مقاربة لواقع المقابر بطنجة (المقبرة المسيحية بحي بوبانة) 03

وكانت لنا زيارة بتاريخ 10-11-2018 رفقة محمد مبارك الشاط العضو بمجلس مقاطعة طنجة المدينة ، قادتنا إلى مقبرة المسيحيين بحي بوبانة بطنجة ، حيث استقبلنا الموظف المسؤول عن المقابر والمناطق الخضراء بمقاطة طنجة المدينة السيد سعيد اللغميش وحارس المقبرة اللذين رافقانا في جولة داخل المقبرة تم خلالها إطلاعنا على الأجنحة الموجودة ، وعلى نوعية القبور والتدخلات التي قامت بها المقاطعة خلال هذه السنة من أجل إنقاذ المقبرة من التدهور ومن الاعتداءات التي ظلت عرضة لها خلال الفترات السابقة، حيث كشف لنا الحارس عن عدد من القبور التي تعرضت للنهب والسرقة بهدف التنقيب عن النفائس والرخام الأبيض والألواح المعدنية ، إذ شهدت المقبرة خلال سنة 2017 عدة حالات من السرقة طالت حوالي 136 قبرا .
وقد تصادفت هذه الزيارة مع الفترة التي تعرف المقبرة خلالها توافد عدد كبير من الأوروبيين والأفارقة المسيحيين ، حيث تحل يوم غد ذكرى عيد الموتى الذي يتوافق مع يوم 11/11/ من كل سنة. وهو يؤرخ لوفاة مجموعة من الأطباء الفرنسيين الذين كانوا يزورون طنجة من أجل معالجة المرضى. وقد ذهبوا ضحية الغرق في عرض مياه البحر سنة 1937 . وتم دفنهم في قبر جماعي بهذه المقبرة. وبالمناسبة أخبرنا الحارس بالزيارة التي سيقوم بها كل من السفير الفرنسي بالرباط والقنصل الفرنسي بطنجة للمقبرة يوم غد . وعلى مقربة من هذا القبر يوجد قبر مسيلا كابا ( 1936 -1948). وهي فتاة راهبة من أصل إيطالي . وهو يحظى بزيارة الراهبات باستمرار. وفي نفس الجهة يتواجد مقر كنيسة قديمة. وهي بناية فخمة تشرف على ساحة مبلطة بالرخام . كما تضم مستودعات خاصة بتحنيط الموتى. وكان المبنى مخصصا لإقامة القداس الديني والصلاة على الجنائز .. لكنه يوجد الآن في وضعية سيئة بسبب تعرضه للتخريب المستمر الذي أتى على كل محتوياته وتجهيزاته .
تمتد المقبرة على مساحة 4 هكتارات مقسمة إلى أجنحة. فهناك القسم القديم الموجود في المدخل الرئيسي. وتتميز قبوره بالزخرفة بطابعها الفني لما تزخر به من النقوش الفريدة. ثم جناح آخر في الوسط . وتتواجد به قبور مهيأة لاستقبال الموتى الجدد .وهو مجاور للجناح الغربي الذي تعرض أكثر من غيره للسرقة والإتلاف، من أجل التنقيب عن الأسنان المذهبة والصلبان النحاسية وخواتم الزواج .. . وأخيرا هناك الجناح الخاص بدفن البهائيين في الجهة الغربية .
وقد أكد المسؤول عن المقبرة توقف مسلسل الاعتداءات والسرقات منذ قيام المقاطعة بتعيين حارسين جديدين حلا محل خمسة من الحراس كانوا تابعين للتعاون الوطني، حيث أصبحت للمقبرة حرمتها. ومن أجل تحصين المقبرة، تمت تعلية السور الخارجي من الجهة المتصلة بحي الجزيري . كما قامت المقاطعة بإصلاح وترميم عدد من القبور وتنقية الممرات من الأعشاب. وكان الشيء الملفت للنظر هو دعوتنا لزيارة الجناح الخاص بالإدارة ، حيث تتوفر بناية محترمة تضم عدة مكاتب ومسكن الحارس . فتم إطلاعنا على السجلات الخاصة بحفظ أسماء الموتى وبطاقاتهم الشخصية التي تضم كل المعلومات المتعلقة بهم . وهي موزعة ومحفوظة فوق رفوف خشبية .. .وقد اطلعنا على مجموعة من السجلات التي تؤرخ لمراحل مختلفة. منها السجل الأول الذي انطلق العمل به في سنة 1916 . وهو يضم حوالي 813 مسجلا. ثم السجل الثاني ، ويحتوي على 918 من الوفيات. ثم المجلد الثالث 427 مسجلا متوفى. وهكذا دواليك إلى أن نصل إلى سجل الفترة الحالية. مما يدل على أن المقبرة كانت تخضع لنظام إداري مضبوط يسمح بحفظ الذاكرة. وهي تتميز بكونها تضم قبور عدد من الشخصيات الدولية التي أقامت بطنجة. وقد اتضح لنا من خلال الزيارة، أن هذه المقبرة تعد تحفة تاريخية. فهي عبارة عن متحف فني يستحق الزيارة والتأمل لما يحفل به من الإبداع الفني المعبر عنه بواسطة النقوش وهندسة البناء التي تميز القبور. وكذلك النظام الذي يطبع عملية الدفن .. ثم وجود ممرات واسعة تسمح بمرور السيارات . وتنوع الأشجار و النباتات الخاصة بالبستنة ، مما يوحي بوجود فضاء أقرب إلى منتزه طبيعي منه إلى مقبرة .. لكن يبدوا أن الإبقاء على الطابع الأصلي لهذه المقبرة يتجاوز حدود وإمكانيات المقاطعة التي تحاول القيام بدورها. وهو ما يستوجب تدخل الجهات الرسمية الممثلة للقنصليات والسفارات الأجنبية بالمغرب من أجل وضع برنامج موحد يهدف إلى إنقاذ هذه المقبرة والحفاظ عليها . لأنها تمثل إرثا ثقافيا عالميا يمس كل الأجناس التي استقرت بطنجة وأحبت أن تدفن بها .. فلا زالت المقبرة تحتاج إلى تعزيز الحراسة ليلا ونهارا من خلال نصب كاميرات المراقبة . وكذلك وضع مخطط للترميم وإعادة بناء السور، وترميم المزيد من القبور التي تأثرت بفعل التقادم والاعتداءات المتكررة عليها. وكذلك إعادة إحياء المبنى الخاص بالكنيسة وصيانة القسم الإداري..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
02-01-2019

Related posts

Leave a Comment