نكبة المعهد الموسيقي بطنجة

إن مشكل المعهد الموسيقي بطنجة ليس وليد اليوم، لأن بداية النكسة قد أطلت برأسها حينما قررت وزارة الثقافة التخلي الطوعي عن المبنى التاريخي للمعهد الموسيقي الذي أنشئ في عهد الإدارة الدولية، والذي كان يعد من أبرز معالم طنجة. بل كان يشكل امتدادا لتاريخ أقدم معهد موسيقي على الصعيد الوطني. لكن الرياح جرت بما لا تشتهيه السفن بسبب تواطؤ الجهات المسؤولة التي استسلمت للأمر الواقع وفرطت في العقارالذي كان يضم مبنى المعهد ومرافقه، حيث استجابت بطواعية لقرار الإفراغ، والتخلي عن مقر المعهد الذي دخل في طور التدهور، إلى أن امتدت إليه الأيدي بالهدم من أجل إقامة عمارة سكنية في محله . واكتفت الوزارة بقرارها الترقيعي القاضي بترحيل المعهد إلى بناية سكنية متواضعة في شارع مهاتما غاندي. وبعد استنكار من طرف الرأي العام دام عدة أسابيع، استأنف المعهد نشاطه في ظروف متأزمة بسبب ضيق مساحة المبنى مقارنة مع العدد الضخم للمتعلمين، والذي يقدر بحوالي 780 تلميذا وتلميذة كل سنة. وسرعان ما انكشفت العيوب التي أكدت هشاشة البناية التي أصبحت غير صالحة للاستعمال بعض ظهورالتشققات التي تنذر بالخطر..مما فرض على الوزارة الإعلان عن توقيف الدراسة عند انطلاق السنة الدراسية 2018-2019 والشروع في البحث عن مقر جديد لاحتضان المؤسسة. وقد دام التوقف عن الدراسة مدة شهرين إلى أن تم العثورعلى بناية سكنية من أربع طوابق بحي البرانس 2 ، فاستأنف المعهد نشاطه بشكل متعثر بسبب عدم ملاءمة تصميم المبنى لطبيعة النشاط الخاص بالمعهد. وبسبب بعد المقر عن وسط المدينة. مما أدى إلى انقطاع أزيد من50% التلاميذ عن الدراسة جراء صعوبة الوصول إلى المنطقة. كما امتنع بعض المدرسين عن الالتحاق بسبب ظروف العمل السيئة..ومنذ تاريخ افتتاح المقرالجديد ظل التلاميذ والمدرسون والآباء يمرون بحالة من الحزن والقلق بسبب تراجع المستوى الدراسي للمعهد الذي يعاني في ظل هذه الوضعية الشاذة من كل السلبيات. بل أصبحت تجربته في كف عفريت بسب انسداد الآفاق وعدم وجود أي تصور لدى المسؤولين الذين كشفوا عن تخليهم عن هذا الموروث الثقافي الذي تمت تصفيته عبر مراحل .. والمسؤولية تتقاسمها وزارة الثقافة التي فرطت في معلمة المعهد الموسيقي الأصلي. وكذلك المجالس المنتخبة التي تعاقبت على تدبير شؤون المدينة. والتي وقفت موقف المتفرج، بل عملت على تغييب البعد الثقافي في برامجها. فخلال الإعداد لعملية الافتئات على المعهد الموسيقي سنة 2002 كان يتم الإعداد لتنزيل مشروع المركزالثقافي، وهو (مركزأحمد بوكماخ حاليا). وبعد إجراء مباراة لاختيار أحسن تصميم، عرض تصميم هندسي متكامل موزع على عدة أجنحة، كان من بينها جناح خاص بالموسيقى، وآخر بالمسرح، إضافة إلى قاعة مسرحية. لكنه مع تأخر عملية إنجازالمشروع التي دامت حوالي 15 سنة، تغير كل شيء وتبخر القسم الخاص بالموسيقى، والقسم المخصص للمسرح .
وفي إطار البحث عن حل لهذا المشكل، قامت الرابطة بمراسلة المجلس الجماعي، وسلطات الولاية ووزارة الثقافة من أجل البحث عن حل لمبنى المعهد الموسيقي، داعية كل الأطراف للتدخل من أجل إنقاذ فيلا تاريخية مجاورة لمقر مندوبية الثقافية، وتحويلها إلى معهد موسيقى، لكونها تتوفرعلى كل المواصفات. ففضلا عن ضخامة حجمها وطبيعة بنيتها الصلبة، وتوفرها على كل المرافق والفضاءات المناسبة، فهي تحمل إرثا تاريخيا، حيث سبق أن استعملت كمقر لإذاعة بان أمريكان.. وقد تم التخلي عنها لاحقا لتدخل في طورالإهمال المتعمد من أجل التعجيل بسقوطها وتهيئة الأرضية لإقامة العمارات السكنية .. وهو المطلب الذي لم يحظ بالاهتمام من طرف هذه الجهات التي لم تعد تستريح لكل ما له طابع تراثي، بل ترى فيه عبئا ثقيلا يجب التخلص منه تحت ذرائع متعددة .
ونظرا للوضعية الشاذة للمعهد الموسيقي والظروف الصعبة التي يمر بها، والتي تهدد بموت تجربته وضرب كيانه في غياب وجود تصور مستقبلي عن الحل الممكن لإنقاذه. ندعو من جديد إلى أخذ هذا المطلب بعين الاعتبار. لأنه سيحقق هدفين اثنين في آن واحد. أولا حفظ تلك البناية التاريخية من الضياع. والثاني هو إنقاذ المعهد الموسيقي من خلال توفير مقر دائم في قلب مركز المدينة، وبجوار مندوبية الثقافة. ويظل المقترح الثاني للخروج من هذه الورطة، هو أن يستغل الوعاء العقاري للمعهد المتخلى عنه في شارع مهاتما غاندي، والتي – تعود ملكيته لوزارة الثقافة- في إعادة بناء معهد جديد يسع كل المساحة المكونة للعقار. وهو القرار الذي يتطلب وقتا أطول ..
وخارج إطار هذا المقترح، لا يبدو في الأفق أي بصيص للأمل فيما يخص الحل الممكن للخروج من الأزمة. وتظل المدينة تنظر المشاريع العرقوبية المقررة ضمن برنامج طنجة الكبرى، والتي تهم المجال الثقافي وعلى رأسها، إحداث منشآت جديدة ممثلة في قصرالفنون والثقافات، مسرح بسعة 1500 متفرج ، مدرسة للموسيقى ، ومدرسة للمسرح، دارالثقافة، ..

المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين .
02-06-2019

Related posts

Leave a Comment