشعارات المطبوعة على جنبات الحاويات الممتلئة عن آخرها بالأزبال وبقيت نفس الروائح الكريهة. إنه حال حي الزموري2 بطنجة مع النظافة.
فمع الشركة السالفة المنتهي عقدها كانت المنطقة عبارة عن مزبلة غارقة وسط الروائح النتنة المنبعثة من حاويات شارع الزناكيةً الذي لم يشفع له تواجد أربع مؤسسات تعليمية بمحيطه ليكون أحسن حالا، فالعطور الخبيثة تفوح روائحها داخل فضاء ثانوية بئر إنزران وابتدائية بلافريج وإعدادية ابن الهيثم ومدرسة خصوصية، إضافة لنيابة تعليم الفحص أنجرة المتواجدة خارج مجال الهواء النقي لإقليمها. ورغم دخول الشركة الجديدة في طور الخدمة منذ عدة أسابيع وتجاوزها دهشة البدايات، فإن دار لقمان ظلت على حالها، إذ الروائح العطنة المتعفنة المنبعثة من الأسماك الملقاة من قبل التجار أصحاب المسمكات المنتشرة في محيط هاته المدارس تزكم الأنوف، وقد ازدادت حدةً مع حلول الموسم الصيفي.
وبالعودة إلى هذه النقطة السوداء فقط، يحق التساؤل: متى سيتمكن المسؤولون من تغيير هذه المنطقة أولا ثم باقي مناطق المدينة من سيئ إلى أحسن؟
وهل سيتمكن التلاميذ في الدخول المدرسي القادم من استنشاق هواء عليل خال من الروائح النتنة ؟
كلها أسئلة يطرحها التلاميذ وأطر المؤسسات على مدبري الشأن المحلي الذين يقومون بتغير ألوان الشركات وأسمائها دون إتباع الاستراتيجيات الحقيقية الكفيلة بإنقاذ مدينة طنجة الكبرى من أن تتحول إلى مزبلة كبرى.

اتفاقيات إعادة إنتاج الأزمة وتكريس العجز الدائم:

لقد أبرمً عقد الشركة الجديدة كما هو حال الصفقات التاريخية الكبرى في الوقت الضائع من عمر الولاية التشريعية بتكلفة عالية سترهن المدينة لوقت طويل. فمن سيتحمل مسؤولية هذا التعاقد إذا وقع الفشل ولم تحصل المدينة على النتيجة المرجوة ؟
إن السؤال الذي يتم طرحه الآن من قبل المواطنين هو: ما هي القيمة المضافة للشركة الجديدة للنظافة ؟
قد يقال بأنه يصعب الحكم من أول وهلة على النتائج، لكن إذا كان النموذج السابق معمما على باقي الأحياء والمناطق، فسيكون الوضع محبطا حقا كما في السابق وربما بشكل أسوأ، خاصة إذا كان ذلك المشهد المقزز يعيد نفسه في كل المناطق. براميل وحاويات متسخة وممتلئة فوق طاقتها، كما أن محيطها متعفن وممتلئ بمخلفات الردمً المكدس في كل مكان، وغير بعيد عنها روائح السمك التي تفوح طيلة ال24 ساعة متتالية في الأيام العادية، مما يؤشر على أن العيد الذي تفصلنا عنه يومان فقط، سيكون منظره مرعبا دون شك، وستختلط الجلود بمخلفات الأضاحي وبباقي النفايات أمام عجز هذه الشركات التي ما زالت تحبو من أجل أخذ مكانها في غياب المعدات والآليات واليد العاملة الكفيلة بمواجهة التحديات التي تطرح في هذا اليوم .. وهو أمر غير خاف على الجهات المسؤولة التي بصمت على هذه الصفقة ببصمتها الخارقة، حيث تم منح الشركات كل ما أرادت حينما تم القبول بها على هذه الصورة المأساوية.

المجلس الجماعي يرهن طنجة لدى الشركات “المقنعة”

1-العرض المالي لشركة (ميكومار) والتي ستدبر جمع النفايات المنزلية في مقاطعتي المدينة والسواني بتكلفة تقدر سنويا ب 136 مليون درهم .
2-العرض المالي لشركة(arma) التي ستدبر جمع النفايات المنزلية في مقاطعتي بني مكادة وامغوغة تقدر قيمته سنويا ب 162 مليون درهم .
3- تدبير مركز استقبال النفايات المنزلية والمماثلة بمركز عين مشلاوة يكلف 30 مليون درهم سنويا .

