إنها معادلة صعبة: نجاح بتطوان، وإخفاق بطنجة…

تلك هي المعادلة الصعبة التي تواجه الوالي محمد اليعقوبي..الذي سطع نجمه في أول مرة بعمالة المضيق الفنيدق بتطوان التي شكلت منطلق ترقيه إلى منصب والي جهه طنجة تطوان الحسيمة. ويعود الفضل في ذلك إلى ما أبان عنه من قدرات ومواهب جعلته يحظى بالتزكية من طرف السلطات العليا، حيث ساهم خلال تلك المرحلة في إدخال تغييرات مهمة على صعيد منطقة تطوان في الجانب المتعلق بالتهيئة الحضرية التي اكتست طابعا متميزا ..
وقد سارعلى نفس النهج حين انتقاله إلى طنجة وتوليه منصب ولاية الجهة، حيث عمل على إتمام المشاريع المقررة في عهد سلفه محمد حصاد. بل زاد على ذلك بأن طرح مشروعه الطموح الذي يحمل بصماته في أفق تحقيق رؤية طنجة الكبرى .. إذ عمل إلى جانب باقي المتدخلين على إنجاز عدد من المشاريع المهيكلة الهادفة إلى تنظيم المدينة وتحسين الخدمات من خلال توفير عدد من المنشآت ومراكز القرب، وتوسعة الشبكة الطرقية، وتهيئة الممرات تحت أرضية، وإعادة هيكلة الأحياء الناقصة التجهيز. وإحداث العشرات من الأسواق، تهم أسواق القرب والأسواق النموذجية (بهدف القضاء على معضلة الباعة المتجولين، والحد من ظاهرة احتلال الملك العمومي. ثم تنظيم القطاع التجاري، والحد من ظاهرة الاقتصاد غير المهيكل). بالإضافة إلى إنجاز ما يقرب من مائة ملعب للقرب، وكذلك العشرات من المراكز الاجتماعية في مختلف الأحياء بالمدينة.( واللائحة طويلة )
كل ذلك حظي بالتقدير من لدن الرأي العام عند الإعلان عن المشروع. وظل الكل ينتظر النتائج الكاملة لهذه المشاريع، إلى أن حقق البعض منها. وتعثر البعض الآخر في منتصف الطريق لأسباب تظل قابلة للنقاش، من أجل البحث عن علة الإخفاق ..والمؤسف أن أغلب المنجزات كانت لها تداعيات سلبية بسبب غياب الدراسات المدققة والمتكاملة. ثم انعدام المراقبة وعدم اتخاذ التدابيرالاستباقية تلافيا للوقوع في المشاكل ..وللبرهنة على ذلك يمكن الاستدلال بالنقط التالية على سبيل المثال :
– المنجزات المتعلقة بتوسعة الطرقات التي تحولت إلى شوارع الموت في غياب التدابير الوقائية لحماية أرواح المواطنين .
– الانطلاقة المتعثرة لأسواق القرب، وما رافقها من فضائح تتعلق بسوء تدبير الملف على يد رجال السلطة .. مما أدى إلى استمرار العشوائية وتكريس ظاهرة احتلال الشوارع والطرقات.
– تجربة ملاعب القرب التي تحولت نعمتها إلى نقمة بسبب سوء التدبير على يد رجال السلطة الذين يعملون على تسخير عناصر خاصة من شباب الأحياء من أجل الإشراف على استغلال تلك الملاعب عن طريق فرض إتاوات على الفرق الرياضية. وهو ما يشكل شبهة كبيرة وفضيحة لا تغتفر ..
– ما يثار حاليا حول ميناء الصيد الجديد بعد افتتاحه مؤخرا، حيث بدأت الانتقادات تطفو على السطح بخصوص عملية سوء توزيع المرافق، وعدم استيعاب كل المهنيين في إطار من المساواة والعدالة. كما أثيرت من جانب آخر نقطة تتعلق بالتخوف من عدم توفر الشروط الكافية لضمان السلامة والحماية من تأثيرات الرياح داخل الميناء.
– المشاريع الخاصة بإعادة إصلاح الأرصفة، وما تنطوي عليه من عيوب وهشاشة بسبب غياب المعايير اللازمة. وفي مقدمتها جودة الأشغال، وتوفير شروط السلامة من الأخطار .
– مشكل الشاطئ البلدي الملوث الذي لم تكتمل أشغاله رغم مرور حوالي ثلاث سنوات. مما ينعكس سلبا على الموسم الصيفي ..
– مرافق القرب المحدثة والمتعلقة بسوق بوحدات الجملة، والمجزرة، والمحجز، والمحطة الطرقية وما يثار بشأنها من تحفظات في أوساط المهنيين خصوصا، والرأي العام عموما. إما بسبب البعد أو غياب المعايير والشروط الكفيلة بتنظيم هذه القطاعات.
– مشكل البناء العشوائي الذي يفترس كل المناطق التابعة للنفوذ الترابي لولاية طنجة سواء على صعيد المراكز الحضرية أو وسط المناطق القروية ..
