مشروع الميناء الترفيهي بطنجة : “عود على بدء”

لقد عارضنا منذ البداية تصميم مشروع الميناء الترفيهي بطنجة في صورته المخيفة التي أعلن عنها آنذاك. فقبل انطلاق عملية تفكيك البنيات وهدم المباني والمنشآت التاريخية التي كانت تميز الميناء، وكذلك قبل وضع الحجر الأساسي لإقامة المباني السكنية وسط الملك البحري، طالبنا أكثر من مرة بضرورة فرملة هذا المشروع المقدم كشيك على بياض لفائدة الجهات المستثمرة، وإعادة النظر في تفاصيله التي تنطوي على الغموض من جهة، ثم التناقض مع الأهداف المحددة للمشروع وآفاقه المستقبلية. وباختصار فقد أثارت الرابطة في تقاريرها عددا من النقط الحساسة التي كان على الرأي العام أن يتفاعل معها في حينها قبل فوات الأوان، لكن وياللأسف، فقد وقف الكل موقف المتفرج، علما أن آخر تقرير صدر بهذا الخصوص كان بتاريخ 22 شتنبر 2019. وقد دقت الرابطة ناقوس الخطر، ودعت كل الجهات للتحرك من أجل التصدي لهذه الكارثة التي حلت بمدينة طنجة، كما تم توجيه نداء إلى الفاعلين السياسيين داخل المجالس المنتخبة وإلى فعاليات المجتمع المدني للقيام بدور ما خلال هذه المرحلة من أجل إنقاذ وجه طنجة وموروثها الثقافي والبيئي وحماية الملك البحري من التفويت. وإذا تم استثناء ثلاثة مواقع إعلامية كانت هي وحدها السباقة في التفاعل مع ذلك التقرير لأول مرة ممثلة في “لكم”، و”اشكاين”، “طنجة أنتر”.. فإن باقي الجهات لم تصلها الرسالة، وظلت غائبة حتى قضي الأمر. ولم ينهض الرأي العام من سباته إلا بعد أن اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعاليق الساخرة وبالتعاليق ضد تلك المباني المشوهة التي تم وصفها بعمارات “السكن الاقتصادي”..
وقد عرى التقرير السابق عن خلفيات هذا المشروع المحكوم بالفشل من عدة جوانب بسبب ركوب المسؤولين لموجة الوهم من خلال المراهنة على القطاع السياحي غير المستقر بسبب فقده للضمانات مهما كانت التخمينات، حيث قام بتسليط الضوء على عدد من النقط التي تضرب في العمق الإرث التاريخي والطبيعي لمدينة طنجة وعلاقتها الحميمية بالبحر.. ثم نبه إلى الأخطار المتعلقة بالتشوه العمراني، واستهداف الملك العمومي، وكذلك التداعيات الخاصة لتوابع هذا المشروع، وفي مقدمتها التقليص من مساحة الشاطئ البلدي ومحاصرته بالبناء، وزرع جسم غريب ضمن مرتفقاته، ممثلا في القطار المعلق الذي سيقام على حساب الفضاءات العمومية، فضلا عن أخطار الحوادث المتعلقة بالسلامة( حادث سقوط “تيليفريك” بإيطاليا يوم 23 مايو 2021 )، ثم التأثير على جمالية وانفتاحية المنظر العام.. هذا بالإضافة إلى ما يشكله المشروع من ضرب لمبدأ المرفق العام، حيث ستتحول المناطق السكنية داخل الميناء إلى ملك خصوصي وأماكن مغلقة في وجه العموم..
