ولاية طنجة: تتشبث بمنطق” انصر أخاك ظالما أو مظلوما” في التعاطي مع ملف خروقات التعمير

يتساءل الكل بطنجة، هل انتهت حملة هدم المباني التي بنيت بكيفية عشوائية، وهل تحقق الهدف الذي رسمه المسؤولون بالولاية حينما فكروا في القيام بتلك العمليات التي أتت على مئات من الدور والمنازل في عدد من الأحياء بالمدينة. وهل تحقق الزجر الكافي لمنع العودة إلى مثل هذه الممارسات التي تهدد مستقبل وحاضر المدينة ؟
لا شيء يجعل الرأي العام يطمئن إلى النتائج التي تحققت في إطار القيام بعمليات هدم انتقائية.. ولقد عرضت وسائل الإعلام صور بعض المباني التي طالها الهدم بواسطة الجرافات، كما تبين أن البعض منها لا يدخل ضمن صنف سكن الضعفاء المشيد فوق مساحات محدودة تتراوح بين 30 و50 مترا مربعا. فقد عكست اللقطات وجود سكن فاخر من عدة طوابق وفيلات موزعة على تجزئات سرية بمنطقة كزناية. وقد اتضح فيما بعد أن المنطقة المستهدفة بهذا البناء العشوائي الفاخر هي مناطق غابوية تم التخلص من غطائها وإتلافها بشكل همجي من أجل تملك العقارات ثم بيعها في السوق السوداء، حتى وصل المتر المربع في تلك الدور الجاهزة إلى حدود 5000 درهم .. والطامة الكبرى هي أن سلطات الولاية لم تكتشف هذا الأمر إلا بعد فوات الأوان. فهل لم يكن لها علم حقا بهذه الفضيحة، أم أنها ظلت تدس رأسها في التراب حتى لا تطلع على حقيقة ما يجري جهارا نهارا؟
وعلى غير عادة المشاهد المرافقة لعمليات هدم المباني السكنية في كل مكان، والتي تكون مصحوبة بازدحام الناس حولها، وخصوصا المتضررين والمتعاطفين معهم، بل قد يتطور الأمر إلى القيام بالاحتجاج ضد قرار الهدم. لكن الذي حصل هذه المرة، هو أن عملية الهدم التي وصلت إلى تلك المنطقة بحضور السيد الوالي قد مرت في سلام، إذ غاب عنها أصحاب الأملاك واختفوا عن الأنظار، وبدا وكأن هذه العملية تنفذ في منطقة مهجورة من السكان لا وجود فيها للعنصر البشري، كما أن المباني التي نقلت الفيديوهات صورها ليست مباني عادية غايتها إيواء تلك الشريحة الاجتماعية المعوزة التي تفتقر إلى السكن ..
وبعد هذا الإنجاز الذي حققته الولاية، يمكن التساؤل عن الحصيلة النهائية والنتيجة المرجوة لهذه المعركة ضد العشوائي؟، وهل لن يعود أحد في المستقبل إلى البناء بهذه الطريقة المريبة ؟ وهل طوي ملف البناء العشوائي بطنجة نهائيا؟. فحسب ردود الأفعال وكذلك الوقائع المسجلة، يمكن القول إنه لا يمكن الجزم بانتهاء المشكل، لأن الأسباب التي تقف خلفه مازالت قائمة تتحدى الجميع، كما أن البيئة الحاضنة ستظل نشطة تغذي هذا النوع من البناء بكل الوسائل. وكل ما هنالك هو أنه سيتم إقرار فترة الراحة البيولوجية في انتظار العودة بكل عنفوان وقوة إلى العمل، وانتهاز الفرصة التي تتلون بتغير المسؤولين بسبب غياب مبدأ استمرار الإدارة. فكل مسؤول يحل بهذه المدينة يتصرف على هواه وفق أجنداته الخاصة التي تظل مبهمة. فهناك من يغيب عن الساحة مطلقا ويحتجب خلف جدران المكاتب المغلقة، وهناك من يحاول أن يتظاهر بمظهر المجد الفاعل الذي يكشف عن “حنة يديه” بشكل استعراضي وبصفة مؤقتة، فينهض بين الفينة وأخرى ليوهم الناس بوجوده وحرصه على تطبيق القانون. وهناك أيضا من يتساهل إلى أقصى الحدود رغم علمه بكل شيء ويدير ظهره لهذه الظاهرة وغيرها من الظواهر التي تنخر جسم المجتمع، وهناك من يقوم ببعض التحركات البهلوانية من أجل إرسال بعض الرسائل التي يتبين أنها عارية من المصداقية.
لقد تمت معاقبة العديد من المواطنين على مخالفتهم للقانون وتجرئهم على تشييد مبان غير مرخصة في مناطق متعددة، وهو شيء جميل من أجل كفهم عن الأذى وبعث رسائل إلى الآخرين حتى لا يتجرأوا على هذا الفعل مستقبلا.. لكن الذي يطرح بحدة هو التساؤل حول طبيعة الإجراءات المطبقة على هؤلاء، فكيف يعقل ألا يطال العقاب والمحاسبة أي مسؤول على صعيد أجهزة السلطة المحلية والمجالس المنتخبة ..؟ إن النتيجة كانت متوقعة من طرف الرأي العام منذ البداية لأنه اختبر ولاية طنجة التي عودتنا على نصرة أولادها. ففي حوار مع أحد الكتاب العامين في عهد الوالي محمد حصاد، حينما عرض عليه مطلب محاسبة المتورطين من رجال السلطة في بعض ملفات الفساد، مثل البناء العشوائي، كان يقول بصريح العبارة ” ” إن الإدارة لا تفرط في أبنائها” وهو ما يعني أنها تتشبث بمبدأ ” انصر أخاك ظالما أو مظلوما “. نفس الموقف سيتبناه الوالي محمد اليعقوبي حينما طرح عليه ملف التلاعبات والفضائح التي رافقت عملية توزيع المحلات التجارية بأسواق القرب، وتورط العديد من المسؤولين بسبب التلاعب بلوائح المستفيدين.. فحين تمت مواجهته بهذه الحقائق، دافع عن رجال السلطة الذين يعتبرهم المصدر الموثوق الذي يمكنه الاعتماد عليه والاطمئنان إليه في استقاء المعلومة من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل، أما ما دون ذلك فلا يمكن الالتفات إليه. وبسبب إصراره على حماية هؤلاء، ظل ذلك الملف معلقا إلى الآن، مما جعل تجربة أسواق القرب تبوء بالفشل الذريع.