ويظل السؤال المطروح، هو لماذا تبوء طنجة بالإخفاق في التغلب على المشاكل المرتبطة ببعض هذه المشاريع المنجزة .. في حين أن جارتها تطوان الخاضعة لنفس الولاية والجهة تحت إشراف نفس الوالي، قد حققت نقلة نوعية في هذا المجال، حيث تمكنت من إنجاز أغلب مشاريعها بشكل ناجح وموفق. وغابت نسبيا نوعية المشاكل المطروحة في طنجة ..وفي طليعة ذلك تم التغلب نهائيا على ظاهرة احتلال الملك العمومي من طرف الباعة المتجولين وأصحاب المقاهي والمحلات التجارية والحرفية؛ حيث أصبحت كل الشوارع مطهرة بالكامل .. ولم تعد هناك جحافل التجار الذين كانوا يحتلون شارع محمد الخامس والشوارع المرتبطة به. مثل طريق باب النوادر، وباب التوت، وساحة الفدان. بل حتى الأسواق المنجزة. فهي في مستوى جد متقدم .. ونفس الأمر ينطبق على التنظيم العمراني للمدينة التي يحترم فيها القانون ، ويقل البناء العشوائي .. ونفس الأمر ينطبق على حركة تنظيم السير والجولان، والمحطة الطرقية، حيث تنعدم الفوضى التي تطبع سلوك أغلب ساكنة طنجة في علاقتها بالمرفق العام ..
فما هو سر النجاح بتطوان في مقابل الإخفاق المسجل بطنجة؟ هل الأمر يتعلق بطبيعة المجتمع ومكوناته من مجالس منتحبة، وهيئات سياسية ونقابية ومجتمع مدني ؟ أم أن الأمر يرتبط بطبيعة السلطة الموجودة في كل منطقة على حدة ..؟ أم أن هناك عوامل أخرى قد تكون ثقافية، أخلاقية ..؟
ما من شك أن هذا الأمر يرتبط بكل هذه العوامل مجتمعة. إلا أن نوعية السلطة الإدارية وعقليتها سيكون لها دور كبير في تحديد النتائج المحصل عليها سلبا أو إيجابا. لكونها صاحبة الأمر والنهي. فهي تمتلك كل الصلاحيات من أجل العمل علي تطبيق القانون، وتفعيل آليات سلطة الوصاية تجاه باقي المكونات الأخرى.
. لهذا يجدر التنويه بمسؤولي الإدارة والأمن في تطوان والمجالس المنتخبة. لأنهم ظلوا حريصين إلى حد ما على تطبيق القانون وتنفيذ المقررات الإدارية والجماعية دون هوادة ..ولعل التضامن والتعاون بين رجال السلطة ومجلس المدينة يعد عاملا حاسما في إفراز هذا الواقع الذي يدل على حسن التدبير في إطار من الانسجام والتوافق خدمة للصالح العام ..
وبالعودة إلى وضعية ولاية طنجة التي نأسف لحالها بسبب إخفاقها في حل مشكل الباعة المتجولين، وإنهاء مشكل السكن العشوائي الذي أصبح يتحدى الجميع ..نتساءل عن سبب ذلك. هل الأمر يعود لعدم توفر الوالي على طاقم إداري مؤهل. علما أنه ظل حريصا على انتقاء عناصره التي ظلت ملازمة له منذ أيامه الأولى بتطوان؟ أم أن الأمر يعود إلى شخصية الوالي نفسه وأسلوبه ومنهجيته في الاشتغال. لأنه يميل إلى التفرد بالقرار وعدم الإصغاء إلى الآخرين.؟ أم أن المشكل يتعلق ببطانة السوء التي اعتمد عليها فخدعته إلى أن انكشف أمرها، وجاء الحل من الأعلى بعد الإعلان عن نتائج الحركة الانتقالية الخاصة برجال السلطة التي اكتست طابعا عقابيا بالنسبة للبعض منهم، الذين يصعب عليهم مفارقة نعيم مدينة طنجة ..أولائك الذين شكلوا درعا واقيا لحماية الفساد ونصرة المفسدين من خلال التشجيع على البناء العشوائي، واحتلال الملك العمومي من طرف التجار والباعة المتجولين والحرفيين. وكذلك التلاعب في ملفات أراضي الجموع. والمؤسف أن السيد الوالي لم يكن يصدق ما يقال له عن ممارسات رجال السلطة، عملا بمبدأ “انصر أخاك ظالما أو مظلوما “..فما أكثر القضايا التي أثيرت أمامه بخصوص سلوك بعض القواد من طرف وسائل الإعلام. وفي شكايات المواطنين ومراسلات جمعيات المجتمع المدني. لكنها ظلت تقابل بالتجاهل وعدم المتابعة..بل كانت تنتهي بتصديق ما يقوله رجل السلطة لا غير. بل حتى الاستفسارات التي كانت ترد عن الإدارة المركزية بناء على شكاوي المتظلمين. كانت تتلقى الجواب الذي يزكي الموقف الخاطئ لممثل السلطة المشتكى به .
.ولا يسعنا بهذه المناسبة إلا التنويه بالإجراءات المرافقة للحركة الانتقالية التي طالت بعض العناصر التي لم تكن تشرف مهنتها ..لكن الخوف كل الخوف هو انتقال الداء على يد هؤلاء إلى مناطق أخرى في حالة عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة. وتكريس ظاهرة الإفلات من العقاب .
ومرة أخرى، نقول متى ستكون السلطات مقتدرة وقادرة على تنفيذ القانون في إطار مبدأ دولة الحق والقانون؟ .. فبعد الزلزال التي تعرض له رجال السلطة بطنجة. هل سندخل مرحلة جديدة يقترن فيها القول بالعمل. ويتم التخلي عن عقلية الانغلاق والجمود والتشبث بالرأي الذي لا ينتج إلا الفشل الذي يعود على صاحبه أولا. ثم على المجتمع ثانيا .. ؟

المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين

26 يونيو 2018

Related posts

Leave a Comment