نداء من أجل حماية أيقونة التراث الإنساني بمدشر العناصر في إقليم الفحص أنجرة بطنجة

سبق للرابطة أن تطرقت لمحنة دوار العناصر مع أحد المقالع خلال شهر أكتوبر من سنة 2018 عقب القيام بزيارة لعين المكان لتفقد أحوال هذا المدشر الفقير التابع لجماعة تاغرامت التي تبوئها مداخيل المقالع المنتشرة في ربوعها مكانا متقدما في لائحة أغنى جماعات المغرب، وهناك تم الوقوف على حالة فقر السكان الذي لا تخطئه العين رغم توفر الدوار على غنى طبيعي يتمثل في ينابيع طبيعية تنساب بين جنبات المنازل، ومنها اشتق اسم الدوار ( العناصر) الذي يعني الينابيع باللغة الدارجة، حيث يعيش السكان في عزلة قاتلة رغم وجود مقومات السياحة البيئية، مثل الغابة الطبيعية الكبيرة التي تكسو الجبل والمغارة التاريخية الطبيعية ( كهف أمعال ) الشاهد على استيطان الإنسان لهذه الأرض منذ فجر التاريخ ، كما يشكل الدوار تراثا لا ماديا حيا بفعل ساكنته ذات الماضي الموريسكي الذي يظهر في طريقة عيشها ولباسها وحتى لهجتها .
وقد تم الوقوف في حينه على الدمار الكبير الذي خلفهً المقلع المتواجد شمالا في المدشر المجاور، مدشر (مراح الدبان ) والذي امتد أثره إلى العناصر وأكل جزءا كبيرا على مستوى شرق الجبل الذي يحتضن المغارة، ويمكن أن يصل مع الوقت إلى حد تدميرها بالكامل. وقبله تم المرور في الطريق أيضا بآثار الدمار الشامل للبيئة في مخلفات مقلع بجوار( دوار الحافة ) والذي تم إغلاقه مؤخرا دون احترام بنود دفاتر التحملات الخاصة بالمقالع، فبقيت الحفر الكبيرة التي تشبه فوهة بركان أو آثار اصطدام كويكب أو مذنب بكوكب الأرض، وقد أغلق المقلع دون أن تتم إعادة الأمور إلى طبيعتها من خلال تغطية الحفر بالأتربة وإعادة التشجير، بل ظلت الحفر التي وصلت إلى عمق المياه الجوفية تهدد حياة الساكنة مشكلة تشوها بيئيا كبيرا تظهر أثاره من الفضاء كجرح غائر وكبير في قلب طبيعة وخريطة الفحص أنجرة.

قد يقال بأن كل مشروع كيفما كان نوعه ومستواه، لا بد أن تكون له أضراره الجانبية ووقعه البيئي على محيطه، ففي مشروع من حجم الميناء المتوسطي، يقال إنه تم التفكير في بداياته في كل شيء، وإن قسما من المفكرين والخبراء داخل الوكالة الخاصة طنجة المتوسط أبرزهم المستشار الملكي الراحل مزيان بلفقيه رحمة الله عليه، لما عرفوا حجم ما عانته الساكنة المجاورة من المشروع وتوابعه من طرق سيارة وسكك حديدية ومقالع الأحجار، اقترحوا خلق مؤسسة تنموية تمول من نسبة 1 في المائة من مداخيل المشروع، وهي مؤسسة طنجة المتوسط للتنمية التي تكون مهمتها خلق تنمية مستدامة حقيقية توافق التعريف الأممي الذي يدعو إلى ( توفير أفضل السبل لتحسين معايش الناس في كل مكان )، بحيث تركز على الساكنة المحلية فتعزز ازدهارها وتخلق لها الفرص الاقتصادية وتزيد من رفاهها الاجتماعي و تحمي بيئتها.
لكن بعد خمسة عشر عاما من انطلاق المشروع ماذا تحقق من تلك الرؤى والأماني، وقد لا نبالغ كثيرا في التشاؤم إذا قلنا إن حالة الأسلاف من الهوموسابيانس ( الرجل العاقل ) الذين تواجدوا هنا قبل آلاف السنين كانت أحسن بكثير من حال الساكنة المعاصرة. فعلى الأقل كان ( كهف امعال) يحميها من الوحوش الضارية ومن غضب الطبيعة، بينما هؤلاء يواجهون الآن سطوة أخيهم الإنسان وجبروته، فالأيادي التي كان من المفترض أن تنميهم وتحميهم، هاهي تمتد للبطش بهم. والسلطة التي يفترض أن تستخدم قوتها لنصرة الضعفاء وحماية البيئة، هاهي تقف في الجانب الآخر، والجرافات التي من المفترض أن تشق الطرقات لفك العزلة عنهم، هاهي تستعد لدك آثار (الهوموسابيانس ) الذي لا يختلف عن الساكنة إلا في شكل تسريحة الشعر فقط ، أما هواجس الخوف وفكرة الهجرة فما زالت قائمة رغم وجودهم بجوار رمز قاطرة التنمية.

