مشروع ترميم المباني القديمة الآيلة للسقوط بطنجة إلى أين ؟

شهد طريق باب العصا بطنجة بعد زوال يوم الإثنين 4 نونبر 2019 انهيار أحد المباني الآيلة للسقوط بجوار قوس بن عبد الصادق أثناء القيام بأشغال الترميم الجارية في إطار مشروع شراكة بين عدة متدخلين تحت إشراف سلطات ولاية طنجة بهدف إنقاذ النسيج العمراني للمدينة القديمة، وهو المشروع الذي يشمل تغطية حوالي 300 منزل من هذا القبيل بغلاف مالي قدره 54 مليون درهم ..وقد تزامن وقوع الحادث الذي أودى بحياة أحد السكان مع مباشرة العمال لعملهم داخل المبنى، وقد نجوا من الموت المحقق بأعجوبة نتيجة تفطنهم للحادث قبل وقوعه. وكان الانهيار مصحوبا بتساقط الجدران وأنقاض المبنى المكون من ثلاثة طوابق فوق الطريق الرئيسي وعلى جنبات الدور المجاورة، مما ألحق بها أضرارا بليغة اتخذت شكل تصدعات قوية تهدد سلامة السكان، وهو ما فرض على السلطات التدخل العاجل من أجل إفراغ العائلات المتضررة، البالغ عددها ثمان أسر بالإضافة. وقد أثار ذلك استياء كبيرا في أوساط سكان المدينة القديمة، وخصوصا أولائك المقيمين في الدور المهددة بالسقوط لأنهم أصبحوا يخشون على حياتهم، وعلى مصير تلك الدور التي تعد ملجأهم الوحيد الذي يقيهم من التشرد والضياع .. الأمر الذي جعل الكل يتساءل كيف أن حادث الانهيار لم يقع إلا بعد شروع تلك المقاولة في إنجاز أشغال الترميم التي انطلقت منذ شهرين، علما أن المنزل كان قائما وظل صامدا منذ عدة عقود دون أن يعرف هذا المصير المشؤوم.. وهو ما يطرح التساؤل العريض عن السبب الرئيسي الذي يقف خلف هذا الحادث الذي يخشى أن يتكرر في أماكن أخرى، خاصة وأن هذا المشروع الضخم ما زال في بدايته، حيث يؤكد عدد من المتتبعين أن بعض المباني المستهدفة في إطار هذه العملية لم تعد قابلة للترميم، أكثر مما تحتاج إلى الهدم من الأساس وإعادة البناء بسبب هشاشتها وعدم قابليتها للإصلاح، هذا فضلا عن عدم وجود تشخيص دقيق لوضعية المباني المستهدفة بالإصلاح رغم وجود مكتب للدراسات، لأن كل التدخلات تظل خاضعة للتجريب والتقدير المحفوف بالمخاطر..وتفاعلا مع مجريات هذا الحادث نسجل ما يلي:
*نعبر عن مواساتنا لأسر الضحايا الذين نطالب السلطات بالتدخل العاجل من أجل السهر على تدبير ملف إيوائهم المؤقت إلى حين الانتهاء من الأشغال من أجل التخفيف من معاناتهم.
* نشيد بزيارة السيد الولي إلى عين المكان واطلاعه على أحوال العائلات المتضررة التي تلقت منه وعدا بالتدخل من أجل توفير الدعم لها في هذه المحنة من خلال توفير الإيواء المؤقت في انتظار الانتهاء من عملية إصلاح المباني المتأثرة جراء الحادث.
*نطالب بفتح تحقيق نزيه حول الأسباب الحقيقية التي أدت إلى انهيار المبنى المذكور وتهاوي جدرانه إلى حد التسبب في مصرع أحد السكان مع تحديد المسؤوليات، وذلك من خلال الاستماع إلى كل الأطراف، وبالدرجة الأولى إلى السكان المتضررين الذين كانوا يواكبون الأشغال الجارية، كما كانوا ينبهون باستمرار إلى النقائص المسجلة ( الفيدوهات التي تتضمن تصريحات الساكنة )
*نتساءل عن مدى تقيد المقاولة المعنية بدفتر التحملات وانضباطها للتوجيهات التقنية والفنية الخاصة بإنجاز الأشغال وفق المواصفات المطلوبة في هذا المجال ..
* نتساءل عن مدى قيام الجهة المشرفة على إنجاز المشروع بدورها في المراقبة والقيام بمهام التتبع المستمر عن طريق ذوي الاختصاص في ترميم المباني التراثية ..
* نتساءل عن مدى توفر الدراسات التقنية الشاملة لمكونات هذا المشروع الذي يتطلب إنجاز تدخلات جد معقدة من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المباني. وهل تم إشراك الساكنة في تشخيص وضعية تلك المباني واستشارة ذوي الاختصاص العارفين بطبيعة البناء ومكوناته في تلك المنطقة ؟
* نسجل غياب الشفافية في إدارة هذا المشروع بدليل النقص في المعلومة، حيث يجهل كل شيء عن دفتر التحملات وكذلك الدراسة المنجزة بخصوص كل المباني المستهدفة بالإصلاح، وكذلك التصاميم المرتبطة بذلك من أجل ضمان النجاعة واطمئنان الساكنة إلى ما يتم تنفيذه على أرض الواقع ..
*نسجل عدم اتخاذ الجهة المعنية الاحتياطات اللازمة للحد من أخطار السلامة في محيط المباني التي تخضع لعملية الترميم، مما يدل على عشوائية الأشغال، وذلك رغم حساسية المنطقة المعروفة بضيق أزقتها التي تمر منها يوميا أفواج السياح الأجانب وكذلك سكان المدينة ..
