مرور 35 سنة على التوأمة بين “فارو” البرتغال و”فارو” سور المعكازين بطنجة

سراب التوأمة:

يوم 24 يونيو من 2020 تكون قد مرت 35 سنة على توقيع وثيقة توأمة مدينة طنجة مع نظيرتها “فارو”البرتغالية،
وقد خلدت الاتفاقية بإطلاق اسم “فارو” على ساحة سور”المعكازين”، أشهر مواقع طنجة، مع وضع لوحة تذكارية بعين المكان، ظلت شاهدة على ذلك الحدث إلى أن تم التخلص منها سنة 2005 .

لقد بقي اسم الساحة واختفى النصب التذكاري، واختفت معه إمكانية الاستفادة من تجربة مدينة” فارو” التي لا تملك لا موقع طنجة الاستراتيجي ولا مؤهلاتها الطبيعية، ومع ذلك قطعت أشواطا بعيدة، لتصبح منافسا قويا لمدن الجنوب الإسباني كحاضرة نظيفة ومنظمة ورائدة في المجال السياحي .
في 1985 كانت المدينتان معا في مفترق الطرق، واحدة محتفظة ببعض البريق والوهج الموروث عن العهد الدولي، والأخرى خارجة لتوها من غياهب حقبة طويلة من دكتاتورية (انطونيو سالزار).

فارو، أنموذج التدبير المحلي:

اليوم، تحصد “فارو” ثمار حسن التدبير والحكامة والاجتهاد في تسهيل حياة الساكنة، بعد أن اعتمدت على الرقمنة في جميع إداراتها، وذلك ليس وليد اليوم، بل قبل حلول جائحة كورونا بسنوات. وقد نجحت في تبسيط الإجراءات إلى أقصى حد وتجميع كم هائل من الإدارات بمختلف التخصصات في حيز مكاني صغير. وكمثال على ذلك هذا المبنى الظاهر في الصورة، وهو مجمع تجاري (مول عصري)، افتتح سنة 2009 ، ويسمى (loja de cidadão) ، ومعناه بالترجمة الحرفية (متجر المواطن). إنه سوق البلدية بطابع عصري، يقدم مجموعة من الخدمات العامة والخاصة المتاحة للمجتمع بأكمله.
يوجد المبنى في وسط المدينة، كما تحيط به ساحة كبيرة يتسع باطنها لثلاثة طوابق تحت أرضية، بها مرائب تسمح للمواطنين بركن سياراتهم لمدة 45 دقيقة بالمجان، وسوقين، أحدهما سوق ممتاز (سوبرماركت)، والآخر مخصص للأسماك واللحوم والخضروات، جيد التنظيم، تحترم فيه جميع الضوابط الصحية المعمول بها في كل مجال. وفي الطابق الأرضي للمبنى، توجد مجموعة متنوعة من الأنشطة التجارية والخدمات.
فيما خصص الطابق العلوي لمكاتب مختلف الإدارات، بما فيها إدارة المجلس البلدي والغرفة التجارية ومصلحة المهاجرين ومصلحة الوثائق الشخصية والمصالح المختصة بالبيئة ومصالح التعمير والأشغال العمومية التي تقدم خدماتها باحترافية كبيرة. والسر يكمن في الموقع إلإلكتروني للبلدية، بحيث يستطيع أي مواطن برتغالي أو أجنبي قاطن بمدينة “فارو” عن طريق قن سري أن ينجز جميع الوثائق، بدء من البطاقة الوطنية إلى جواز السفر الإلكتروني وكذلك السجل التجاري، وأداء فاتورة الكهرباء أو الغاز، ثم أيضا الحصول على كل الوثائق الخاصة بالمعاملات المالية أو العقارية انطلاقا من منزله. كما أن صفحة “الويب” التابعة للبلدية غير مخصصة لعرض صور رئيس البلدية رفقة الشخصيات التي استقبلها، ولا لعرض مشاركات أعضاء المجلس في مختلف الأنشطة كما هو الشأن عندنا. إنها إدارة إلكترونية حقيقية تقرب العديد من الخدمات من المواطنين، وهي في أغلبها يمكن إنجازها عن بعد بضغطة زر تحل المشاكل، وحتى تلك التي تتطلب حضور الشخص، فيمكنه أن ينجزها انطلاقا من منزله أو إدارته، بعد قيامه بإدخال المعطيات الضرورية في النظام المعلوماتي للبلدية، حيث تسلم الوثيقة لطالبها مطبوعة على حامل ورقي ومختومة بمجرد حضوره والتأكد من هويته الشخصية .
في ظرف 45 دقيقة يمكن للبرتغالي أن يتبضع وأن يتسلم وثائقه بعد ركن سيارته في المرآب تحت أرضي. ففي وقت وجيز يمر بالجزار وبائع السمك والخضار. وفي انتظار تجهيز طلبيته، يتوجه نحو المكاتب الإدارية ليسحب وثائقه. وبعد ذلك يختار، هل يستأنف عملية التسوق أم يشرب فنجان قهوة .
بلدية “فارو” أبدعت في استثمار وقت ثمين كان يسرق من المواطن دون أن يستخدمه لا في الإبداع والابتكار والإنتاج ولا في الترويح عن النفس والاستجمام، كما أبدعت في الاقتصاد في النفقات. فليس لديها مكان لمكاتب مكتظة بموظفين ينتجون الثرثرة فقط. المعطيات يكتبها المواطن ثم يقوم الموظف بالتحقق من صحتها فقط، ولا سلطة لديه لإيقافها أو عرقلتها أو إبطاء عملية إنجازها لابتزاز المواطنين.