نفس الأمر يتكرر الآن ويتحول إلى واقع عنيد لا يمكن تجاوزه بسبب غياب الإرادة لدى المسؤولين محليا ومركزيا للحد من الفساد ووضع حد للتسيب.. وبالعودة إلى التصريحات التي أدلى بها عدد من المتضررين من عملية الهدم، نجد أنها تشير بوضوح إلى تورط رجال السلطة وأعوانها الذين لم يتحملوا المسؤولية ولم يتدخلوا لمنع البناء منذ البداية، وأنهم كانوا على تواصل مع أولائك الأشخاص بكيفية مشبوهة. فهل يعقل ألا تقوم الإدارة بفتح تحقيق نزيه في هذا الملف الذي لا يمثل إلا السطح الخارجي لجبل الثلج العائم ؟.. وهل تراهن على وضع حد للبناء العشوائي بهذه الطريقة الملتبسة؟
أما النقطة الأخرى التي يجب إثارتها، فتتعلق بما حدث، وبالخصوص في منطقة كزناية وبدريون وبني سعيد، حيث تبين أن الأراضي التي كانت مسرحا لتلك الأحداث تنتمي في الأصل لإدارة المياه والغابات، وأنها كانت مغطاة بأشجار الغابة، فتم السطو عليها وإتلاف الغطاء الغابوي بكل الوسائل، ثم الشروع في عملية التجزيئ السري بعد أن أصبح بعض النافذين يحتلون العشرات من الهكتارات وسط موقع استراتيجي يطل على البحرين. وقد اتضح أيضا أن الأمر يتعلق بنشاط منظم تقف خلفه لوبيات متمكنة وأطراف استثمارية ضالعة في الفساد.
فبعد هذا الاكتشاف الكبير التي حققته الولاية في آخر ساعة، نتساءل أين كانت أعين السلطة الوصية على الغابات، وأين كان القائد والباشا والمقدم والشيخ.. ؟ ولماذا لم تقم كل هذه الجهات بدورها في مقاومة الاعتداءات التي كانت تتعرض لها الغابة ؟. ثم كيف تجرأ الكثير من هؤلاء على تملك الأراضي عن طريق الترامي ثم اللجوء إلى سلك مسطرة التحفيظ ..؟ ومن هي الجهة المسؤولة عن توثيق عقود البيع والتملك؟. وهل لم تكن ولاية طنجة على علم بما يجري على صعيد هذه الجماعة من تسيب عمراني؟ وهل لم يكن لها علم بالمخطط الذي يستهدف تلك الغابة وكذلك المناطق الغابوية بإقليم طنجة أصيلة ؟..
ومن أجل تفنيد كل ادعاء من هذا القبيل مهما كانت التبريرات، نذكر بالرسائل التي رفعتها الرابطة إلى الوالي محمد مهيدية عقب التحاقه بطنجة، حيث تم تنبيهه بناء على شكاية من الساكنة إلى الممارسات الإجرامية التي تطال تلك الغابة التي أصبحت مهددة بالانقراض وبالبناء العشوائي.. وقد تمت مطالبته بتحريرها واسترجاع الأراضي المنهوبة مع إحداث منتزه طبيعي يغطي تلك المنطقة بهدف حمايتها من المد الإسمنتي.. نفس المقترح تم طرحه بخصوص غابة أحمار والمغاير ومديونة، وذلك من خلال العمل على ضمها إلى منتزه الرهراه. ثم غابة الهرارش والشجيرات وبني مجمل التي يجب أن تتحول بدورها إلى منتزه طبيعي أيضا، وكذلك غابات السلوقية ودونابو حتى لا يفترسها البناء. وكانت تلك المراسلات تأتي مرفقة بمقترحات الحلول.. لكن الجهات المعنية لم تحرك ساكنا، بل ظلت تتفرج حتى استفحلت الوضعية التي لا يمكن التحكم فيها الآن بسبب التعقيدات المرتبطة بهذا الملف الذي يحتاج إلى إرادة حقيقية وروح وطنية وغيرة على مصلحة البلد ثم التجرد من المصلحة الخاصة ومن الأجندات الشخصية التي تعرقل كل مشروع للإصلاح ..
وفي الختام نؤكد على مطالبتنا السيد الوالي محمد مهيدية بإتمام ما بدأه من عمل مشكورا من أجل إنقاذ تلك الغابات ووضع حد لتوسع البناء في تلك المناطق التي لم يتبق غيرها داخل تراب المدينة. وذلك من خلال العمل على إحداث منتزهات مهيكلة ومجهزة ومحمية بقوة القانون، مما يفرض العمل على استرجاع كل الأراضي المنهوبة، وذلك عن طريق تطبيق مسطرة نزع الملكية وتحفيظ كل تلك العقارات في اسم إدارة المياه والغابات، مع وضع حدود فاصلة بينها وبين المناطق السكنية..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين
28-09-2021

Related posts

Leave a Comment