وعلى إثر الزيارة إلى عين المكان قمنا بإصدار تقرير ملخص حول الموضوع في حينه والذي تطرق بالتفصيل لخطورة إقامة مقلع حجري داخل محمية طبيعية دولية وبجوار مغارة طبيعية. وباستثناء متابعة قرائنا الأوفياء لم نسمع أي صوت للمنتخبين المحليين الذين كانوا على ما يبدو منهمكين في أولويات أخرى تفوق مصالح البيئة والساكنة، ولم نسمع صوت نشطاء البيئة الذين كانوا منهمكين بدورهم في صالونات الفنادق الفخمة يقيمون أضرار حرائق الآمازون، أو يتابعون على أثير الإذاعات كيفية حماية الكوكب من الاحتباس الحراري، بينما في الخارج تختفي جبال عايشت هجرات سكان الكهوف ومرور عقبة وطارق .
لقد انتظرنا تشكيل لجنة برلمانية تنزل إلى عين المكان، للوقوف على حجم الأضرار البيئية في محيط العناصر وفي مجمل تراب الإقليم، وللتحقيق في مآل أموال المؤسسة التنموية التي تصرف دون خارطة طريق ولا جدول أولويات فتذهب لغير مستحقيها ..انتظرنا وانتظرنا دون جدوى لنستفيق على خبر الإنزال الأمني للقوات العمومية في دوار العناصر من جديد ضدا على إرادة السكان الذين خرجوا عن بكرة أبيهم للتعبير عن الاحتجاج والرفض المشروع لهذا المشروع المدمر للبيئة ولمقومات الاستقرار والحياة في المنطقة، وهو الوضع الذي ينطبق على كل المناطق التي تعاني من تواجد المقالع داخل تراب جماعة تاغرامت ..
لو توفرت لدولة أخرى منطقة غنية ومهمة بيئيا وأركيولوجيا مثل منطقة محيط الميناء المتوسطي لأمرت بالإيقاف الفوري للأشغال وبإغلاق باقي المقالع وبتحريمها بالمرة داخل المنطقة التابعة جغرافيا للمحمية الطبيعية محمية المحيط الحيوي (البيوسفير) البيقاري للمتوسط RBIM فهذه المنطقة تحتاج إلى المزيد من البحث والتنقيب الأركيولوجي، وخاصة في بلد أصبح مصنفا كمهد للإنسانية بعد الأبحاث والآثار التي أظهرت أن أقدم إنسان تواجد في المغرب قبل 300 ألف سنة في نواحي اليوسفية وهاجر إلى باقي بقاع العالم ال( الإنسان العاقل( HOMO SAPIENS ).)
كما يمكن الجزم أن ذلك الإنسان خلال حله وترحاله مر من هنا وسكن في كهف (أمعال) و في الغار (لكحل) وغيرها من الأماكن القريبة من هنا، وهذه الآثارلا تشكل تراثا محليا أو وطنيا، فقط بل هي تراث إنساني محض يجب الحفاظ عليه، فأسلاف بوتين وميركل وماكرون في ذلك الزمن السحيق كانوا مغاربة وقطعوا مضيق جبل طارق من هذا المكان بالضبط.
وتلك حقيقة لا يدركها المسؤولون الذين لا يفرقون بين الاستثمار والانتحار، ففي خمس سنوات يمكنك بناء طريق سيار أو سكة حديد وفي عشر يمكنك بناء ميناء ضخم، لكن إذا فقدت موقعا أركيولوجيا فإنك تفقده إلى الأبد.
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
02-12-2019

Related posts

Leave a Comment