طنجة في قبضة أصحاب الوقت الميت:

مرت 35 سنة من عمر طنجة، جرت خلالها مياه كثيرة تحت الجسر. فمن مدينة جميلة هادئة شبيهة إلى حد كبير وقتها بمدن البحر الأبيض المتوسط الشهيرة كموناكو وصقلية وجنوة، أصبحت اليوم مدينة محاصرة بأحياء البناء العشوائي. محيطها الطبيعي يتآكل كل يوم، آلاف الهكتارات من أراضيها سلمت بثمن بخس للخواص لإقامة مرائبهم وسلمت معها الشوارع المحيطة بها، كما صرفت الملايير على بناء أسواق القرب، وبمجرد افتتاحها أصبحت عشوائية بعد أن فرخت بداخلها البراريك والأكواخ. المواطن أصبح يقف خارج الأبواب تحت المطر وحر الشمس، تتقاذفه الإدارات ككرة غولف يطوح به من مكتب إلى آخر، يستجدي وثائق من إدارة ليثبت لإدارة لأخرى أنه حي يرزق، أو أنه متزوج أو أعزب. وجاءت الجائحة لتثبت أن المدينة بعيدة كثيرا عن أهداف المغرب الرقمي، لا يجمعها بالإدارة الحديثة إلا البر والإحسان.
المواطن الطنجي يضيع الكثير من عمره داخل ردهات الإدارات التي تشكل بالنسبة له كابوسا حقيقيا. إن مبنى قصر البلدية يتحول إلى متاهة إدارية يضيع فيها المرتفق، وفي الحي الإداري تستقبله الطوابير الطويلة، فيفرض عليه أن يصطف أمام أبواب الإدارات، كل واحدة على حدة، بمواعيد تتمطط كل يوم. ومن أجل تجديد البطاقة الوطنية ووثائق السيارة التي تمتد المواعيد لشهور. وحتى بعد حلول الموعد المحدد إلكترونياً، يمكن للمرء أن ينتظر يوما كاملا لتقديم وثائقه، فيصبح مضطرا للجوء إلى خدمات السماسرة والوسطاء الذين يعرفون طريق الأبواب الخلفية لكل إدارة.

طنجة الدولية في نسختها الجديدة:

ورغم أنفها، مازالت طنجة دولية بسبب التدبير المفوض، فجمع النفايات والنقل الحضري إسبانيان، ومرفق الماء والكهرباء والتطهير فرنسي، ومعها الكثير من مقدمي الخدمات متعددي الجنسيات نجحوا بتفوق في نقل الأرباح بالعملة الصعبة خارج أرض الوطن، علما أنهم فشلوا في الوفاء بالكثير من الالتزامات، والواقع شاهد على ذلك، مليئ بالأعطاب والانهيارات.
فطيلة هذه المدة، تعاقبت على تسيير طنجة عدة مجالس بتلاوينها السياسية المختلفة، كلها عجزت عن ابتكار حلول لمشاكل المدينة ومراقبة وتتبع شركات التدبير المفوض لكبحها عن المضي في طريق العشوائية والتجبر .
والسؤال المطروح، هو لماذا لم تفعل اتفاقية التوأمة في هذه المدة الطويلة ؟
عمدة تلو الآخر، لم يستحي بعضهم في ظل الفوضى التي تعيشها المدينة عن الحديث بكل ثقة بالنفس عن طنجة كمدينة ذكية، دون أن ينتبهوا إلى “فارو” الضفة الأخرى التي كانت تتقدم ببطء لكن بخطوات واثقة. ولا أحد تذكر اسم “فارو طيلة” 35 سنة سوى عمدة واحد، قيل إنه قصدها للاستجمام فقط.
ما أحوجنا اليوم إلى تجربة “فارو” الحقيقية التي استطاعت تجاوز مشاكلها بطريقتها الخاصة وجمعت الإدارة والأسواق والمرائب في مكان واحد، وابتكرت حلولا على مقاسها للنقل والنظافة لتحقق بذلك نموذجا أوروبيا فريدا في تدبير الشأن العام ..ولكن كيف لطنجة أن تقارب هذه التجربة وتستفيد من رحيق التوأمة الحقيقية التي تساهم في تلاقح الأفكار والخبرات والمعارف التي من شأنها تحقيق تقدم الشعوب. وأنى لها ذلك في غياب توفر الإرادة والإخلاص في العمل وحب الوطن.. لكن يبدو أن المسؤولين كانوا صادقين مع أنفسهم حينما قرنوا تجربة التوأمة بسور “المعكازين” الذي يجسد حقيقتهم وشخصيتهم المترهلة المطبوعة على “العكز” أي الكسل والخمول والعقم القاتل…نماذج من المتطفلين على المسؤولية لا يرجى منهم خير.

المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
24-11-2020

Related posts

Leave a Comment