ومن حسن الحظ أن ذلك الفعل الذي كان في حاجة إلى دعم ومؤازرة من طرف كل القوى المجتمعية، سيعقبه توقف الأشغال على المستوى الأفقي وإجلاء الآليات عن المنطقة بتزامن مع بداية جائحة كورونا(مارس 2020)، لأسباب ما زلنا نتساءل عن طبيعتها. فهل كان الأمر يتعلق بصدور تعليمات لإيقاف الأشغال المتعلقة بإنشاء ذلك التجمع السكني، أم أنه يرتبط فقط بالمتغيرات الظرفية الناتجة عن انعكاسات جائحة كورونا، والتي تمس بالدرجة الأولى الجانب المالي للمشروع؟. فقد تكون الأزمة المالية هي التي ضغطت على تلك الجهات من أجل وقف الأشغال والاكتفاء بتلك البناية المشوهة التي تم غرسها وسط الميناء ضدا على كل المعايير والقوانين المنظمة للمعمار داخل الملك البحري الذي لا يجوز الاعتداء عليه وإثقاله بالإسمنت المسلح.. وهو ما يعني أن الجهات المسؤولة تتحين الفرصة من أجل إتمام مخططها الذي لا ترى عنه بديلا مهما كانت الكوارث التي يحملها..وهو ما تم بالفعل بعد سنة من الجمود، إذ استؤنفت الأشغال في نهاية السنة الماضية، وتم على ضوئها تكملة تجهيز تلك البنايات التي بدت أكثر بشاعة وتخلفا وظلامية، وذلك في أفق الوصول إلى الإخراج النهائي(للمنتوج) قبل حلول الموسم الصيفي الحالي بهدف إعطاء الانطلاقة لعملية التسويق والاستغلال. لكن المثير للانتباه فيما بعد هو عودة الأشغال إلى تلك البنايات بعد القيام بتغطيتها بستائر خارجية لغرض غير واضح خلال الأسبوعين الماضيين، مما طرح أكثر من تساؤل حول الوجهة التي سيأخذها هذا المشروع.
فهل الغاية فقط هي إنقاذ ماء الوجه عن طريق إعادة ترميم الواجهة من أجل التخفيف من بشاعة المشهد، والسعي إلى إزالة طابع “السكن الإجتماعي” الذي تحول إلى وصمة عار؟.. أم أن الأمر يتعلق بخفض مستوى الارتفاع من خلال حذف طابقين، مثل ما جرى سابقا على صعيد مبنى مماثل قرب المحطة البحرية؟
ونظرا للطابع المستفز لهذه المباني، ما زال الكل ينتظر الموقف الواضح من الجهات المسؤولة التي لا يجب أن تستمر في تضليل الرأي العام بصمتها وتزكيتها للقرارات الخاطئة التي ستكون لها انعكاسات سيئة على مستقبل المدينة، كما ستجعلها محط سخرية واستهزاء بسبب هذا الإنجاز الذي تغيب عنه معايير الذوق السليم.
ما زال الكل ينتظر أن تتوفر الجرأة لدى المسؤولين لإعادة النظر في طبيعة هذا المشروع الذي لا نعارضه من الناحية المبدئية، لكن الخلاف ينصب على الكيف الذي يجب أن يتم التباحث حوله مع كل الأطراف المجتمعية لتلافي الوقوع في الأخطاء ..
ما زال الكل ينتظر أن تتم إعادة القطار إلى السكة من خلال الخفض من مستوى علو تلك المباني، ثم التراجع عن قرار إقامة المباني السكنية وبيع الممتلكات، لما يشكله ذلك من خسارة كبيرة للملك العمومي ولمستقبل المدينة وساكنتها.
أليس من الأنسب والمنطقي التركيز على إنجاز المرافق العمومية التي ينص عليها المشروع والزيادة في تثمينها وتطويرها بالشكل الذي يضمن استمراريتها وفعاليتها، مع الاقتصار على البناء الخفيف المشكل من المباني الصديقة للبيئة؟.
قد تكون لهذا المشروع نتائج إيجابية وأرباح خيالية حسب تقديرات المسؤولين وتخميناتهم. لكن الحقيقة المرة هي أن الخسارة بالنسبة للمدينة ولمقوماتها وهويتها الثقافية ستكون أكبر وأفدح، لأنها تمس بجوهر الأشياء، أي بالجوانب الروحية التي لا تعوض بثمن مهما كانت الادعاءات والوعود المعسولة..أما الحقيقة الساطعة فهي أن المتغيرات الدولية تؤكد أن التعويل على السياحة الخارجية يعد بمثابة المراهنة على السراب..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
07-06-20

Related posts

Leave a Comment