4- إيداع النفايات بالمطرح الجديد المتواجد بجماعة المنزلة يقدر تدبيره سنويا ب 100مليون درهم.

إذا فإن مجموع هذه التحملات سنويا سيبلغ 428 مليون درهم في مقابل مجموع المداخيل – جماعة طنجة – المحققة سنة 2019 والتي قدرت ب 730 مليون درهم، مع العلم أن 30‎%‎ فقط من ساكنة طنجة هم الذين يؤدون ضريبة النظافة لصالح جماعة طنجة. فكيف يمكن للجماعة تغطية هذه التكلفة؟ ثم ماذا سيتبقى بالنسبة لباقي المصالح والمهام التي لها علاقة بانتظارات الساكنة في شتى المجالات..؟ ثم ما هو الدور الذي سيتبقى للمجالس المنتخبة في ظل هذا النزيف الدائم ؟ وكيف سيتأتى لها تفعيل اختصاصاتها حتى يكون لها وجود فعلي وحقيقي؟

السلطة الوصية، الطرف الغائب الحاضر:

ومهما أثير من انتقادات حول هذا الموضوع، فإن السلطة الوصية تتحمل حصة الأسد من المسؤولية، لأنها تمثل الركن الأساسي في هذه اللعبة، أما المجالس فإن دورها يكاد يكون صوريا لأنه يقتصر على تنفيذ التعليمات وتطبيق التوصيات حرفيا حتى ولو كان فيها ضرر على مصالح المواطنين. والسبب هو العجز المالي للجماعة، ثم تعويلها الكلي على دعم الإدارة المركزية، ولذلك تراها تقدم كل التنازلات من أجل أن تحظى بالعطف والتزكية، كما تسمح لنفسها بأن تتعايش مع هذا النوع من الشركات التي يتم خلقها في وقت قياسي لغاية واحدة هي قطف ثمار هذه الصفقات الضخمة مقابل سجل فارغ وتجربة شبه منعدمة.. وحينما تنطلق عملية تقديم العروض تجد الطريق أمامها معبدا للفوز.. كما أنها تظل طيلة الفترة المتعاقد عليها تماطل في تطبيق القانون وتعمل بأقل من الحد الأدنى مما يمكن القيام به، ولا يقدر أحد على مسها بسوء.. وحينما تظهر عليها آثار الإعياء أو العجز، تكون الإدارة المركزية مستعدة للقيام بدور الإطفائي، حيث تبادر إلى إنقاذ الوضعية بشتى الطرق والأساليب. وبدلا من إرغام تلك الشركات على احترام دفاتر التحملات وتوفير العدد الكافي من اليد العاملة والمعدات، تقوم السلطات بتعزيز صفوفها بعمال الإنعاش والتعاون الوطني، وبمعدات الخواص( كالشاحنات، والجرافات) من أجل تغطية ماء الوجه والحيلولة دون إبراز فشلها، وتستمر في إنعاشها بالحقن حتى تكمل دورتها الفارغة..

خلاصة:

بعد هذا الجرد الخفيف لما تعانيه المدينة منذ دخول الشركتين “الجديدتين”، هل ستكون الجماعة راضية مطمئنة على الوضع في آخر أيامها؟ وهل هذا يعتبر نصرا أم هزيمة؟ ذلك ما ستجيب عنه الأيام الحبلى بالمشاكل التي تتحول إلى محن تثقل كاهل ساكنة هذه المدينة المنكوبة.. وخلاصة القول وبصريح العبارة، إنه لا يمكن الضحك على ساكنة هذه المدينة بمثل هذه التمثيلية الهزلية. فإن هذه الخدمات المتردية تتحملها الشركة والمجلس الجماعي الذي لم يدل إلى يومنا هذا بأي توضيح حول المسألة وحول سبب تدهور قطاع النظافة إلى حد غير مسبوق. ونؤكد أن أي اتفاق مع هذه الشركات حول هذا الأمر يعتبر خارج القانون. فحسب العرف الجاري به العمل، فإن عملية الانتقال لا تستغرق أكثر من شهر، لأن المرفق قائم وحي يرزق، كما أن العمال متمرسون ولهم دربة وخبرة في العمل، فما على الشركتين المفوض لهما إلا توفير المعدات الكافية والمؤهلة ثم الشروع في الاشتغال، مع التحلي بالجدية والمسؤولية والوفاء بالالتزامات دون تعمد اللجوء كالمعتاد إلى التناور وافتعال الأزمة التي تؤدي المدينة ثمنها..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
18-07-2021

Related posts

Leave a Comment