موسم حوادث السير المميتة بطنجة !!!

أصبحت حوادث السير المميتة داخل المدار الحضري بطنجة أحداثا عادية تدون ملفاتها ثم تطوى؛ وبعدها تصفف فوق رفوف مصلحة حوادث السير !!!
فمتى سيتعامل المسؤولون مع هذه الحوادث المؤلمة كمسارح جريمة، يعقبها البحث عن المجرم لإنصاف الضحايا ومعرفة من القاتل ومن المقتول. الأرواح المفقودة ليست مجرد أوراق خريف متساقطة تتلاشى مع الوقت، بل مسارات حياة طويلةً وضعت بطريقها نقط نهاية بطرق مأساوية تترك ثقوبا كبيرة في المجتمع وجروحا غائرة لا تندمل في مسارات الآخرين من الأبناء والآباء والأصدقاء من محيط الراحلين.

الحوادث رغم بشاعتها يجف حبر قصاصتها على الجرائد بمجرد حث التراب على آخر ضحية، فتنسى ويسود الصمت. وأقرب مثال هو الحادثة الخطيرة التي أودت بحياة ثلاث أشخاص في ريعان شبابهم بشارع مولاي رشيد بطنجة. فرغم وقوعها أمام مدخل باب بيت الصحافة، إلا أنها كسابقاتها توقف الحديث عنها بعد خفوت أصوات المشيعين.
مكان وقوع هذه الكارثة التي تتشابه مع باقي الحوادث في كل التفاصيل هو ربما دعوة غير مباشرة لم يتم التقاطها لتسليط أضواء الإعلام الكاشفة على هذه الحرب الخفية والغير المعلنة على الأبرياء، والتي تودي بكم هائل من الأرواح التي تتساقط في حوادث مماثلة داخل المدار الحضري كل سنة، فهل ستقوم الصحافة بدورها في تنوير الرأي العام وخلق النقاش حول هذه الظاهرة التي تكاثرت بشكل ملفت؟.
فما هي الأسباب الكامنة وراء هذه الحادثة المؤسفة بالضبط ؟
ومن المسؤول عن الحوادث القاتلة المماثلة في هذا الشارع، وخاصة في المقطع الفاصل ما بين أسواق السلام والبرانص!!!؟؟؟
لمعرفة الأجوبة يجب وضع كل المعطيات المتحصلة من حوادث السير بالمدينة أمام الصحافة ووسائل الإعلام وعلى طاولة الخبراء وتحويلها إلى إحصائيات موزعة على الخريطة بشكل دقيق يبين عددٍ الحوادث على شكل نقط يتغير لونها كلما ازداد عدد الحوادث بها، وبالضغط عليها يمكن معرفة أسبابها وحتى أعمار السائقين ونوع العربات التي كانت طرفا فيها، مع إبراز النقط السوداء، حيث تتكرر الحوادث المميتة حتى يتسنى للمواطنين أخذ حذرهم وحتى يتم تعميق البحث في الأسباب التي تكون خفية في كثير من الأحيان وغير ظاهرة للعيان كعيوب تقنية في تصميم الطريق أو أخطاء معيبة في الإنجاز كدرجة ميلان الطريق أو انحداره أو وجود خطأ في اختيار المواد المستعملة التي تصبح زلقة مع أول قطرة ندى أو مطر. فلماذا لا يتم تجميع المعطيات وتحليلها على طريقة هيئة الطيران المدني واستثمار تحقيقات كل حادثً وتعميمها على الجميع بكل شفافية. وهكذا يمكن للأخطاء المرتبطة بالحادث أن تفيد في اتقاء حوادث مستقبلية. فكم من سائق قتل وتسبب في قتل الآخرين عند محاولته تفادي حفرة صغيرة أو مطب لا تتم إزالته بعد الحادث فيكون سببا في وقوع وفيات متتالية للآخرين؟. إن التعامل مع مسرح الحادث كمسرح جريمة يمكن أن ينقذ آلاف الأرواح ويقلل الحوادث المميتة على الأقل داخل المدار الحضري.