* نسجل عدم إدراج مجموعة من المباني المتضررة ضمن قائمة الدور المشمولة بالإصلاح في هذا المشروع، مما يترك الوضع معلقا ومرشحا لكل الاحتمالات ..
*نتساءل عن مدى استيفاء عملية الترميم لمعايير جودة الأشغال وشروط الجمالية والتناسق المعماري الذي يتماشى مع طبيعة المدن العتيقة، أم أن الأمر يتعلق فقط بالأشغال العادية التي تهم تقوية المباني وتصحيح أساساتها والتخلص من التشققات والعيوب الخارجية ؟
هذا على صعيد الارتدادات المتعلقة بهذا الحادث الذي لا يمكن تصنيفه في خانة القضاء والقدر فقط، بل هناك مسؤولية تتحملها الجهات المتعهدة لهذا المشروع الذي لا يجب أن ينبني على المخاطرة والمغامرة بحياة المواطنين. فكل عمل من هذا النوع له امتداد في الحاضر والمستقبل، لأنه لا يمكن الحكم على النتائج إلا بخواتمها .. فقد يبدو ظاهريا نجاح التدخل الخاص بالترميم، لكنه قد يكشف عن فشله في الأمد القريب في غياب الضمانات الكافية .. ولذلك يحتاج التدخل إلى خبرة عميقة وإلى إنجاز متقن ومهنية عالية ، وبعد نظر واستشراف للمستقبل. ولا يجب أن يقتصر الأمر على التدخل الترقيعي الخاضع لمجرد الرغبة في التخلص من عبء هذا الملف بصفة مؤقتة ..
أما فيما يخص طبيعة المبانى داخل المدينة القديمة، فالملاحظ هو أن غالبيتها تنتمي إلى عهود سابقة تقدر بمئات من السنين، لكن جزءا منها وخصوصا الجانب العلوي منها، قد يكون بني حديثا بكيفية عشوائية في غياب أدنى الشروط المتعلقة بالسلامة من الأخطار، حيث يفتقر العديد منها إلى الدعامات القوية التي تحافظ على متانة البناء.. وهذا أمر تتحمل مسؤوليته السلطات التي ضربت الطوق على السكان ومنعتهم من الرخص القانونية التي تسمح لهم بالبناء والإصلاح وفق مواصفات خاضعة لإشراف المهندس المعماري ومصالح مراقبة البناء .. ومما يؤكد ذلك هو تحول الدور البسيطة إلى شبه عمارات من عدة طوابق وسط منطقة مختنقة بالبناء تفصل بينها زقق ضيقة. بل هناك قسم حديث أنجز من طرف الأجانب تجهل طبيعته، وهو من صنف المباني التي خضعت لإعادة البناء من الأساس ..
إن مشكل الدور الآيلة للسقوط ليس وليد الساعة، بل يعود إلى فترات سابقة، كما أن مصالح وزارة الإسكان وكذلك مصلحة المحافظة على المباني التاريخية التابعة لوزارة الثقافة ظلت منذ عدة عقود تنجز بيانات الإحصائيات الخاصة بهذا النوع من المباني وتقدم التوصيات من أجل العمل على إنقاذ الوضعية. كما أن وسائل الإعلام وهيئات المجتمع المدني ظلت تنبه باستمرار إلى هذه الوضعية وتدق ناقوس الخطر. لكن التماطل والتسويف وعدم الجدية لدى المسؤولين ظل هو الموقف السائد، مما عمق من هذا المشكل الذي يعد من أكبر التحديات التي تواجهها المدينة التاريخية ..بل حتى مشروع طنجة الكبرى لم يول هذا الملف ما يستحق من أهمية، بالرغم من الأغلفة المالية الضخمة التي استنزفت في مجالات ثانوية.
وللتذكير، فقد سبق للرابطة إثارة هذا الموضوع، منبهة إلى الأخطار التي تتهدد السكان من جهة وكذلك النسيج العمراني للمدينة القديمة من جهة أخرى، مطالبة بالحد من التسيب المعماري الناتج عن البناء العشوائي مع الحفاظ خصوصيات المدينة العتيقة، ومشددة على ضرورة إعطاء الأولوية لهذا الملف الذي يحتاج إلى برنامج تضامني بين عدة أطراف بهدف توسيع دائرة الداعمين، وقد اقترحت آنذاك إدماج عدة أطراف في هذه العملية تحت أشراف سلطة الولاية، مثل وزارة الإسكان، ووكالة تنمية الشمال، ووكالة تهيئة ميناء طنجة، وهيئة المنعشين العقاريين، والمجلس الجماعي، والمجلس الإقليمي، ومجلس الجهة، ووزارة الثقافة، ووكالة طنجة المتوسط .. فكل هذه الجهات يجب أن تكون معنية بهذا الموضوع الذي يجب التعامل معه بكل جدية من أجل أن يكتسي طابعه الشمولي، بحيث يستغرق كل ما له علاقة بالتأهيل الحضري داخل المدينة العتيقة. وهو ما يقتضي الرفع من الغلاف المالي الذي يجب أن يتجاوز سقف المبلغ المحدد له حاليا، من أجل ضمان تغطية كل المباني المهددة بالسقوط داخل المدينة القديمة وفق تصور متكامل مع إعمال آليات الحكامة الجيدة والشفافية والوضوح في تدبير هذا الملف..
المكتب لمركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
05-11-2019

شريط فيديو نقلا عن موقع طنجة نيوز

عائلة ضحية إنهيار منزل بطنجة: التهاون وعدم الخبرة هو السبب

Related posts

Leave a Comment