لقد سبق للرابطة إثارة موضوع حوادث السير داخل المدينة وخاصة بطريق الرباط، وتمت الاستجابة الجزئية لمطالبها بتثبيت ممرات للراجلين بها مخفظات للسرعة على مستوى مدخل حي الموظفين وقنطرة بنديبان وبعزيب الحاج قدور وبمداخل نفقي البرانص ورياض تطوان، كما تم تثبيت رادار لمراقبة السرعة في ذات المقطع، ولوحظ انخفاض في عدد الحوادث رغم شح التواصل. ولو كان للمسؤولين ثقافة نشر المعلومة، لعرفنا النسب المئوية التي انخفضت بها الحوادث بعد التدخل. ورغم تفهمنا للدور الكبير لتلك التدخلات في إنقاذ الأرواح، فإننا نجدد مطالبنا ببناء ممرات معلقة للراجلين أو مخفظات للسرعة عند كل نقطة سوداء في خريطة المدينة وتكثيف كاميرات المراقبة.
ثم الإصلاح الفوري للعيوب التقنية المكتشفة بالطرقات والمنعرجات والأنفاق أو التنبيه إلى وجودها والتحذير منها كنقط سوداء لحوادث السير وذلك أضعف الإيمان.
وفي الأخير المطالبة بمزيد من الصرامة والحزم في التعامل مع المستهترين بالقوانين وحتى مع المتستر عليهم. ولعل الاستخفاف بالقوانين هو القاسم المشترك لكل الحوادث بما فيها الميمتة، إضافة إلى أسباب أخرى لا حصر لها تبدأ بحالة الطريق والحالة الميكانيكية للسيارات ثم الحالة العقلية والنفسية للسائقين. وبفضل التقدم التقني أصبحت معظم شوارع طنجة مزودة بكاميرات مراقبة جد متطورة تتعرف على لوحات الترقيم وتحسب سرعة الحركة بطريقة دقيقة. فلماذا لا يتم توقيف السيارات الهائجة التي تجوب الشريط الساحلي للمدينة والشارع الرئيسي بها (البولفار) وكأنها الطريق السيار؟، ولماذا لا تقوم شرطة المرور بدور استباقي ومعاقبة المخالفين وتغريمهم وتوقيفهم وهم أحياء بدلا من حضورها إلى مسرح الحادثة بعد فوات الأوان لتدوين المحاضر وإرسال السيارات إلى المحجر أو إلى مطارح الخردة وحمل نعوش السائقين إلى ثلاجات حفظ الأموات؟، وفي هذا الصدد يجب دعم شرطي المرور كحارس للحياة وحمايته من الهواتف التي تتحرك كلما تم توقيف ما يطلق عليهم (ولاد الفشوش).
والمفارقة هي أنه بالنسبة لكل أنواع السيارات تظل قاتلة، سواء المهترئة منها أو تلك التي هي في حالة ممتازة تصل سرعتها ل100 كيلومتر في ظرف ثلاث ثواني، وأحيانا يتعلق الأمر بسيارة رياضية من آخر طراز ترقد مئات الأحصنة تحت غطاء محركها بين يدي مراهق، فتكون بمثابة رشاش أوتوماتيكي بين يدي مجنون أحمق. فكم يجب أن تسقط من الأرواح ليستيقظ ضمير المسؤلين ويتم وضع حد لهذه المهزلة ؟؟؟
فكم من روح بريئة عليها أن تموت ليتم التطبيق الصارم لقوانين السير؟
قبائل الدراجات ثلاثية العجلات التي تحمل الأشخاص رغم أنف كل القوانين ؟
والدراجات ذوات العجلتين تساق بدون خوذة وتتخطى جميع الحواجز والسدود كأنها غير مرئية.
والصوت المزعج لعجلات عشاق التفحيط يسمع بكل مدارة وعويلها يوقظ الأطفال والشيوخ المرضى في منتصف الليل!!!!
أوقفوا هذه المهزلة حاربوا الأسباب، فالحوادث مجرد نتائج للصمت على الخروقات الموجودة في كل مكان وللامبالاة بأرواح المواطنين.
أوقفوا المسرحية البئيسة في بدايتها قبل أن يسدل الستار على موت سائق جديد.
فلماذا لا يتم العمل بمبدأ “الوقاية خير من العلاج”؟ فبدلا من التدخل في آخر ساعة وبعد وقوع الكارثة، لماذا لا يحضر الحس الاستباقي لدى المسؤولين كافة كل في إطار اختصاصه؟، وكيف لا يتم اتخاذ كل التدبير الوقائية والزجرية للحيلولة دون وقوع الحوادث، مثل ما هو الأمر بالنسبة لوباء كورونا ؟ ، فلماذا لا يتم “التلقيح” أيضا ضد حوادث السير المميتة حتى يتعود الجميع على تحمل المسؤولية؟

المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
05-09-2021

Related posts

Leave a Comment